تصميم وإبداع

دخلك بتعرف المخبأ المقاوم للأسلحة النووية في ألبانيا، آخر الدول الشيوعية في أوروبا

صورة من داخل المخبأ المضاد للأسلحة النووية في ألبانيا
صورة: Pablo Esparza

كانت ألبانيا الشيوعية أكثر دول أوروبا انعزالاً، وقام النظام الحاكم هناك ببناء مخبئ سري مقاوم للهجمات النووية خوفاً من الغزو الأجنبي، ولكن هذا المخبأ أصبح اليوم معلماً سياحيا لجذب السياح من عشاق المناظر المخيفة من الماضي.

يقبع هذا المخبأ مخفياً عن الأنظار، والطريق الوحيد المؤدي إليه عبارة عن نفق محفور في مقدمة تلة، وهو ليس بالمكان الذي تستطيع التجول فيه كيفما تشاء لأن نفس الطريق يؤدي اليوم إلى قاعدة عسكرية.

يبلغ طول هذا النفق ضعفي طول ملعب كرة القدم، والهواء فيه أبرد من الهواء في الخارج، وعند مرورك داخله ستجد بركاً من الماء المتجمع على الأرض هنا وهناك، وستسمع همهمة متناغمة في الممر يرتفع صوتها كلما تقدمت إلى المنتصف، ولطوله ولقلة الإنارة فيه؛ يبدو حجم الحارس الواقف في نهايته مقابلاً الضوء الساطع صغيراً جداً.

من أجل الوصول إلى موقف السيارات في نهاية النفق يتعين عليك السير على مسافة 198 متراً، وهناك يتراءى لك مبنى حكومي ذو لون رمادي في الأعلى وهو المخبأ المضاد للهجمات النووية أو كما يعرف رسميا بـBunk’Art 1، واحد من أهم المخابئ السرية من أيام الحرب البادرة.

الطريق الوحيد المؤدي إلى Bunk’Art 1 عبارة عن نفق محفور في مقدمة تلة

الطريق الوحيد المؤدي إلى Bunk’Art 1 عبارة عن نفق محفور في مقدمة تلة – صورة: Pablo Esparza

وفقاً لـ(أرتيميسا موكو)، فإن هذا المكان هو أبرد منطقة في العاصمة الألبانية (تيرانا) في موسم الصيف عندما تصل درجة الحرارة إلى 40 درجة مئوية، وتعمل (موكو) البالغة من العمر 24 سنة كدليلٍ سياحيٍ في مخبأ Bunk’Art 1، وكانت قد درست التاريخ الثقافي، وتمضي أيامها الآن في هذا المبنى السري الذي يعرف كذلك باسم «المنشأة 0774»، هذا الاسم البارد لمبنى صُمم خصيصاً للبقاء في ظروف الموت.

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى منتصف الثمانينيات، حكم دولة ألبانيا أنور خوجة بقبضة من حديد على الطريقة الستالينية وذلك من أجل تحويل ألبانيا إلى دولة عصرية مستقلة، ومنع أسلوبه المتفرد بالحكم والتزامه المتعصب بالفكر الماركسي-اللينيني أيّ تغييرٍ في البلاد، حيث قطعت ألبانيا علاقتها مع يوغوسلافيا سابقاً في عام 1984، ومع الاتحاد السوفيتي عام 1961 وأيضاً مع الصين في عام 1979، وكل ذلك بسبب ”التقصير في أداء الواجبات الاشتراكية“ بحسب تصور خوجة.

المخبأ المقاوم للأسلحة النووية في ألبانيا

يقال أن المبنى السري يحتوي على أكثر من 300 غرفة – صورة: Pablo Esparza

ما كان يميز الحكام على طريقة الديكتاتور السوفييتي السابق (ستالين) هو التشكيك في الجميع وفي كل شيء وعدم الثقة في أي كان، فقد كان خوجة، الجنديٌ السابق في الحرب العالمية الثانية ضد ألمانيا، يعتقد أن أعداءه من الغرب والشرق قد خططوا لغزو هذا البلد الجبلي الصغير مما دفعه لإصدار قرارٍ لبدء مشروع بناء هذا المخبأ، حيث كانت الخطة وقتها تسليح مواطنيه لخوض حرب العصابات داخل شبكة كبيرة من الغرف الصغيرة المبنية بالخرسانة المسلحة، وعند اندلاع هذه الحرب المزعومة؛ يقوم الزعيم والنخبة الحاكمة بالتنسيق مع المقاومة من داخل هذا المخبأ.

يمكن القول أن المنشأة 0774 هي نتاج الخوف والشك والرهاب الذي كان يعاني منه الرئيس الألباني، حيث بُنيت بين عامي 1972 و1978 وتحوي على 300 غرفة بلا نوافذ موزعة ضمن 5 مستويات أرضية يقع معظمها ضمن جبال Mali I Dajtit شرقي العاصمة الألبانية. إنها تذكار عن المآسي المنسية التي تعرضت لها ألبانيا في ظل الحرب الباردة.

