شخصيات

تعرف على (زوغ)، الملك المُسلم الوحيد في أوروبا الحديثة الذي نصب نفسه ملكاً على عرش ألبانيا، ونجى من ما يفوق الـ50 محاولة اغتيال!

الملك الألباني (زوغ الأول)
صورة: Getty Images

قلمّا كان الملك الألباني (زوغ الأول)، أو أحمد زوغو) يظهر للعلن، ولم يكن يثق بأحد غير أمّه لإعداد طعامه خوفاً من أن يقوم أحدٌ ما بتسميمه، كما كان يُحيط نفسهُ بحراسه الأوفياء فقط، والذين كانوا أيضاً أفراداً من قبيلته أو عائلته، وعلى ما يبدو فإنّ الملك قد كان مُحقّاً عندما اتّخذ هذه الاحتياطات، والتي جعلتهُ ينجو من 55 محاولة اغتيال تقريباً خلال حياته كلها، ولم يكن القائد الوحيد الذي نجا من محاولات اغتيال عديدة.

حياتهُ المبكرة ووصوله إلى السلطة

صورة التقطت حوالي عام 1930 تظهر الملك (زوغ) وهو يقف في الوسط، رفقة ولي العهد فوغال (أسد) والعقيد (ساردجزي) والجنرال (أرانيتا) والجنرال (غيلاردي) والعقيد (باشا).

صورة التقطت حوالي عام 1930 تظهر الملك (زوغ) وهو يقف في الوسط، رفقة ولي العهد فوغال (أسد) والعقيد (ساردجزي) والجنرال (أرانيتا) والجنرال (غيلاردي) والعقيد (باشا) – صورة: Hulton Archive/Getty Images

ولد الملك (زوغ الأول) عام 1895، واسمه الكامل (أحمد مختار بيه زوغوللي)، وقد ساعد (زوغوللي) بلادهُ منذُ أن كان شاباً في حربها ضد الامبراطورية العثمانية لنيل الاستقلال.

قاد (زوغوللي) عندما كان عقيداً في القوات الثورية أكثر من 2000 مقاتل ضد الأتراك ولم يتعد عمره آنذاك 17 سنة، ولما وصلت أخبار إنجازاته وشجاعته إلى مواطني بلده، اقتحم (زوغوللي) الحياة السياسية في بلده بقوّة، وقام بعد ذلك بتغيير كنيته من الكلمة التركية (زوغللي) إلى (زوغو) والتي تعني الطير بالألبانية، ليبدو الاسم ألبانياً أكثر.

بعد نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918، لم تكن لدى ألبانيا حكومة ذات سلطة، فلمّا غادر الأتراك اقتحمت القوات الهنغارية والنمساوية البلاد، ثم غادروها لاحقاً بدورهم لحماية أراضيهم، فاحتلت إيطاليا ألبانيا بعد هروب الهنغاريين والنمساويين بفترة قصيرة، غير أنّ الحكومة المؤقتة التي فُرِضَت على الشعب لم تُرضي الألبان.

لقد كانت ألبانيا دولة صغيرة مُحاطة بعدّة قوى مُتحاربة، فطوال القرون الآخيرة لم ينعم الشعب الألباني بالعيش في دولة مُستقلة، وهذا الصراع هو ما سهّل الطريق أمام (زوغ) للوصول إلى السلطة، ففي أوائل العشرينات من القرن الماضي 1920، عُيّن (زوغ) وزيراً للداخلية في الحكومة للجديدة وانتُخِبَ بعد ذلك رئيساً للوزراء في عام 1922.

بعد مدة قصيرة من انتخابه وتعيينه رئيساً للوزراء، بدأت أولى محاولات الاغتيال باستهدافه، وذلك بسبب طريقته المألوفة في الحكم والتي تجعل من مُعارضيه عرضة للاختفاء بشكل غامض أو للنفي من البلاد، فبرأي (زوغ) أن أي شخص يختلف مع سياساته يعتبر عدواً للحرية.

