in

المواعدة والعشق في كوريا الشمالية: هل تعلو مشاعر الحب عشقَ القائد والرئيس؟

يحاول نظام كوريا الشمالية، منذ تأسيسه، فرض حب الزعيم والولاء له على كلّ المواطنين، لكن أليس هناك مكانٌ للحب التقليدي بين البشر؟

في جميع أنحاء العالم، حتى الفقيرة منها، هناك إمكانية الوصول إلى الإنترنت ومواعدة أشخاص ننجذب لهم، بل حتى بالإمكان لقاء هؤلاء في الأماكن العامة أو العمل. الحبّ ليس بالأمر السهل، بل يتطلب إيجاد الشريك الأنسب عناءً ووقتاً وربما بعض الحظ.

لكن هل تساءلتم في يوم ما كيف يعيش سكان كوريا الشمالية؟ في هذا البلد الغريب والمعزول، ندرك أن قاطنيه يقضون وقتهم في أداء واجباتهم وتقديس الزعيم ثم العودة إلى منازلهم كي يعيدوا الروتين نفسه في اليوم التالي. قد يدرك الجميع أن حرية التعبير والرأي مقموعة في هذا البلد، لكن ماذا عن حرية العشق؟ تبيّن لنا أن العاشقين في كوريا الشمالية يعانون أيضاً من الاضطهاد، بل أن فكرة الحب والرومانسية مختلفة جداً لدى هؤلاء البشر.

مرّت كوريا الشمالية بالكثير من التغيرات خلال القرن الماضي، وبعد تفشي المجاعات، شهدت البلاد عراقيل اقتصادية ومشاكل دفعت بالناس إلى الاهتمام، ولو من بعيد، بالثقافة الغربية. صحيح أن النظام الكوري لا يرغب ولا يتمنى تغيّر عقلية المجتمع، لكن أبناء اليوم ليسوا كأبناء الأمس، بل برز اتجاه واضح يتمثل بالابتعاد عن تلك القيم والقيود التي رضي بها آباؤهم ظناً منهم أنها قيمٌ رفيعة وستعود عليهم بالخير، تحديداً تلك المتعلقة بالحب والزواج، وبالطبع، هذا أمرٌ لن يثير إعجاب الحكومة.

يُسمح للكوريين إظهار شعور الحب تجاه التقاليد والقيم المحافظة فقط

زوجان يقفان أمام تمثال القائد تعبيراً عن امتنانهما وشكرهما.

إن سنحت لك الفرصة وزرت كوريا الشمالية، لن ترى أي مظاهر تقليدية للحب في شوارعها، لا عاشقين يمسكان بأيدي بعضهما، ولا وجود لعناق أو قبلة. قال أحد الفارين من كوريا الشمالية لصحيفة «الغارديان» أن النظام الحاكم رسخ في عقل الكوريين فكرة مفادها أن باقي المواطنين هم «رفاق الثورة» فحسب، وليسوا أحباء، إذ لا يجب أن تحبّ أحداً في كوريا الشمالية أكثر مما تحب الزعيم والقائد المؤسس. لم ينجح هذا الأمر بالطبع، إلا ظاهرياً ربما، حسبما قال المنشق عن كوريا الشمالية.

وفقاً لصحيفة «الغارديان» ومن أجرت معهم لقاءات، أخبرنا هؤلاء أن لا أحد في كوريا الشمالية حقاً سعيد بالوضع، بل يضطر الكثيرون إلى التمثيل والنفاق، بشكل كبير وجدي، وتلك القيم المجتمعية التي تختلف من ناحية الحب والعلاقات الجنسية عن الغرب ليست مفهومة أو مستوعبة بالكامل في كوريا، وإنما هي أشبه بقوانين يترعرع الأطفال على اتباعها بدلاً من استيعابها أو إدراكها.

حسب صحيفة «ميرور» البريطانية أيضاً، يحاول نظام كوريا الشمالية غرس فكرة أو عقيدة في عقول النساء مفادها أن عليهنّ البقاء ”طاهرات“ أو ”عفيفات“. لا يعني ذلك أن كوريا الشمالية تكره الجنس وتخاف منه، بل في الحقيقة تُدرس مواد علمية في المدارس عن الجنس، لكن يتوقع من النساء ألا يقمن علاقة حميمية إلا بعد زواجهن، وأي مخالفة لذلك ستلقى سخط وخوف المجتمع قبل أن يصل الأمر إلى الحكومة.