وفي حال هجوم القوى الغربية أو الشرقية فإن المنشأة 0774 ستعج بالأشخاص، حيث سيتم تنسيق جميع دفاعات ألبانيا من هذا المكان الذي سيتواجد فيه حوالي 300 شخصٍ من ضمنهم موظفو الدولة، وضحت (موكو) ذلك قائلة: ”هناك غذاء وماء ووقود كافٍ هنا للبقاء لمدة عامٍ كامل.“

المخبأ المقاوم للأسلحة النووية في ألبانيا

غرفة اجتماعات مغلفة كليا بالخشب – صورة: Pablo Esparza

تم بناء المخبأ في سرية تامة، على أحد الجدران معلقةٌ صورة الرئيس خوجة في زيارة له يوم الافتتاح، وهو يومٌ من الأيام القليلة التي سيمضيها الرئيس هنا قبل وفاته عام 1985، وقد احتوى المخبأ على جناح خاص بالرئيس، بالإضافة إلى أسرّة فخمة ومكتب للسكرتاريا وحمام يعمل على محركات الديزل، وزُينت الغرف بنوعٍ خاص من الخشب، ووفقاً لـ(موكو) فإن جميع الغرف الأخرى، مثل غرفة رئيس الوزراء مثلا، مصنعة من الخشب العادي ما عدا هذا الجناح.

انتقلت دولة ألبانيا من نظام حكم الرئيس الواحد إلى الانتخابات البرلمانية عام 1991، ولكن هذه الفترة تميزت بالفوضى، ففي عام 1997 انهارت الحكومة بسبب فشل ”مخطط بونزي“ أو ما يعرف باسم «هرم بونزي» -وهو مخطط هرمي يعتبر شكلاً من أشكال الاحتيال- الذي أحدث ضرراً كبيراً في اقتصاد وثروة الدولة، وقُتل في تلك الفترة حوالي 2000 شخص وتم نهب العديد من القواعد العسكرية التي كانت المنشأة 0774 واحدة منها.

كان آخر استخدام للمخبأ عام 1999 من قبل الجيش الألباني من أجل أعمال الحفر، ولكنه احتاج إصلاحات عديدة ولم تتم هذه الإصلاحات حتى عام 2014، وهو العام الذي تمت فيه إعادة افتتاح المنشأة بفضل جهود الصحفي الإيطالي (كارلو بولينو)، وهو الذي قام بجذب الانتباه العالمي إلى هذا المعلم الأثري المعزول.

صرّح (بولينو) لقناة BBC: ”لقد قررت افتتاح Bunk’Art 1 عام 2014 عندما قام وزير الثقافة بدعوة الجميع لطرح أفكار حول طريقة للاحتفال بمرور 70 عاماً على استقلال البلاد، ولم يكن هنالك معلم سياحي آنذاك لتعريف السياح أو حتى السكان الألبان حول تاريخ وأسرار الحقبة الشيوعية في ألبانيا“، وبخصوص زيارته الأولى للمنشأة، فقد صرح قائلاً: ”لقد شعرت بالإثارة عند استكشاف هذا المكان المظلم والغامض الذي يحمل عبق التاريخ“.

قناع مضاد للغازات السامة في المخبأ المقاوم للأسلحة النووية في ألبانيا

قام (بولينو) بإضفاء بعض اللمسات الفنية على المبنى، فتم تحويل بعض الغرف إلى معارض تُجسد التاريخ الشيوعي للبلد، ناهيك عن إظهار المحيط المخيف للمبنى – صورة: Stephen Dowling

وقد أثار افتتاح المنشأة لمدة شهر عام 2014 ضجة واسعة حيث زارها قرابة 70 ألف ألباني، وأوضحت (موكو) أن الشعب الألباني لم يكن يعلم مسبقاً بوجود هذا المخبأ، وصرحت قائلة: ”تسكن العديد من العائلات في هذه المنطقة، ولم يعلم الكثيرون منها بوجود هذا المخبأ في الجبال، بل أُصيبوا بالدهشة عند وصولهم“.

لم يحاول (بولينو) بناء متحف وحفظ تاريخ تلك الحقبة في هذا المخبأ وكأنه كبسولة زمن فحسب، ولكنه قام بإجراء بعض التعديلات على المبنى كنوع من التغيير، فتم تحويل بعض الغرف إلى معارض فنية تُظهر نظرة معينة على التاريخ الشيوعي للبلد، ناهيك عن إظهار المحيط المخيف للمبنى.

تحتوي هذه الغرف على أثاثٍ يتناسب مع الحقبة الشيوعية، وتم الانتهاء من تجديد أكثر من 100 غرفة، أما الأجزاء الباقية من هذا المخبأ، الأشبه بالمتاهة والمجاور لقاعدة عسكرية، فلم يتم تجديدها بعد.

