قصص من الواقع

تعرف على قصة الشاب الذي زار ذلك المكان ”غير الموجود“ في كوريا الشمالية!

الطابق الخامس السري في فندق (يانغاكدو) في العاصمة (بيونغيانغ)

لم يغمض للشاب اليافع (كالفين سون) جفن منذ أربعة وعشرين ساعة تقريبا عندما اقتحم الحراس الكوريون الشماليون الحافلة التي كانت ستقلّه وهو ورفاقه إلى مطار (بيانغيونغ) الدولي وطلبوا منهم مغادرتها لأن مشكلة ما قد طرأت، وبات يتعين على المجموعة البقاء وعدم الرحيل حتى يتم تسويتها.

أعاد (سون) خلال ذلك شريط ذاكرته قليلا إلى الوراء، وبالضبط إلى تلك الرحلة الوحيدة التي قضى فيها أسبوعا في أكثر البلدان عزلة في العالم، هذا البلد الذي حفرت ذكراه أثرها في ذهنه وسيبقى يتذكرها لزمن طويل، يقول (سون): ”من بين كل الأشياء التي قمنا بفعلها في كوريا الشمالية في ذلك الأسبوع، لم يخطر ببالي أبدا أن زيارتنا للطابق الخامس قد تكون هي المشكلة الحقيقية“، ولم تخطر الفكرة بباله أيضا حتى عندما طلب الحراس من المجموعة مغادرة الباص.

(كالفن سون)

(كالفن سون)

ولد (كالفن سون) وترعرع في مدينة (نيويورك) لأبوين صينيين، وخلال العشرين سنة الأولى من عمره لم يغادر تقريبا ولاية (نيويورك) أبدا، حتى أنه زاول دراسته الجامعية في جامعة (كولومبيا) في (نيويورك) التي كانت تبعد عن مقر سكناه مسافة عشرين دقيقة فقط، ومنه كبر وهو لا يحبذ حتى التفكير في محاولة خوض المغامرات خارج منطقته الآمنة.

لكن رحلة عفوية لم يخطط لها قادته إلى مصر عام 2010 أثارت في نفسه نوعا من التعطش تجاه السفر واستكشاف العالم كله، فقام بعد عودته بإطلاق مدونة أطلق عليها اسم The Monsoon Diaries وسرعان ما أصبح لديه جمهور كبير من المتتبعين. أصبح (سون) بعدها يستغل كل عطلة وكل نهاية أسبوع من أجل استكشاف بلد جديد، مع هدف سطره بأن لا يزور نفس المكان مرتين، وقبل أن يصل إلى عامه الثاني في كلية الطب بنفس الجامعة قرر (سون) أن يستغل العطلة الصيفية من أجل الذهاب في رحلة تبدأ في مكان ما في الشرق الأوسط وتنتهي في مكان ما في آسيا، وأبقى على مسار الرحلة مرناً ومفتوح الاحتمالات مما يسمح له بالخوض في رحلات استكشافية عفوية مع الأصدقاء الذين سيتعرف عليهم خلالها، ولم تكن كلا من كوريا الشمالية؛ ولا الطابق الخامس السري في فندق (يانغاكدو) في عاصمتها، جزءا من المخطط الأول.

كان يتعين على السواح الغربيين الراغبين في زيارة كوريا الشمالية في سنة 2011 الاستعانة بخدمات الجولات السياحية الموجّهة التي توفرها بعض الوكالات السياحية الخاصة، وكانت عشرات من هذه الوكالات موجودة في الصين تعرض خدماتها من هناك على السواح، غير أن القواعد التي تحكم هذه الرحلات السياحية تشددت في سنة 2017، ويعتقد الكثيرون أن السبب في ذلك يرجع إلى رحلة مشؤومة قادت أحد الطلبة الأمريكيين إلى ”الطابق الخامس المحرّم“ في فندق (يانغاكدو).

مجموعة السواح في جولتهم إلى كوريا الشمالية في العاصمة الصينية (بكين)

مجموعة السواح في جولتهم إلى كوريا الشمالية في العاصمة الصينية (بكين) – صورة: مدونة The Monsoon Diaries

في العاصمة الصينية (بكين)؛ بقي أمام (كالفين سون) أسبوع واحد قبل عودته إلى الولايات المتحدة، فقام بزيارة واحدة من الوكالات السياحية هناك لاستكشاف مسار الرحلات التي تقدمها، وبدت له الطبيعة السرّية والغامضة التي ميزت كوريا الشمالية مغرية لدرجة أصبح جادا للغاية في رغبته في زيارتها وإشباع فضوله، ومنه وقع اختياره على الوكالة السياحية التي منحته أفضل العروض.