أين يلتقي الأحباء في كوريا الشمالية؟

احتفال بيوم الشباب في بيونغيانغ، هكذا احتفالات ومناسبات هي المكان الوحيد الذي يستطيع أن يلتقي فيه الشباب بالشابات بحرية. صورة: Wikimedia Commons

قد يعتقد بعض العرب أن أنظمتهم السياسية تراقبهم باستمرار، لكنهم لم يعيشوا في كوريا الشمالية ولا يدركوا معنى المراقبة والحذر التام. جراء هذه الرقابة الصارمة، لن تجد أحداً في كوريا الشمالية يستخدم تطبيقات المواعدة الشهيرة مثلاً، لدرجة أن أحد المراسلين استخدم تطبيق تيندر الشهير للمواعدة في العاصمة بيونغ يانغ، ولم يحصل على أي نتيجة ضمن نطاق 137 كيلومتر. في بلد يعيش الكثير من سكانه بدون إنترنت، يبدو هذا الخيار غير واقعيّ من الأساس.

لذلك، يبدو أن الكوريين يواعدون بعضهم ويلتقون في الأندية الاجتماعية، وهي عبارة عن حفلات أو أحداث ضخمة يجتمع فيها مختلف الناس في الأعياد والعطل، وقد تحدث تلك المناسبات في أماكن عامة مثل ساحة (كيم إل سونغ). وهناك، يرتدي الشباب والشابات أكثر ملابسهم أناقة لعلّهم يتعرفون على بعضهم.

وفق المتحدث لصحيفة «الغارديان»، كان الشباب، وهو واحدٌ منهم في السابق، يستعدون جيداً لهذه المناسبة ويفرحون بها قبل أيام، وكانوا يرتدون ملابس جديدة وجميلة. وعند بدء الحفل وإعجاب شاب بفتاة ما، يطلب الشاب من الفتاة أن ترقص معه، وإذا قضى الاثنان وقتاً ممتعاً يسألها الشاب عن رقم هاتفها أو محلّ عملها، فإذا أعجبت الفتاة بالشاب وكانت غير متزوجة، بإمكانها إعطاؤه رقم الهاتف.

المشكلة الأكبر التي تعيق الشباب من التعرف على الشابات هي الخدمة العسكرية، إذ يتوجب على الشاب بعد التخرج فوراً الالتحاق بالخدمة العسكرية التي تصل مدتها لعشر سنوات، وهكذا لن يتمكن الشاب من إيجاد فتاة لفترة طويلة من حياته.

المواعدة في الجامعة من المحظورات

الرقص في المناسبات هو فرصة لقاء الشاب بالفتاة، فإن أعجبت به، بإمكانه التقدم للزواج بها. صورة: Wikipedia

من الشائع حتى في بلداننا العربية المحافظة جداً أن يتواعد الشباب والشابات في الجامعات، فهي المكان الوحيد البعيد عن أعين الأهل والمجتمع المتحجرَيْن، لكن كوريا الشمالية، لا يستطيع الطلاب مواعدة بعضهم أو حتى الجلوس سوية لوحدهم في مقهى ما.

يقول منشقون عن البلاد أن المواعدة ممنوعة رسمياً في الجامعات والحرم الجامعي، وإذا فُضح أمر أحدهم وهو يبدي مشاعر الحب لعشيقته مثلاً، يتعرض لسلسلة مهينة من الانتقادات وقد يصل الأمر إلى طرده من الجامعة. ولأن قواعد الجامعة والحرم الجامعي صارمة جداً، غالباً ما يتسكع الشبان والشابات في الشوارع والأماكن العامة والأسواق والمطاعم.

النساء تتزوج باكراً للتجنب العمل الإجباري

تختار النساء الزواج مبكراً كي يتجنبن العمل لساعات طويلة وفي ظروف سيئة.

يتوقع المجتمع الكوري الشمالي من النساء أن يتزوجن في عمر مبكر، قبل الثلاثين تحديداً، إذ أن النساء اللواتي يبلغن نهاية العشرينيات يُصبحن عانسات في نظر المجتمع، وبالتالي تتزوج النساء عادة بين عمر الـ 21 و24.