سرير عليه بعض المعدات الحربية من حقبة الحرب الباردة في ألبانيا

لقد تم ملء الغرف بعناية بنفس نوع المعدات المستخدمة في تلك الفترة من قبل القائمين على المنشأة – صورة: Stephen Dowling

وقد اعترف (بولينو) بكون العمل صعباً، حيث قال: ”لقد كان الأمر صعباً من الناحية اللوجستية لأن المكان رطبٌ جداً يتعفن فيه أي شيء يترك مكشوفا لعدة أيام بسرعة“، واستطرد قائلا: ”لقد واجهنا تحدياً صعباً على المستوى الثقافي، فلم يكن استرجاع الوثائق من الفترة الشيوعية بالأمر السهل، ولكن الأمر الأصعب كان التغلب على التحيز تجاه مكانٍ صمم لأصعب فترات التاريخ، لقد عانيت كثيراً في شرح فكرة مهمة وهي أن تذكر حقائق الحقبة الشيوعية لا يعني أن نملك حنيناً تجاهها“.

يمكن القول أن المبنى يحتوي على بعض اللمسات الفنية القريبة من السريالية، فمثلاً قد تبدو مصفاة الهواء التي تعمل على تنقية الهواء عن طريق امتصاص ثاني أكسيد الكربون وطرح الأكسجين مثل سلة قمامة مزينة بالنجمة الحمراء التي ترمز للشيوعية، كما يمكنك أيضا أن تشاهد الأقنعة المضادة للغازات السامة ذات الطابع السوفييتي الخاص في أنحاء الممرات، حيث زودت ألبانيا بهذه الأقنعة منذ كانت حليفة موسكو، وذلك لتذكير الزوار بالكابوس الذي كاد أن يحول هذا المبنى إلى مخبأ مؤقت لـ300 شخص.

بذلة مضادة للمواد الكيميائية أمام صورة جدارية

خُصصت إحدى غرف المبنى لإظهار الإجراءات التي يمكن أن تحدث في حال قيام الأعداء بهجوم نووي – صورة: Stephen Dowling

المخبأ المقاوم للأسلحة النووية في ألبانيا

ذكريات من غرفة رئيس الضباط – صورة: Pablo Esparza

بالرغم من أن المبنى قد يبدو صغيرا الحجم غير أنه ليس كذلك، حيث يوجد في داخله قاعة اجتماعات تتسع لمئات الأشخاص، التي كان من المفترض وقتها أن يلقي الرئيس خوجة خطاباته من خلالها على المواطنين المحاصرين ضمن هذا الحصن، ولكنها تحولت الآن إلى مسرح ومكانٍ لتقديم الحفلات الموسيقية، حتى أنه يوجد بالقرب منها حانة صغيرة من أجل ضيوف حفلات الجاز والروك، ومن المثير للسخرية أن كلا نوعي الموسيقى (أي الجاز والروك) قد تم منعهما في عهد خوجة.

من المقرر إجراء حفلاتٍ أخرى في المنشأة، وذلك بسبب الازدهار السياحي الذي تنعم به وتحولها إلى أهم الوجهات السياحية في البلد، كما يملك (بولينو) خططاً ومشاريعاً أخرى لها، حيث قال: ”إن مشروعي القادم سيكون في الممر الجنوبي لمبنى Bunk’Art 1، حيث سأقوم بتحضير معرضٍ للصور من مشاهد الحياة اليومية في الفترة الشيوعية. إنها فكرة ممتازة لتعريف السياح على حقبة قد مضت“، وأضاف: ”وسأقوم بإنشاء مسرح ضخم في شهر سبتمبر أحيي فيه شخصياتٍ من الماضي في أروقة المنشأة مما سيسمح للزوار بالتفاعل معهم. إنها أول خطوة تجاه مشروع آخر أطمح لفعله يتعلق بالواقع الافتراضي“.

مصفاة هواء على شكل حاوية قمامة

زُودت ممرات المبنى بأجهزة خاصة لتصفية الهواء – صورة: Stephen Dowling

أصبح مبنى 1 Bunk’Art سبباً لزيارة العاصمة (تيرانا)، وفقاً لـ(سينادا موراتي)، أحد أعضاء الفريق الذي يدير المجمع، فقد استطاعت ألبانيا جذب المزيد من الاهتمام من زوار من المملكة المتحدة والولايات المتحدة وحتى من مناطق بعيدة مثل نيوزيلندا.

تقول (موكو) أن Bunk’Art قد حاول أن يظل محايداً سياسياً قدر الإمكان، بالتأكيد دون التخلي عن حقائق العزلة الشيوعية في ألبانيا، ويُعتقد أن حكم خوجة الذي استمر 40 عاماً أُعدم فيه ما يقارب 5500 شخصاً وسُجن فيه أكثر من 25000، وكان وقتها من المسموح حتى إطلاق النار على المواطنين الألبان أمام الملأ إن ضُبطوا وهم يحاولون تسلق الأسوار التي أحاطت بحدود البلد.

تقول (موكو): ”أعتقد أن المتحف يجب أن يكون حساساً للغاية، حيث نقدم هنا الجانب المشرق والمظلم من الشيوعية، لذلك يمكن للناس أن يقرروا“، وأضافت: ”يأتي بعض الزوار وفي جيوبهم صورة للرئيس خوجة“.

المصادر

عدد القراءات: 2٬544