تاريخ

دخلك بتعرف الحقيقة الغريبة وراء ”الأرقام العربية“؟ ونشأتها

الخوارزمي بجانب الأرقام العربية التي صممها بناء على الأرقام الهندية

كان معروفا لدى الكثيرين حول العالم بفضل كنيته اللاتينية Algoritmi، والتي أصبحت فيما بعد أصل كلمة Algorithm التي هي ”الخوارزميات“ في الرياضيات، وكان أول من صاغ طرائق رياضياتية في حل المسائل التي أطلق عليها اسم ”الجبر“، وقبل ألف ومائتي عام مضى أصدر أول كتاب ”أطلس“ -أي مجلد الخرائط الجغرافي-، كما نشر أول كتاب يشرح فيه الرياضيات ببساطة للعامة، وكان يعمل على حساب حركة الأجرام السماوية عندما كان الأوروبيون في الطرف الأخر من الكرة الأرضية لا يفقهون في أي مما كان يفعله شيئا.

إليكم أعزائي القراء أبو عبد الله محمد ابن موسى الخوارزمي، العالم الذي جعل من الرياضيات التي نستعملها اليوم متاحة، بما في ذلك جميع الأرقام التي نستخدمها فيها.

كان أكثر إرث خلفه الخوارزمي خلودا وشهرة هو ما يعرف بالأرقام العربية، حيث نسبت إليه تلك الأرقام التي جعلها متاحة وأصبحت تعرف باسم ”الأرقام العربية“ نسبة إلى ما كان يٌعتقد على أنه أصله، على الرغم من أنه لم يكن عربيا فقد كان فارسيّ الأصل ولد فيما يعرف اليوم بدولة (أوزباكستان) حوالي 780 ميلادي.

تشير إليه كتب التاريخ على أنه كان ”معلما“ في واحد من أعظم المنشآت والمعاهد التعليمية التي عرفها العالم القديم وهي ”دار الحكمة في بغداد“، التي كانت ملتقى لأكبر الحضارات آنذاك: الفارسية والبابلية والعربية والإغريقية، والهندية والرومانية.

علماء عرب قديما

كان الخوارزمي يعشق تعلم كل ما يتاح له من العلوم والمعارف، خاصة تلك التي كان مصدرها الحضارات الأخرى، فانكب على دراسة مؤلفات العالم الرياضياتي الإغريقي (بطليموس) الذي كان قد حاول حساب مساحة العالم، لكنه اكتشف أن حساباته ودراساته تلك كانت تحتوي على بعض الأخطاء الحسابية، لذا قام بتصحيحها ثم أعاد ترتيب كل المعلومات التي تحتوي عليها.

قام بعد ذلك بتأليف كتاب أطلق عليه عنوان ”صورة الأرض“ بمساعدة من سبعين خبير جغرافيا الذين عملوا كلهم تحت إشرافه، وكان هذا الكتاب، الأول من نوعه في تاريخ البشرية، عبارة عن شرح شامل ومفصل لجغرافيا وكذا علم خرائط العالم المعروف آنذاك.

كما تقلد منصب ”الفلكي الرسمي للبلاط“ في بغداد، وكجزء من واجباته تلك تجاه الدولة ألّف مخطوطات حسابية دقيقة لمسارات القمر وخمسة كواكب أخرى، واكتُشف فيما بعد أن تلك الحسابات كانت دقيقة جدا ومفيدة لدرجة أنه بعد قرون لاحقة ترجمت إلى اللغة اللاتينية والصينية وطافت حول العالم كله.

لكن شغف الخوارزمي الحقيقي كان يتجلى في مادة الرياضيات، ومما سبّب سعادته في إحدى المرات هو أن طلب منه أحد القادة المسلمين أن يؤلف نوعا من الكتب الرياضياتية الموجهة لعامة الشعب يعلمهم به كيفية إجراء الحسابات البسيطة التي يحتاجونها في حياتهم اليومية: مثل الحسابات المتعلقة بالتجارة والقياس.

كانت النتيجة تأليفه لكتابه الشهير بعنوان: ”المختصر في حساب الجبر والمقابلة“، وفي ذات الكتاب يشرح الخوارزمي شرحا مفصلا كيفية حل المعادلات الخطية والتربيعية بواسطة ما أطلق عليه اسم ”الجبر“.

