in

دخلك بتعرف معركة (كارانسيبيس): عندما قاتل جنود الجيش النمساوي ضد بعضهم البعض بسبب مشروب كحولي

في خضم الحرب النمساوية – التركية، دخل النمساويون في معركة مميتة في بلدة (كارانسيبيس) ضد بعضهم البعض، وكل ذلك بسبب الكحول.

إحدى معارك الجيش النمساوي

في شهر سبتمبر من سنة 1788؛ وصل الجيش العثماني إلى بلدة (كارانسيبيس) بعد عدة أيام من الصراع لأجل الاستحواذ عليها، هناك عند وصولهم؛ وجد العثمانيون عدوهم النمساوي في حالة من الفوضى والدمار، بعد أن بات جنوده يطلقون النار على بعضهم البعض في معركة أقل ما يقال عنها أنها غريبة جداً، والتي سبقها شجار سببه الكحول!

سمحت معركة (كارانسيبيس) التي اندلعت بين فرسان الجيش النمساوي لأعدائهم العثمانيين بأن يحتلوا المدينة دون أدنى مشقة تُذكر.

قبل المعركة:

خريطة تبرز منطقة الصراع بين إمبراطورية (هابسبورغ) والإمبراطورية العثمانية، النهر في الوسط هو نهر الدانوب.
خريطة تبرز منطقة الصراع بين إمبراطورية (هابسبورغ) والإمبراطورية العثمانية، النهر في الوسط هو نهر الدانوب.

من سنة 1787 إلى سنة 1791؛ كان الجيش النمساوي، الذي عُرف آنذاك باسم جيش إمبراطورية (هابسبورغ) منخرطا في حرب شرسة مع الإمبراطورية العثمانية، وهي الحرب التي صارت تعرف الآن بالحرب التركية – النمساوية، وكان في قيادة الجيش النمساوي الإمبراطور (جوزيف الثاني)، الذي صادف أنه كان مريضاً جداً آنذاك.

كان الجيش النمساوي آنذاك في الكثير من النواحي عشوائيا واعتباطياً، فمن جهة كانت وحداته تتشكل من مواطنين نمساويين، وآخرين تشيكيين، وألمان، وفرنسيين، وكرواتيين، وصربيين، وبولنديين، ومنه كانت عمليات التواصل والاتصال بين كل هذه القوميات المتعددة صعبة للغاية.

بحلول زمن معركة (كارانسيبيس)، كان النمساويون في صراع مع جيش الإمبراطورية العثمانية على السيطرة على نهر الدانوب. في ليلة السابع عشر من سبتمبر؛ راحت مجموعة من الفرسان النمساويين في عملية استكشافية بحثا عن أي جنود عثمانيين بالقرب من النهر، وبينما كانوا هناك يبحثون؛ صادفوا مجموعة من المسافرين الذين خيّموا على الضفة الأخرى من النهر.

عرض المسافرون على الجنود بعض الشراب ليرتاحوا من بعض عبء اليوم الذي أثقل كاهلهم، فقبل الجنود الدعوة، ومنه بدأت بالنسبة لهم ليلة طويلة وحافلة من الشرب والثمالة.

في مرحلة ما من تلك الليلة، وصلت مجموعة من المشاة الجنود التابعين كذلك للجيش النمساوي إلى تلك المجموعة الصغيرة من المسافرين برفقتهم فرقة الفرسان، وطلبوا الانضمام لذلك الاحتفال الصغير، وعندما حُرموا من تناول الكحول، نشب بينهم شجار الذي سرعان ما تصعّد ليتحول إلى إطلاق نار في جميع الاتجاهات.

معركة (كارانسيبيس):

معركة (كارانيسبيس)
معركة (كارانيسبيس).

هناك في بلدة (كارانسيبيس)، حيث لم تكن هناك أية معاقرة للكحول، كما لم يكن هناك أي احتفال ولا عراك، كانت بقية الجيش النمساوي على أهبة الاستعداد تحسبا لوصول الجيش العثماني في أية لحظة، وعندما سمعوا أصوات العيارات النارية عبر النهر، ترجمت القوات النمساوية ”الرصينة“ ذلك على أنه هجوم الجيش العثماني، ومنه بدأوا يصرخون ”أتراك! أتراك!“.

