معلومات عامة

دخلك بتعرف (ترانسنيستريا)، تلك الدولة… ”غير الموجودة“!

ترانسنيستريا

بعد انهيار وتفكك الاتحاد السوفييتي إلى عدة دويلات في سنة 1990، انفصلت منطقة حدودية ضيقة المساحة تقع على الحدود الشرقية لـ(مولدافيا) متاخمة للحدود الأوكرانية عن دولتها الأم التي كانت تابعة لها وهي (مولدافيا)، وأعلنت على إثر ذلك عن استقلالها عنها وقيامها كدولة مستقلة بذاتها تحمل اسم دولة (ترانسنيستريا).

تبع هذه الخطوة الجريئة حرب دامت أربعة أشهر كاملة من المعارك الطاحنة بين (ترانسنيستريا) و(مولدافيا)، وحصدت هذه الحرب من الضحايا 700 شخص، ثم بعدها بوقت وجيز تم توقيع معاهدة وقف إطلاق النار بين الجهتين المتنازعتين، ومنذ ذلك لم تتدخل (مولدافيا) أبدا في الشؤون الداخلية لـ(ترانسنيستريا)، كما أنها في نفس الوقت رفضت ولازالت ترفض الاعتراف بها كدولة مستقلة ذات سيادة وطنية، في الواقع لم تعترف بها أية دولة أخرى من دول العالم.

على الرغم من هذا التجاهل الذي تعاني منه، تتصرف (ترانسنيستريا) وكأنها دولة مستقلة بكيانها الذاتي، حيث تملك حكومة مستقلة، وجيشا خاصا، وشرطة، ونظاما بريديا، وعملة خاصة، ودستورا، وعلما وطنيا.

يحتوي العلم الوطني لـ(ترانسنيستريا) على رمز الشيوعية الاشتراكية المتمثل في المطرقة والمنجل، مما يجعله العلم الوحيد في العالم الذي ما زال يحمله اليوم.

تمثال الزعيم الروسي الأسبق (لينين) يقف منتصبا أمام مبنى البرلمان في العاصمة (تيراسبول)

تمثال الزعيم الروسي الأسبق (لينين) يقف منتصبا أمام مبنى البرلمان في العاصمة (تيراسبول) – صورة: Marco Fieber/Flickr

من الأسباب الرئيسية التي أدت بـ(ترانسنيستريا) إلى الدخول في صراع مسلح ضد (مولدافيا) ورغبتها في الاستقلال والانفصال عنها هو أن شعبها يتحدث اللغة الروسية كلغة أم، كما أن المنطقة كانت تابعة للأراضي الروسية منذ تخلي الإمبراطورية العثمانية عن ملكيتها لصالح الإمبراطورية الروسية في أواخر القرن الثامن عشر ميلادي. ومنه يشعر شعب (ترانسنيستريا) بشكل طبيعي بأنهم روسيون أكثر منهم مولدافيون، وإلى غاية يومنا هذا تشكّل شريحة ناطقي اللغة الروسية السواد الأعظم في المكون السكاني الترانسنيستري.

منذ توقيع معاهدة وقف إطلاق النار بين (مولدافيا) و(ترانسنيستريا) في نهاية الصراع المسلح الذي نشب بينهما، أبقت الدولة الروسية على قوة عسكرية بغرض ”حفظ السلام“ في المنطقة، ولتمنح دعما ماديا وسياسيا وعسكريا دائما لدولة (ترانسنيستريا)، هذا الدعم الكبير الذي ما كانت (ترانسنيستريا) لتوجد لولاه من الأصل، حيث أن الدعم المالي الروسي بشكل خاص يمثل تقريبا نصف ميزانيتها.

بشكل مباشر، تتأثر الحياة الاجتماعية في (ترانسنيستريا) بالجارة الروسية تأثيرا كبير جدا، حيث يشاهد شعبها القنوات التلفزيونية الروسية، وتتبنى مدارسها الأنظمة والبرامج التعليمية الروسية، والكثير من المتقاعدين وذوي المنح يتلقون منحا مالية مصدرها الحكومة الروسية.

خريطة تبرز منطقة تواجد دولة (ترانسنيستريا) غير المعترف بها.

خريطة تبرز منطقة تواجد دولة (ترانسنيستريا) غير المعترف بها.

غير أن عدم اعتراف المجتمع الدولي بها كدولة مستقلة أثّر فيها بشكل سلبي تأثيرا بالغا، خاصة فيما يتعلق بمستقبل الجيل الصاعد من سكانها، فبينما مازالت شريحة كبار السن من سكانها تأمل في أن يتم الاعتراف بدولتها في يوم ما على أنها دولة ذات سيادة مستقلة وأن تصبح جزءا من روسيا، يعاني الجيل الشاب والصاعد الأمرّين مع الانعدام شبه التام لفرص ومناصب العمل والوضع الاقتصادي الذي أقل ما يقال عنه أنه قاسٍ جدا.