يقول (كالفين): ”كانت استمارة طلب تأشيرة السفر إلى كوريا الشمالية واحدة من أسهل الاستمارات التي تعين علي ملؤها في حياتي، لم يكونوا حتى يطلبون تقديم جواز السفر عند الطلب. أعتقد أن الكثير من الناس لن يكلفوا أنفسهم عناء المحاولة لأن مجرد التفكير فيها يبعث على شعور غامر بالخوف“.

وكان ذلك ليكون آخر بلد يزوره (سون) قبل عودته إلى (نيويورك) وإلى مزاولة دراسته الجامعية في عامه الثاني في كلية الطب. التقى (سون) إلى جانب مجموعة تتألف من عشرين سائح أمريكي وأوروبي وصيني أغلبهم في العشرينات من أعمارهم بالمرشدين السياحيين المسؤولين على جولتهم في كوريا الشمالية في العاصمة الصينية (بكين)، وخلال جلسة توجيهية أُخبرت المجموعة بضرورة اتباع تعليمات المرشدين وأن يظهر أفرادها دائما الاحترام اللائق للثقافة الكورية الشمالية.

حجز أفراد المجموعة غرفا لهم في فندق (يانغاكدو) في العاصمة (بيونغيانغ)، لكن الطابق الخامس لم يتم ذكره لهم أبدا، وبمجرد الهبوط على مدرج مطار (بيونغيانغ) الدولي، ذُهل (سون) بالتمايز الشديد بين كوريا الشمالية والصين، يقول: ”كان الأمر أشبه في أن يكون الله قد سحب الألوان من هناك“، وأضاف: ”كانت (بكين) مليئة بالألوان لدرجة بدت مبهرجة أمام (بيونغيانغ)“.

فندق (يانغاكدو) في العاصمة الكورية الشمالية (بيونغيانغ) من أطول المباني في المنطقة.

فندق (يانغاكدو) في العاصمة الكورية الشمالية (بيونغيانغ) من أطول المباني في المنطقة – صورة: مدونة The Monsoon Diaries

مطار (بيونغيانغ) الدولي يحمل صورة كبيرة لـ(كيم إيل سونغ)، القائد الأعلى الأول لكوريا الشمالية منذ تأسيسها سنة 1948.

مطار (بيونغيانغ) الدولي يحمل صورة كبيرة لـ(كيم إيل سونغ)، القائد الأعلى الأول لكوريا الشمالية منذ تأسيسها سنة 1948 – صورة: مدونة The Monsoon Diaries

واصل (سون) حديثه قائلا: ”كانت البنايات والصور والملصقات كلها باللون الأبيض والرمادي والأسود مع قليل من الأحمر أحيانا، ألوان ميّزت الحزب الشيوعي. كان الأمر أشبه باستقلال آلة الزمن والدخول في برنامج تلفزيوني شيوعي من حقبة السبعينات“.

كان في مهمة تأطير الرحلة وتوجيهها ثلاثة مرشدين سياحيين في الأربعينات من أعمارهم، رجلان وامرأة، والذين أعلموا المجموعة بأنهم كانوا ضباطا سابقين في جيش «كوريا الديمقراطية». يقول (سون): ”على الرغم من أنهم كانوا جادين للغاية ومحكمي التنظيم في البادئ، فقد كانوا يخبروننا بعدم عبور الطريق دون إشراف منهم أو التقاط صور فوتوغرافية لبنايات معينة، غير أن نوعا من العلاقة الطيبة الآنيّة تشكلت بيننا وبينهم“، ويواصل (سون): ”كان المرشدون السياحيون يستمتعون بشرب الكحول، ومنه علمنا بأنه [الكحول] كان جزءا جوهريا في الثقافة الكورية، كما كانوا يدعوننا في كل مساء إلى الجلوس معهم وتبادل أطراف الحديث“.