أحد مؤلفات الخوارزمي

ليس وكأنه اخترع الجبر، لكنه غير بشكل قاطع نظرتنا ومفهومنا تجاهه، وقام كذلك بفك شيفرة العلوم والمعارف الرياضياتية من مختلف الثقافات، خاصة الإغريقية منها والهندية، من أجل جعل الحياة أسهل بالنسبة لطلبة العلم آنذاك في القرن التاسع.

لكن أكثر ما حققه من إنجازات خلودا ورسوخا كان نتاج دراسته للكتب الهندية القديمة، ففي سن الخامسة والعشرين من عمره فقط أصدر الخوارزمي كتابا حول طريقة إجراء العمليات الحسابية باستخدام الأرقام الهندية، حيث وصف كل شيء كان قد تعلمه حول الرياضيات الهندية.

لقد كان ما وصفه عبارة عن نظام غريب مع أرقام تبدأ من الصفر -الذي لم يكن يساوي شيئا- إلى الرقم تسعة.

الأرقام الهندية التي استخلص منها الخوارزمي الأرقام العربية.

الأرقام الهندية التي استخلص منها الخوارزمي الأرقام العربية.

لم يتهافت رواد دار الحكمة على هذا الكتاب الجديد ولم يعيروه اهتماما كبيرا، لكنه أصبح فيما بعد واحدا من أكثر الكتب أهمية في تاريخ الإنسان.

بعد مضي ثلاثمائة سنة على تأليفه، اكتشفت نسخة منه من طرف راهب إنجليزي كان ملهما بالعلوم الإسلامية والعربية، فقام بترجمة أبحاث الخوارزمي وأفضى إلى ما يعرف اليوم بـ”الخوارزميات“ إلى اللغة اللاتينية، وفي وقت وجيز، انكب عليه عشاق العلم الأوروبيون جميعهم، فقد كان هذا النظام الهندي الذي قدمه لهم الخوارزمي طريقة أسهل بكثير من طرائق العمل بالأرقام الرومانية التي كانت تستعمل قاعدة عشرية للعد، وقاعدة إثنا عشرية للكسور، ولم يكن لها أي مكان للصفر، الذي كانت تلك أول مرة يتم تقديمه فيها إلى أوروبا عبر كتاب الخوارزمي الآنف ذكره.

أصبح رجال العلم ينادون باعتماد ما أطلقوا عليه اسم الأرقام العربية، وكان من بينهم الرياضياتي الإيطالي الشهير (فيبوناتشي) الذي ألف كتابا كاملا حول الأرقام العربية في سنة 1202، لكن أوروبا في العصور الوسطى لم تكن تحب كثيرا الأفكار الجديدة، كما يشهد عليها التاريخ به من حرق لأصحاب تلك الأفكار وتهجيرهم.

وفي سنة 1299، سنّت مدينة (فلورنسا) في إيطاليا قانونا يمنع استعمال الأرقام العربية منعا باتا، ليس بسبب تعصب ضد العرب أو ما شابه، بل لطبيعة الأرقام العربية نفسها التي جعلت منها سهلة التزوير والتحريف، فبإمكانك بسهولة تامة تحويل الستة لتصبح ثمانية، أو إضافة بعض الأصفار على يمين المبلغ الذي يدين لك به أحدهم من أجل ربح سريع وعظيم.

لم يستقر استعمال هذه الأرقام بين التجار -عكس العلماء- في أوروبا حتى القرن السادس عشر، لكن بحلول ذلك الزمن، راحت ذكرى العالم الخوارزمي طي النسيان، ولهذا السبب يطلق على الأرقام التي يستعملها العالم كله اليوم بالأرقام العربية، على الرغم من أن الشخص الذي يجب علينا شكره على تقديمها إلينا لم يكن عربيا، وعلى الرغم من كون الأرقام ذاتها أرقاما هندية في الأصل.

تمثال الخوارزمي في (خيفا) بـ(أوزباكستان).

تمثال الخوارزمي في (خيفا) بـ(أوزباكستان).

عدد القراءات: 8٬744