جعلت هذه الظروف معظم الشباب حديثي السن يعلّقون كل آمالهم على الهجرة والخروج من (ترانسنيستريا)، حيث يأمل غالبهم في الهجرة إلى (موسكو) كوجهة أولى، ومنذ نشأة هذه ”الدولة“ انخفض تعداد سكانها بحوالي الثلث أو ما يزيد عن ذلك.

من مظاهر الحياة في (ترانسنيستريا)

من مظاهر الحياة في (ترانسنيستريا) – صورة: Julia Autz

من مظاهر الحياة في (ترانسنيستريا)

مواطنون في (ترانسنيستريا) يستجممون على ضفة نهر مدينة (تيراسبول) – صورة: Julia Autz

جنود في جيش (ترانسنيستريا) الوطني أمام سيارة

جنود في جيش (ترانسنيستريا) الوطني – صورة: Julia Autz

عندما زار المصور الفوتوغرافي البريطاني (جاستين بارتون) (ترانسنيستريا) في سنة 2015، وتناول أطراف الحديث مع فتاة محلية تبلغ من العمر 23 سنة تدعى (أناستازيا سباتار)، انفجرت باكية بعد وهلة ذلك أنها لم يسبق لها أن سافرت خارج (ترانسنيستريا).

كما وجدت المصورة الفوتوغرافية الألمانية (جوليا أوتز)، التي كانت قد سافرت إلى (ترانسنيستريا) من أجل التقاط صور تبرز حياة ووضع شريحة الشباب من سكانها، أن المجتمع كان منغلقا كثيرا على نفسه هناك، وكان من الصعب اختراقه، فقالت: ”يصبح الأشخاص هناك مشوشين ويصيبهم نوع من الريبة عندما يرون شخصا أجنبيا من العالم الغربي يحمل آلة كاميرا، حيث يكون معظم الأشخاص هناك معادين للغرب بطبيعتهم وكل ما يحمله من قيم، فهم معجبون جدا بالرئيس الروسي (بوتين) ويأملون أن تصبح (ترانسنيستريا) في يوم من الأيام جزءا من روسيا“.

تماما مثل المصور البريطاني (جاستين بارتون) صُدمت (أوتز) كثيرا بالحزن الغامر الذي يعتلي تعابير وجوه الأشخاص الذين يعيشون في (ترانسنيستريا)، وعلى الرغم من الوضع اليائس الذي كبروا ليجدوا أنفسهم عالقين فيه، وجدت (أوتز) أن المراهقين والشباب حديثي السن كانوا منفتحين بشكل جيد، فقالت: ”لقد أبدى الجيل الشاب اهتماما كبيرا بي، وكان الفضول يملؤهم هناك حول سبب قدومي إلى بلدهم وما جئت لأفعله هناك“، واستطردت متذكرة تجربتها هناك: ”لا يوجد الكثير من الأجانب في (ترانسنيستريا)، ومعظم سكانها لم يسبق لهم أن زاروا غرب أوروبا، لذا وجدتهم متحمسين للغاية، تملؤهم الرغبة في قضاء بعض الوقت معي“.

صرح (سوفوروف)، رمز مدينة (تيراسبول)

صرح (سوفوروف)، رمز مدينة (تيراسبول)

مواطنون في (ترانسنيستريا) أمام محل لبيع البيرة بالقرب من جسر نهر (دنيستر) في مدينة (تيراسبول)

مواطنون في (ترانسنيستريا) أمام محل لبيع البيرة بالقرب من جسر نهر (دنيستر) في مدينة (تيراسبول)

أدى الوجود الروسي المستمر في المنطقة وتدخلها المتواصل في الشؤون هناك إلى توتر العلاقات مع (مولدافيا)، كما تعتبر (أوكرانيا) أن الوجود العسكري الروسي في (ترانسنيستريا) -التي هي منطقة حدودية متاخمة لأراضيها- تهديدا بالنسبة لها.

كما قام مؤخرا أحد المسؤولين الأوكرانيين باتهام روسيا باستعمال المنطقة المتنازع عليها واستغلالها للتأثير على الدول الناشئة ما بعد الاتحاد السوفييتي المؤيدة للغرب وسياساته، وذلك لثنيها عن الانضمام للاتحاد الأوروبي.

صرح الدبابة في مدينة (تيراسبول)، عاصمة ترانسنيستريا

صرح الدبابة في مدينة (تيراسبول)، عاصمة (ترانسنيستريا) – صورة: Marco Fieber/Flickr

منتزه النصر في مدينة (تيراسبول)، عاصمة (ترانسنيستريا)

منتزه النصر في مدينة (تيراسبول)، عاصمة (ترانسنيستريا) – صورة: Marco Fieber/Flickr

صورة من مدينة (شيتكاني) في (ترانسنيستريا)

صورة من مدينة (شيتكاني) في (ترانسنيستريا) – صورة: Clay Gilliland/Flickr

المصادر

عدد القراءات: 20٬099