كوريا الشمالية

يقول (كالفين سون) بأن المرشدين السياحيين في كوريا الشمالية أصبحوا مرتاحين لهم مع مرور أيام الأسبوع، وسمحوا لهم بالتقاط صور ”غير اعتيادية“ – صورة: مدونة The Monsoon Diaries

كوريا الشمالية

كانت البنايات والصور والملصقات في كوريا الشمالية كلها باللون الأبيض والرمادي والأسود مع قليل من الأحمر أحيانا، ألوان ميّزت الحزب الشيوعي. كان الأمر أشبه باستقلال آلة الزمن والدخول في برنامج تلفزيوني شيوعي من حقبة السبعينات – صورة: مدونة The Monsoon Diaries

زارت مجموعة السواح الشبان هؤلاء خلال رحلتها هذه معالم بارزة في كوريا الشمالية على غرار برج (جوش)، والمقام الذي شيد لتخليد العامل، وسفينة البحرية الأمريكية (يو إس إس بويبلو)، السفينة الحربية الأمريكية الوحيدة التي أسرتها كوريا الشمالية في سنة 1968، بالإضافة إلى المنطقة منزوعة السلاح الشهيرة بين الكوريتين.

لحظات المحادثات الطويلة واحتساء النبيذ هي ما خول (سون) من اكتشاف النظرة التي يرى بها البلد -الذي تتحكم فيه الدولة في شبكة الإنترنيت والبرامج التلفزيونية التي لا تبث تقريبا سوى الحملات الدعائية الموالية للحزب الحاكم- الولايات المتحدة الأمريكية. يقول (سون): ”كان المرشدون السياحيون معجبين جدا بـ(مايكل جاكسون) وظلوا يسألوننا ما إن كان قد مات بسبب مرض السيدا، كما سألونا كثيرا حول العنف الذي يمارسه رجال الشرطة في أمريكا ضد الشعب، وكذلك حول برنامج التلفزيون الواقعي بعنوان «رجال الشرطة» Cops الذي كان من بين البرامج القليلة التي سمحت الحكومة ببثها في البلد“. لكن لم تكن الأسئلة نفسها هي ما شدّ (سون) بل الطريقة التي كانت تُطرح بها، يقول: ”لقد بدت الأسئلة هادفة لأكثر من مجرد إشباع فضول، لقد بدا الأمر وكأنهم كانوا يحاولون تأكيد معلومات قبلية كونوها عن الولايات المتحدة“.

قام (سون) بإطلاق النار من مسدس لأول مرة في حياته في كوريا الشمالية في إحدى مناطق الرماية في ضواحي العاصمة (بيونغيانغ) الريفية. أخطأ معظم أفراد المجموعة أهدافهم، وجعلت عدم كفاءتهم في إطلاق النار المرشدين يتساءلون وعلامات الحيرة بادية عليهم بشكل أخص ”كيف أن الأمريكيين مع كل خبرتهم مع العنف والمسدسات بأن يكونوا رماة سيئين لهذا الحد!“

مع مرور أيام الأسبوع، أصبح المرشدون أكثر ارتياحا تجاه أفراد المجموعة وتراخت القواعد الصارمة التي وضعوها لهم في البداية، فلم يعودوا ينزعجون من عبورهم الطرقات والشوارع بدون إشراف منهم ولم يعلموهم كذلك بضرورة الامتناع عن التقاط الصور. لقد كان أسبوعا رائعا تخلدت ذكراه في الأذهان، عقد خلاله (سون) علاقات صداقة طيبة وسريعة مع رفقاء سفره كما شعر بارتياح تام تجاه المرشدين السياحيين. في آخر ليلة جمعتهم مع بعض، قرر أفراد المجموعة الذهاب إلى ملهى ليلي يعرف باسم (ديبلو) ورقصوا على أنغام موسيقى الثمانينات التي كانت معظمها من إنتاج (مايكل جاكسون).

لدى العودة إلى فندق (يانغاكدو)، دعا المرشدون أفراد المجموعة إلى الانضمام إليهم مرة أخرى لتناول المشروبات، فاجتمعوا يتبادلون أطراف الحديث على عادتهم، لكنهم لم يسهروا لوقت متأخر لأن الأسبوع كان حافلا ومنه نال منهم التعب في آخر أيامه، فبدأ أفراد المجموعة يتوجهون إلى غرفهم تباعا عندما طرح بعضهم فكرة استكشاف بقية زوايا الفندق.