في المقابل، إن العمل إلزامي في كوريا الشمالية ومفروض على جميع المواطنين، إذ لا يمكن أن تعيش بدون أن تعمل في تلط البلاد. وهكذا، ترغب الكثير من النساء بالزواج وإنجاب الأطفال كي يتسنى لهن التخلص من العمل الإلزامي، وهكذا يستبدلن ساعات العمل الطويلة بأداء الواجبات المنزلية فقط.

في المقابل، يُلزم جميع الشباب بأداء الخدمة العسكرية التي تبلغ مدتها 10 سنوات وتأتي بعد التخرج من الجامعة. لذا من الشائع جداً في المجتمع الكوري أن ترى شاباً في الثلاثين من عمره التقى بفتاة للمرة الأولى في حياته ثم يتزوجان وينجبان الأطفال.

الزيجات المدبرة كانت الحل الأمثل سابقاً، لكن الشباب اليوم أصبح أكثر انفتاحاً من ناحية البحث عن الشريك. مهما حاول نظام كوريا الشمالية عزل مواطنيه عما يسميه ”القيم الغربية“، يبدو أن الأخيرة وجدت طريقها إلى الشباب والشابات بشكل أو بآخر. كان من الطبيعي جداً في كوريا الشمالية أن يدبر الأهل لابنهم زوجة يعرفون أهلها أو يتعرفون عليهم عن طريق أشخاص مختصين في البجث عن الزوجات. وعلى الرغم من أن كوريا الشمالية لا تزال دولة محافظة إلى حد كبير، لكن الشباب اليوم باتوا يعتنقون أفكاراً أكثر تقدماً فيما يخص الحب والرومانسية.

بات الكثير من الشباب اليوم يتواعدون ويختارون شريكهم بأنفسهم، بل بات للكثير من النساء عشيق مخلص يخططان سوية للزواج من بعضهما، سواء بموافقة الوالدين أو بدونها. لا تزال نسبة كبيرة من الكوريين محافظة بشدة، لكن هذا الاتجاه الجديد أصبح واقعاً.

على أي حال، تبقى ظروف البلاد الصعبة عاملاً مهماً في اختيار الشريك، بصرف النظر عن الحب، حيث يلاقي الشباب الذين أكملوا خدمتهم العسكرية وحصلوا على شهادة جامعية مرموقة وينتمون لحزب العمال الحاكم هم الأكثر حظاً في إثارة إعجاب الإناث.

طقوس الزواج في كوريا الشمالية

يقضي الشباب فترة طويلة في الخدمة العسكرية، بالتالي لا يُتاح لهم وقت كافٍ لإيجاد شريكة وتأسيس عائلة.

تختلف طقوس وتقاليد الزواج حسب كل ثقافة ومجتمع، وكوريا الشمالية ليست استثناء، لكن في هذا البلد السري الذي تحكمه طبقة تسعى دائماً لمعرفة ما يدور في أذهان المواطنين، ستُفاجأ عندما تعلم أن الحكومة تراقب بشدة الزيجات والمناسبات المرافقة لها.

في كوريا الشمالية، يوم الزفاف ليس يوم العروسين وحدهما، فغالباً ما يشمل هذا اليوم أموراً تتدخل فيها الحكومة وحزب العمال الحاكم. خُذ بوكيه الورد الذي تحمله العروس في مجتمعاتنا مثلاً أو البوكيه الذي تلقيه على الإشببينات كما في دول الغرب، ففي كوريا الشمالية، لا يحصل العروسان على هذه الزهور، بل يجب عليهما التوجه إلى تمثال القائد (كيم إل سونغ) مباشرة بعد إنهاء مراسم الزواج ووضع الورود عند تمثاله تعبيراً عن احترامهما له.

قد تعتقد، خاصة النساء، أن صور الزفاف هي إحدى الأمور المهمة واللطيفة التي تحب الاحتفاظ بها. في كوريا الشمالية، هناك شبه تقليد اجتماعي يتمثل بالتقاط العروسين صوراً لهما أمام التمثال السابق، إنه ليس أمراً إلزامياً بالطبع، لكنه تحوّل إلى ممارسة شبه إجبارية نتيجة بنية هذا المجتمع.

القاعدة الأكثر غرابة، والتي تتعلق بالحزب الحاكم، هي أنه يُمنع إقامة الأعراس في يومي 15 أبريل و16 فبراير، وهما يوما ميلاد الزعيمين السابقين (كيم جونغ إل) ووالده (كيم إل سونغ) على الترتيب.