محاولات الاغتيال المُتكررة للملك زوغ الأول

الملك (زوغ) في واحدة من صوره العادية الكثيرة.

الملك (زوغ) في واحدة من صوره العادية الكثيرة – صورة: Library of Congress من ويكيميديا

في الثالث والعشرين من شباط/فبراير عام 1924، أُصيب (زوغ) بطلق ناري أثناء دخوله لمبنى البرلمان الألباني وجُرح على إثره، حيثُ قام رجلٌ يُدعى (بيكير فالتيري) بإطلاق النار عليه مرّتين، وأصابت إحدى الرصاصات يده بينما أصابت الأخرى وركه، وقد ذُعِرَ لاحقاً قادةُ ألبانيا المُجتمعين عندما رأوا (زوغ) يجلس بهدوء إلى مكتبه ليُكمل عمله وكأن شيئاً لم يحصل، وقد قال (زوغ) بعد ذاك الحادث: ”هذه الأمور تحدث غالباً، ولا يُمكننا أن نعرف أين أو متى ستحدث، ولذلك دعونا نتقبّل الأمر بهدوء“. بمعنى آخر، أراد (زوغ) أن يقول لا تُخبروا الشعب عن محاولة الاغتيال التي حدثت.

لكن سرعان ما انتشر الخبر في البلاد، وأصبح مُعارضو (زوغ) أكثر جرأةً بعد سماعهم لهذا الخبر، وقد قامت قوات موالية لـ(زوغ) بعد ذلك في 20 نيسان/أبريل عام 1924 بقتل شخصية ألبانية سياسية مشهورة وهو (أفني رستمي) الذي كان يُشكّ بضلوعهِ في تدبير محاولة الإغتيال، وقد ساهم مقتل هذه الشخصية البارزة في إثبات أن الحكومة المركزية التي يُفترض أنّها قوية، كانت على النقيض من ذلك تماماً.

أُزيح (زوغ) ومناصريه من السلطة على أثر تلك الحادثة في حزيران/يونيو من عام 1924، لكن هذه لم تكن نقطة النهاية لمسيرته السياسية ومؤامراته ضد أعدائه، فقد عاد (زوغ) مُنتصراً في مطلع عام 1925 بعدما قاد انقلاباً ناجحاً.

الملك (زوغ) الأول مع وزير الخارجية الإيطالي (جيان جالياتسو سيانو) في عام 1937.

الملك (زوغ) الأول مع وزير الخارجية الإيطالي (جيان جالياتسو سيانو) في عام 1937.

قرر البرلمان بعد عودة (زوغ) أن ينتخبهُ رئيساً للوزراء لمدة سبعة أعوام، غير أن (زوغ) نصّب نفسه ملكاً عام 1928 مع حصوله على مُباركات الدولة الجارة إيطاليا، وقد ساعدته في ذلك الأموال التي تُقدّر بملايين الدولارات والتي منحها له الحاكم الإيطالي (بينيتو موسوليني) كدَين لبناء قصرين فخمين، وأثناء مراسم تتويج الملك (زوغ)، حاولت قوّاته التقليل من أعداد الحضور حتى الحد الأدنى خوفاً من محاولات اغتيال أخرى.

بينما عاش (زوغ) حياةً مُترفة، كان الفلاحون والقرويون والعساكر السابقون يعيشون في فقرٍ مُدقع، وفي عام 1930 أصبح مهووساً بأمنه الشخصي، حيث كان حرّاسه الشخصيون من رجال قبائل مُقاطعة (ماتي) فقط، وهي قبائل تملك 400 سنة من التاريخ المُشترك مع عائلة (زوغوللي).