(سون) ورفقاؤه لدى استكشافهم للفندق

(سون) ورفقاؤه لدى استكشافهم للفندق – صورة: مدونة The Monsoon Diaries

يعتبر فندق (يانغاكدو) الدولي واحدا من أطول المباني في كوريا الشمالية بعدد طوابق يبلغ 47 طابقا، ويقع بالضبط على جزيرة تقع وسط نهر (تايدونغ)، وهو يحتوي على أربعة مطاعم وقاعة بولينغ والعديد من صالات التدليك، وقد كانت شاشات التلفاز داخل الغرف تعرض تقارير صحفية قديمة من إعداد قناة الـBBC.

يعتبر ذات الفندق أكثر المناطق شعبية التي يقصدها السواح للإقامة فيها في البلد كله، ويروج له ”مجلس السواح“ في كوريا الشمالية على أنه فندق ذو خمسة نجوم غير أن السواح الذين جربوه أجمعوا تقريبا على أن خدماته لا تتعدى فندقا بثلاثة نجوم، حيث كتب أحد هؤلاء على مدونته في وصفه للفندق: ”إن الأمر أشبه بكونهم أرسلوا أحدهم إلى (لاس فيغاس) في سنة 1984 وقالوا له: ’استكشف ما يملكون هناك وعد إلى هنا وقم ببنائه‘، وهو ما قاموا به بالفعل، لكنهم أخطأوا في كل جانب من جوانبه“.

لقد بقي (سون) ورفقاؤه تحت إشراف وتوجيه المرشدين السياحيين لطول مدة الخمسة ليالي التي قضوها في الفندق، والآن بدرت لهم آخر فرصهم في استكشاف المبنى لوحدهم، فبعد كل شيء لم يخبرهم أحد أن استكشاف الفندق والتجول فيه ممنوع.

صعد أفراد المجموعة إلى غاية سطح المبنى ثم إلى المطعم المتواجد في أعلى طابق، قبل أن يقرروا العودة نازلين، وهناك داخل المصعد لاحظ أحدهم أن زر الطابق الخامس لم يكن موجودا، حيث قفز الترقيم على اللوح من الرقم الرابع مباشرة إلى السادس، فقال أحدهم -وفقا لرواية (سون): ”لنتفقد الطابق الخامس، لنرى إن كانوا قد خلّفوه لأنهم سطحيون وخرافيون أم أنه لا يوجد بالفعل“.

لا يوجد زر مخصص للطابق الخامس داخل المصاعد في فندق (يانغاكدو).

لا يوجد زر مخصص للطابق الخامس داخل المصاعد في فندق (يانغاكدو) – صورة: paulineandjohng2008 من فليكر

لقد كان الغموض الذي أحاط بالطابق الخامس السري قد أسر من قبل العديد من السواح والمسافرين الذين مروا بفندق (يانغاكدو)، والكثير منهم كان قد ذكره في مدونته، وكان ضمن فريق السواح الذين سافر معهم (سون) من كان قد سمع بالموضوع قبل مجيئه لكن (سون) نفسه لم يسمع عنه من قبل. يقول: ”لم نكن أول مجموعة تقصد الطابق الخامس أو آخر مجموعة، في سنة 2011 لم يتم احتجاز أي سائح في كوريا الشمالية بسبب ذلك، لكننا آنذاك لم نكن ندري فداحة ما كنا نقوم به“.

اليوم توجد صفحة على موقع Young Pioneer Tours وهي الوكالة السياحية التي أشرفت على رحلة (سون)، ذُكر فيها أن الطابق الخامس ممنوع على السواح، لكن هذا التحذير لم يكن من قبل في سنة 2011 سواء على الإنترنيت أو على الورق. يقول (سون): ”لم يطلب منا المرشدون السياحيون بأن نبق بعيدين عن الطابق الخامس أبدا، فهم لم يذكروه أمامنا أبدا“. قال أحد رفقاء (سون) في تلك الليلة بأن الطابق الخامس إن لم يكن موجودا تقنيا فهم لن يواجهوا أية مشكلة في التواجد فيه.

غادرت المجموعة المصعد في الطابق الرابع ثم توجهوا إلى الطابق الخامس صعودا عبر السلالم، يقول (سون): ”ركض أحد أفراد المجموعة الذي كان متقدما في الصف عائدا وقال: ’ليس من هذا الاتجاه لقد سمعت صراخا‘“، واستطرد (سون) قائلا بأنه لم يسمع أي صراخ لكنه قال بأنه كان متوترا جدا لدرجة لم يكن منتبها جيدا: ”قررنا جميعا أن نغير اتجاهنا ونذهب إلى الطابق السادس ثم ننزل إلى الطابق الخامس من هناك“.