على أي حال، تمتاز مراسم الزفاف في كوريا الشمالية ببعض التقاليد التي مررتها الأجيال إلى بعضها، فمثلاً، يرتدي العروسان ملابس كورية تقليدية تُعرف باسم هانبوك (وكذلك الأمر في كوريا الجنوبية)، يعود تاريخ ظهورها إلى العصور الوسطى. يأتي أيضاً الجيران والأقارب لمباركة العروسين والاستمتاع بالطعام والشراب، فتكون الأعراس بذلك حفلاً رائعاً ومناسبة لنشر البهجة والسعادة. بالنسبة للمزارعين أو العمال الفقراء، قد لا يستطيع هؤلاء توفير متطلبات يوم الزفاف، فظهرت عادة لدى الفقراء تتمثل باستعارة أو جلب الطعام، أو استئجارها مثلاً، كذلك بإمكانهم جلب مصوّر لتصويرهم أمام الآخرين، لكنهم لا يحتفظون بتلك الصور ويعيدونها إلى المصوّر كي لا يدفعوا ثمنها.

عادة أخرى تنتشر لدى الطبقات الميسورة من المجتمع والأثرياء، وهي دفع أموالٍ للعروسين في يوم الزفاف، حتى أن أثرياء كوريا والمسؤولين الحزبيين يدفعون بالدولار الأمريكي، وتلك علامة على ثرائهم ومكانتهم، وعلامة أخرى على تناقض هذا النظام. وبما أننا نتحدث عن المسؤولين الأثرياء، برزت عادة لدى هؤلاء عند حضور الأعراس تتمثل في إقامة حفلات كبيرة وضخمة جداً، حتى أن عدد السيارات المركونة خارج فندق يُقام فيه زفاف ما أصبح مؤشراً على أهمية الحضور والعروسين.

هناك طقس مثير للاهتمام في الزفاف الكوري، وهو وجود ديك ودجاجة في الحفل، حيث يقوم الكوريون بتزيين تلك الحيوانات ووضع الأزهار على الدجاجة، بينما يضعون الفليفلة الحمراء على منقار الديك.

على عكس كوريا الجنوبية، وباقي أنحاء العالم أيضاً، لا يحظى العروسان في كوريا الشمالية برفاهية شهر العسل، ولا حتى بيوم عطلة، إذ عليهما الذهاب إلى عملهما في الصباح التالي، لدرجة أن بعض الكوريين الشماليين الذين فروا إلى الجنوب لم يسمعوا مطلقاً بشهر العسل.

النخبة في كوريا الشمالية تتمتع بعدد كبير من العشيقات والمحظيات، والأمر ليس سراً!

لا يخفى على سكان كوريا الشمالية أن المسؤولين وطبقة النخبة يتمتعون بعلاقات جنسية عابرة، بينما ذلك أمر ممنوع على المواطنين العاديين. صورة: Kns/Agence France-Presse — Getty Images

يُطلب من مواطني كوريا الشمالية الامتناع عن كثير من أمور والعمل ثم العمل وأفكار أخرى قد لا تؤمن بها النخبة الحاكمة من الأساس. قد يبدو الأمر متوقعاً، لكن ما هو غريب أن هذه النخبة لا تخفي الأمر. ففي كوريا الشمالية، مثلما قلنا سابقاً، يُمنع إظهار علامات وحركات العشق في الشوارع والأماكن العامة، لكن هذه القوانين لا تنطبق على الأثرياء والمسؤولين.

تحدثت صحيفة «ميرور» عن شيوع ممارسة في كوريا الشمالية لدى الأثرياء ورجال الأعمال، وهي امتلاك عدد من المحظيات، بل لا مشكلة حتى من ظهور عشيقاتهم في الاماكن العامة، حتى لو كان هؤلاء الأشخاص متزوجون.

بالطبع، لم يكن الأمر كذلك تحت حكم (كيم إل سونغ)، كانت المحظيات موجودات لإرضاء رجال النخبة، لكن الأمور كانت تجري في السر حصراً. لكن تحت حكم (كيم جونغ أون) حالياً، يبدو أن السلطة لم تعد تهتم بهذا الأمر، بل لا تعتبره فضيحة. بالطبع، الدعارة ممنوعة في كوريا الشمالية، لكن هناك تقارير تقول أن بعض النساء تمارسن الدعارة للحصول على بضائع باهظة مثلاً أو لقاء خدمات معينة من الرجال.

مقالات إعلانية