في الضفة الأخرى من النهر، سمع الجنود النمساويون ”الثملون“ رفاقهم يصرخون ”أتراك! أتراك!“، فسارعوا إلى المعسكر من أجل مد يد مساعدة، ذلك لاعتقادهم بأن صرخاتهم كانت طلباً للاستغاثة.

عندما رأت القوات ”الرصينة“ على الضفة الأخرى مجموعة كبيرة من الرجال تقترب مسرعة في الظلام الدامس، فتحت النيران من بنادقها لاعتقادها بأن الجنود ”الثمالى“ كانوا جنودا في صفوف الجيش العثماني الغازي، وعند تعرضهم لإطلاق النار، اعتقد أفراد القوات ”الثملة“ بأن معسكرهم قد تعرض للاجتياح من طرف الأتراك، وكاستجابة على ذلك، قاموا بإطلاق النار هم الآخرون.

سواء لإدراكهم بحجم الخطأ الواقع أو لأنهم أرادوا ببساطة توقف إطلاق النار، راح بعض الضباط الألمانيين في الجيش النمساوي يصرخون ”هالت! هالت!“ التي تعني ”توقفوا“، لكن بسبب العائق اللغوي الذي كان يحول دون التواصل الجيد بين القوات مثلما أشرنا له في وقت سابق، فقد اعتقد الجنود غير الألمان أن صرخة ”هالت“ كانت ”الله“ التي عُرف عن العثمانيين تلفظهم بها في أرض المعركة، وبدلاً من وقف إطلاق النار، تسببت تلك الصرخات ببساطة في زيادة حدته.

سادت الفوضى العارمة المعسكر النمساوي ومنها تصعدت حدة القتال في معركة (كارانسيبيس)؛ بتوليفة من الثمالة والعتمة والعوائق اللغوية، دخل الجيش النمساوي كله في معركة ضد نفسه. بحلول نهاية تلك الليلة السوداء، سقط الآلاف من الجنود النمساويين بين قتيل وجريح.

وصول الأتراك:

لوحة فنية تبرز معركة نمساوية - تركية أخرى
لوحة فنية تبرز معركة نمساوية – تركية أخرى. صورة: john_petrov/Wikimedia Commons

بحلول الصباح، أدرك النمساويون ما كان قد حدث بالضبط، بحلول ذلك الوقت كان الضرر قد وقع مسبقاً لسوء الحظ؛ هلك الآلاف من الجنود النمساويين في ما بدا أنه نيران صديقة وفوضوية، ومنه جعل الجيش من نفسه عرضة للهزيمة على يد أي غزاة محتملين.

لذا عندما قام الأتراك بالفعل بالوصول إلى المنطقة بعد يومين لاحقاً، تبين أن خطتهم الهجومية لم يكن لها من داعٍ، حيث وجدوا بأن معظم الجيش النمساوي صار عاجزاً، ورحل تاركا المدينة بدون دفاعات تحميها، فقام العثمانيون بالاستيلاء عليها بدون أي عناء يذكر.

على الرغم من أن هذه الأحداث تم توثيقها لاحقاً، فإن واقع أن أمر توثيقها استغرق 40 سنة أصبح نقطة تحوم حولها الكثير من الشكوك، بل دليلا بالنسبة للبعض على أن المعركة لم تحدث أبداً، بالإضافة إلى ذلك، يجد بعض المؤرخين من الصعب التصديق أن جيشاً ما قد يحارب ضد نفسه لطول تلك المدة مع سقوط ذلك العدد الهائل من الضحايا دون أن يلاحظ في أية مرحلة من ذلك أنه كان يقاتل وحدات صديقة.

أما الذين يصدقون بأن معركة (كارانسيبس) وقعت بالفعل، فيستدلّون بحجتهم على أن الشعور بالخزي منها هو ما أخّر واقع توثيقها، فيعتقدون بأن الجيش كان يرى في أفعاله محط عارٍ وخزيٍ كبير لدرجة حرّم الحديث حولها لسنوات عديدة.

إحدى المعارك النمساوية - التركية.
إحدى المعارك النمساوية – التركية.

جاري التحميل…

0