تفاجأ أفراد المجموعة لكون الباب المؤدي إلى الطابق الخامس عبر السلالم غير محروس كما كان مفتوحا، فسحبوا كاميراتهم ودخلوا إلى الطابق، وكان أول ما جذب انتباههم هو العلو المنخفض للسقف، فقد كان ارتفاعه بحوالي نصف ارتفاع سقف الطوابق الأخرى، تعين على البعض الانحناء قليلا أو إمالة رؤوسهم على أحد الجوانب حتى يتسنى لهم التجول دون ملامسة السقف، فانتشروا فرادى لاستكشاف خبايا هذ الطابق السري.

الطابق الخامس السري في فندق (يانغاكدو) في عاصمة كوريا الشمالية

كان علو سقف الطابق الخامس السري في فندق (يانغاكدو) منخفضا جدا – صورة: مدونة The Monsoon Diaries

بدأ (سون) يتعمق متجولا داخل هذا الطابق ذو الإنارة الخافتة الذي كان يشبه إلى حد بعيد قبوا من الخرسانة المسلحة، وعدا عن علو السقف المنخفض فقد كان يبدو مثل أي رواق غرف في أي فندق تتفرع منه غرف النوم من كلا الجانبين؛ كانت معظم الغرف مغلقة، لكن واحدة فقط كانت مفتوحة وكان موجودا على عتبة بابها المفتوح زوج من الشباشب، وعندما نظر أفراد المجوعة داخلها لم يروا أحدا. يقول (سون): ”كان الضوء يصدر من داخل هذه الغرفة ورأينا داخلها كاميرات المراقبة وشاشات التلفاز التي كانت تظهر غرف الفندق من الداخل وما بدا أنه معدات مراقبة. هنا بدأت أفكر في أن يكون هذا الطابق مركز مراقبة كان موظفوا الفندق يبقون فيه على معدات مراقبة النزلاء“.

بدأ أحد رفقاء (سون) بتصوير شريط فيديو بينما فضل (سون) التقاط الصور، وكان الجميع يتحدثون مع بعضهم البعض بصوت خافت جدا، يقول (سون): ”لقد استخدم أحدنا بشكل عرضي ضوء الكاميرا لكن لا أحد جاء بحثا عنا لحسن حظنا“. كانت الجدران مغطاة برسومات دعائية مناهضة للولايات المتحدة واليابان ملونة بألوان فاقعة، وكانت العديد من الصور هناك تمجد ذكرى القائد الأعلى السابق (كيم جونغ إيل)، ورد في إحدى الرسومات الدعائية: ”إن هذه القنبلة منتوج أمريكي؛ كل منتوج يصنعه الأمريكيون هو عدو لنا؛ انتقم من الأمريكيين لمئات الآلاف من المرات“.

الطابق الخامس السري في فندق (يانغاكدو) في عاصمة كوريا الشمالية

يقول الملصق ”كل منتوج يصنعه الأمريكيون هو عدو لنا“ – صورة: مدونة The Monsoon Diaries

بعد بضعة دقائق خرج لهم من الظلال رجل لم يسبق لهم أن صادفوه وتقرب منهم وقال بهدوء وباللغة الإنجليزية: ”تائهون؟“، فأجاب أحد أفراد المجموعة بـ”نعم“، فأومأ الرجل برأسه وأشار لهم إلى السلالم، يقول (سون): ”لم يقم بمرافقتنا إلى غرفنا، كما لم يبد غاضبا أو منزعجا“.

لدى العودة إلى غرفهم، أجمع أفراد المجموعة أنهم لم يشعروا بأي تهديد تجاه مصادفتهم المفاجئة لموظف الفندق ذلك، فقرر بعضهم على الفور العودة واستكشاف بقية الطابق، ولدى العودة إلى الطابق الخامس، قام أحد السواح بفتح أحد أبواب الغرف ليجدها فارغة لا يوجد فيها شيء عدا عن جدار من الآجر، وفتح أحدهم باباً آخر ليجد سلالم تؤدي إلى طابق آخر، يقول (سون): ”لقد كان طابقا ضمن طابق“.