غادر الملك (زوغ) ألبانيا قاصداً العاصمة النمساوية (ڤيينا) في كانون الثاني/يناير عام 1931 بهدف تلقّي العلاج، وقد شمل علاجه -أو سياحته- زيارة لدار الأوبرا المشهور عالمياً في (ڤيينا)، وحالما ركب الملك سيارته بعد انتهاء العرض، قام اثنان من أفراد الجيش الألباني السابقين بإطلاق النار عليه وعلى مرافقيه.

الملك زوغ يجلس بجانب امرأتين في أواخر الثلاثينات.

الملك (زوغ) يجلس بجانب امرأتين في أواخر الثلاثينات – صورة: PhotoQuest/Getty Images

غير أنّ العساكر أخطأوا الهدف، وقتلوا بدلاً من الملك أحد مُستشاريه المُقرّبين وجرحوا واحداً آخراً، ولما حاول مُطلقوا النار الهرب أشهر (زوغ) مُسدسه وأطلق النار غير أنّ التصويب كان ضعيفاً والطلقة لم تُصب الهدف، واستطاعت الشرطة النمساوية اعتقال مُطلقي النار ولم يكونوا قد أُصيبوا بخدش، وتعتبر هذه الحادثة الوحيدة في التاريخ الحديث التي يتبادل فيها رئيس الدولة إطلاق النار شخصياً مع مهاجميه.

كان (زوغ) يحاول الحدّ من النفوذ الإيطالي المُتزايد في الشؤون الألبانية، إلّا أن الدَين الذي اقترضه من (موسوليني) كان يجب أن يُسترد بالنهاية، الأمر الذي جعل الدولة الفاشية تقوم بغزو ألبانيا عام 1939. هرب على إثر ذلك إلى بريطانيا العظمى مُجهّزاً نفسهُ بحساب بنكي يحوي مليوني دولار، وقد استخدم هذه الأموال لعيش حياة مُترفة، حيثُ اشترى عقاراً مساحته 150 فدّان في جزيرة (لونغ آيلند) في الولايات المتّحدة الأميركية وكان عبارة عن مأوى بُنِيَ لملك، غير أن (زوغ) لم يصل قط إلى الولايات المتحدة، وبقي هذا العقار -أو القصر- غير مسكون ومُحاط بالخراب إلى يومنا هذا.

صورة للملك (زوغ) بعد نهاية الحرب العالمية الثانية

صورة للملك (زوغ) بعد نهاية الحرب العالمية الثانية – صورة: Express/Express/Getty Images

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، تمكّن الشيوعيون من السيطرة على البلاد وهزيمة النازيين، فبدأ الملك (زوغ) بالمُطالبة باستعادة عرشه وجرت محاولات لتحقيق ذلك من قبل بعض مناصريه، إلّا أنها باءت بالفشل وباتت ألبانيا تحت حكم الشيوعيين بقيادة (أنور خوجا).

استطاع الملك (زوغ) المخلوع تجنّب كل محاولات الاغتيال التي تعرّض لها في حياته، وتُوفيَّ في باريس عام 1961 بعد إصابته بمرض خطير، ومع ذلك فإن محاولات الإغتيال الـ55 التي تعرّض لها في حياته ورُويت فيما بعد، ليست موثّقة كُلّها بشكلٍ كامل ويعتبر هذا العدد الكبير من محاولات الاغتيال صادماً بالنسبة للبعض.

نُشير إلى أن الملك الألباني لم يكن القائد الوحيد الذي تعرض لعدد كبير من محاولات الاغتيال، فمثلاً تعرّض الجنرال ورجل السياسة الفرنسي (شارل ديغول) لأكثر من 30 محاولة اغتيال، كما قامت وكالة المخابرات المركزية الأميركية C.I.A. لوحدها بتدبير أكثر من 600 محاولة اغتيال للقائد والرئيس الكوبي (فيديل كاسترو)، والأمر يبدو أشبه بمعجزة عندما تعلم أن هؤلاء القادة الثلاث استطاعوا أن يعيشوا طويلاً رغم كل تلك المحاولات.

المصادر

عدد القراءات: 4٬783