الطابق الخامس السري في فندق (يانغاكدو) في عاصمة كوريا الشمالية

كتب في الصورة: ”تحضر جيدا لتدمير المحتل“، كما تضمن الملصق أيضا قائمة بالأشياء الفظيعة التي اقترفها الجيش الياباني خلال احتلاله للبلد بين سنتي 1910 و1945 بما في ذلك اختطافه لما ينوف عن الـ200 ألف امرأة تم استغلالها في الجنس، وقتلهم لأكثر من مليون كوري – صورة: مدونة The Monsoon Diaries

كان هناك المزيد من الغرف المغلقة والمزيد من الملصقات الدعائية على الجدران، لم يكن (سون) قادرا على القراءة باللغة الكورية لكنه لاحقا بعد أن قام بتحميل شريط الفيديو الذي صوره على اليوتيوب، اكتشف معاني بعض تلك الرسائل على الجدران. كانت معظم الملصقات تتحدث عن الانتقام من الولايات المتحدة الأمريكية وتمجد سلطة آل (كيم)، كما أظهر ملصق آخر حاسوبا من طراز الثمانينات وكتب بجانبه أن القرن الحادي والعشرين هو عصر التكنولوجيا.

مرة أخرى اقترب من المجموعة موظف آخر لدى الفندق وطلب منهم مجددا بطريقة مهذبة بأن يعودوا إلى غرفهم. كان بعض أفراد المجموعة قد عادوا للمرة الثالثة لاستكشاف الطابق السري، وكانوا خلال هذه المرة أكثر ارتياحا لدرجة أن بعضهم قبض عليهم وهم يتبادلون القبل في إحدى الزوايا (تم الكشف عن هذه القصة خلال اجتماع صغير لنفس أفراد المجموعة بعد سنوات لاحقة)، ومرة أخرى، ظهر حارس آخر وطلب منهم المغادرة والعودة إلى غرفهم. يقول (سون): ”لقد كنا جميعا في أوائل العشرينات من أعمارنا، لقد كنا طائشين وساذجين، لقد بدت لنا التجربة آنذاك مثيرة وبريئة. بعد كل ما حدث منذ ذلك الوقت وبعد أن عرفت ما أعرفه الآن، لم أكن لأفعل ما فعلته أبدا“.

الطابق الخامس السري في فندق (يانغاكدو) في عاصمة كوريا الشمالية

يقول الملصق: ”جنرالنا هو الأفضل“ – صورة: مدونة The Monsoon Diaries

عاد (سون) وأفراد المجموعة في نهاية المطاف إلى غرفهم على الساعة الخامسة صباحا وقاموا بتوظيب أغراضهم تحضّراً للسفر عودة إلى بلدانهم من مطار (بيونغيانغ) الدولي، وكان من المقرر أن تأتي الحافلة التي ستقلّهم إلى المطار في غضون ساعتين من الزمن.

على الساعة السابعة بالضبط، كانت معنويات أفراد المجموعة ما تزال عالية عندما كانوا بانتظار انطلاق الحافلة التي ستقلهم إلى مطار (بيونغيانغ) الدولي، لكن عندما صعد موظفو الفندق على متن الحافلة وطلبوا منهم مغادرتها انتابتهم موجة من القلق والخوف.

قال المرشدون السياحيون أنهم كانوا يعلمون ما فعله أحد أفراد المجموعة وأنه من الحكيم جدا الاعتراف الآن قبل فوات الأوان، لكن المجموعة خيم عليها الصمت، فتحدث أحد المسؤولين في الفندق قائلا بأن مجموعة من المناشف الخاصة بالفندق قد سُرقت من طرف أحد أفراد المجموعة، وأنه إن كان أفراد المجموعة يرغبون في العودة إلى بلدانهم سالمين فما عليهم سوى بإرجاع المناشف، لكن لا أحداً منهم نبس ببنت شفة.

عقد المرشدون السياحيون اتفاقا مع مسؤولي الفندق، وقالوا إن قام هؤلاء الأخيرون بإدارة ظهورهم لبرهة فسيتقدم الشخص الذي أخذ المناشف ويعيدها دون أن يكتشف أحد هويته وهي أسرع طريقة لحل المشكلة، فقبل الحراس بهذا العرض وتم إرجاع المناشف المسروقة وفقا لما اتُّفق عليه دون أن يتم الكشف عن هوية السارق.

انطلقت الحافلة بعد ذلك وأقلت أفراد المجموعة إلى مطار (بيونغيانغ) الدولي حيث استظهروا تأشيرات سفرهم وطاروا على متن الطائرة خارج البلد.

عاد (سون) إلى مزاولة دراسته في كلية الطب في عامه الثاني في اليوم الموالي مباشرة ولم يخطر بباله موضوع الطابق الخامس السري منذ ذلك أبدا، لكن الأمر تغير تماما بعد أربعة سنوات، ففي سنة 2015 سافر أحد الطلبة الأمريكيين يدعى (أوتو وارمبيي) إلى كوريا الشمالية وفقا لنفس المسار الذي انتهجه (سون) سابقا مع نفس الوكالة السياحية، وأقام كذلك في فندق (يانغاكدو)، وهناك قال مسؤولو الفندق بأنه حاول سرقة أحد الملصقات التي تمجّد كوريا الشمالية.

لكن (وارمبيي) لم يحض بنفس التسهيلات التي حظي بها (سون) ورفاقه، وبدل ذلك خضع للمحاكمة وأجبر على الاعتراف بذنبه في بث تلفزيوني، وتمت إدانته وحكم عليه بالسجن لمدة 15 سنة كاملة مع الأشغال الشاقة.

أثناء تأديته لفترة عقوبته، تعرض (وارمبيي) للعديد من الإصابات في مخيم الأعمال الشاقة ودخل في حالة غيبوبة متأثرا بها، ثم وافته المنية في نهاية المطاف، وتصدرت وفاته في سنة 2017 عناوين الصحف العالمية. أظهر شريط مصور التقطته كاميرات المراقبة في الفندق بأن (وارمبيي) كان في أحد أجزاء الفندق التي لم يكن مسموحا للضيوف بالدخول إليها، وقال بعض السواح الذين زاروا الفندق من قبل بأن الشاب ذو الـ21 ربيعا قد كان في الطابق الخامس السري بدون شك، وهناك قام بإزالة أحد الملصقات الدعائية من الجدار وأخذه معه، لكن السلطات الكورية وإدارة الفندق لم تشر أبدا إلى وجود هذا الطابق السري من الأساس.

(أوتو وارمبيي) أثناء القبض عليه من طرف شرطة كوريا الشمالية

توفي الطالب الجامعي الأمريكي (أوتو وارمبيي) كنتيجة للعديد من الإصابات التي تعرض لها خلال أداء فترة عقوبته في أحد سجون الأعمال الشاقة.

يقول (سون): ”عندما كنا هناك لم تكن هناك أية ملصقات كان بإمكاننا إزالتها؛ فقد كانت الصور إما مرسومة مباشرة على الجدران أو مثبتة بواسطة مسامير“، وأعقب: ”لم يكن أحدنا يفكر بأخذ أي شيء من هناك، بل لم نكن نفكر حتى في لمس أي شيء، كما لم يكن هناك أي شيء لنسرقه من هناك عدا عن زوج الشباشب الذي ترك خارج عتبة باب إحدى غرف المراقبة“.

سلطت حادثة وفاة (وارمبيي) الضوء على السياحة في كوريا الشمالية، فقرر عدد من وكالات السياحة، بما في ذلك وكالة Young Pioneers Tours التي نظمت رحلة (سون)، عدم مرافقة السواح الأمريكيين إلى البلد أبدا، وقال الكثيرون غيرها أنهم سيعيدون النظر في سياساتهم بالنسبة لكل السواح الغربيين، وأضافوا العديد من الصفحات إلى مواقعهم الإلكترونية التي تؤكد بأن الطابق الخامس في فندق (يانغاكدو) هو مجرد طابق خدمات لا يسمح للزوار بالدخول إليه.

(سون) الآن طبيب مختص في الاستعجالات الطبية لكنه مازال يواصل سفرياته وينتهز كل فرصة تسنح أمامه في زيارة مكان جديد لم يسبق له زيارته في العالم، لكنه الآن أصبح أكثر حذرا من الماضي، يقول: ”أشعر بالأسى حيال ما حدث لـ(أوتو)، ولأنني الآن أعلم ما أعلمه فأنا أنصح جميع السواح والمسافرين باحترام تقاليد البلد الذي يزورونه، لكنني وقتها [في فندق (يانغاكدو)] لم أكن أعلم أبدا إلى أي مدى كنت ورفاقي متهورين، وأن ما فعلناه كان ليفضي إلى نهاية مأساوية ومصير مشابه لمصير (أوتو)“.

المصادر

عدد القراءات: 10٬028