قصص من الواقع

قصة الشاب اللبناني الذي حاول السفر إلى السعودية متمسكاً بعجلات الطائرة

طيران ناس

في عام 2010 وبعد رحلة طيران روتينية تنقل الركاب من العاصمة اللبنانية بيروت إلى الرياض؛ كان أمن المطار في السعودية أمام مفاجئة غير سارة، فالرحلة الخاصة بشركة «طيران ناس» كانت تحمل 130 راكباً ضمنها، لكن بالإضافة للركاب النظاميين كان هناك راكب إضافي وجد متوفياً في الحجرة الخاصة بعجلات الطائرة! كان هذا الراكب يبدو طبيعياً تماماً دون تشوهات، لكنه بالطبع لم ينجُ من الرحلة التي عادة ما تستغرق بين ساعتين حتى ثلاث ساعات ونصف.

قضية وصول الشاب إلى الطائرة ووفاته ضمنها أثارت الجدل في الأوساط اللبنانية عندما حصلت، وبالأخص مع مخاوف تتعلق بالأمان واحتمال تسلل الإرهابيين، كما أن الأمر سلط الضوء على المشاكل العديدة التي يعانيها مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت –أكبر مطارات لبنان– وبالأخص الأحياء السكنية القريبة جداً منه والملاصقة له أحياناً.

على العموم فهذه الحالة لم تكن فريدة من نوعها في الواقع –كما سنشرح في فقرة تالية–، لكنها تبقى قصة مثيرة للاهتمام للغاية.

ما هي قصة الشاب اللبناني

بعد مجموعة من التحقيقات في القضية؛ تبين أن الشاب الذي عثر عليه في حجرة العجلات هو لبناني الجنسية بعمر 20 عاماً فقط، حيث كان جسمه سليماً تماماً وعثر على أعقاب سجائر في أذنيه الأرجح أنه وضعها لحماية نفسه من الضجيج الذي لا يطاق.

بدأت التحقيقات للكشف عن هويته وطريقة وصوله إلى الطائرة أصلاً، حيث تبين أنه يحمل اسم فراس حيدر وهو من سكان منطقة برج البراجنة في بيروت والتي تجاور المطار الدولي تماماً.

لاحقاً تبين أن الشاب كان قد تسلل من المنازل المجاورة للمطار، وعندما شاهد الطائرة أخذ بالركض نحوها بسرعة، وعلى الرغم من تعثره وسقوطه عدة مرات فقد أكمل طريقه، ومع أن السلطات اللبنانية نفت أنها شاهته أو عرفت عنه –حيث تم التذرع بكون بعض المباني المجاورة تحجب رؤية برج المراقبة للمكان– فركاب الطائرة نفسها كانوا قد شاهدوا الشاب وهو يجري باتجاه الطائرة، وعلى الرغم من إخبار الطيار بوجود شاب يتسلق إلى حجرة العجلات، لم يقم بأي تصرف حيث لم يخطر سلطات المطار بل بدأ بالإقلاع وكأن شيئاً لم يكن.

التغطية الإعلامية للحادثة كانت قد تحدثت عن كون الشاب الذي عثر عليه في حجرة العجلات يعاني من مشاكل واضطرابات عقلية وهلوسات هي ما دفعته للقيام بالأمر، لكن التركيز الأساسي كان على ”مخاوف تسلل الإرهابيين“ عبر المطار بدلاً من الحديث عن أمور أساسية مثل الطيار الذي رفض التوقف أو إبلاغ السلطات بالأمر، أو حتى برج المراقبة العاجز عن أداء عمله الوحيد: المراقبة.

هل هناك حالات أخرى لأشخاص حاولوا التسلل على متن طائرات؟

معظم حالات التسلل التي تحدث عادة تكون في الجزء المخصص للأمتعة في الطائرة، أو الحجرة الخاصة بقطع الغيار والصيانة

معظم حالات التسلل التي تحدث عادة تكون في الجزء المخصص للأمتعة في الطائرة، أو الحجرة الخاصة بقطع الغيار والصيانة.

مع كون المطارات واحدة من أكثر الأماكن المراقبة والمحمية أمنياً في العالم؛ قد تبدو فكرة كهذه غير ممكنة، فالمطارات تتضمن كاميرات مراقب في كل مكان عدا عن العدد الكبير لعناصر الأمن والبوابات المتينة والتي تمنع وصول أي شخص إلى مكان لا يحق له الوجود فيه، لكن وعلى الرغم من كل هذا؛ هناك العديد والعديد من الأمثلة على حالات مشابهة من حيث المبدأ، فمئات الأشخاص حاولوا التسلل على متن طائرات بشكل غير شرعي، ونجحوا في العديد من الحالات.

في الواقع معظم حالات التسلل التي تحدث عادة تكون في الجزء المخصص للأمتعة في الطائرة، أو الحجرة الخاصة بقطع الغيار والصيانة، لكن حتى بالحديث عن حجرة العجلات حصراً فهناك بضعة عشرات من الحالات الموثقة والعديد من الناجين عبر الزمن. وبالإضافة للحالات الموثقة؛ هناك تقديرات بوجود مئات الحالات الأخرى التي لم يتم اكتشافها أصلاً بسبب سقوط المتسللين في البحار أو المحيطات.

ما هي خطورة التسلل في حجرة العجلات؟ وهل يمكن النجاة من أمر كهذا؟

حجرة عجلات طائرة بووينق 747

حجرة عجلات طائرة بووينق 747 – صورة: KianHong/VerticalScope

بالنسبة لمن لا يعرفون الكثير عن الطيران والغلاف الجوي، قد تبدو فكرة التسلل إلى حجرة العجلات في طائرة فكرة جيدة، فالأمر قد يبدو مشابهاً للاختباء في صندوق سيارة أو في حجرة من سفينة ولوقت قصير نسبياً –بضعة ساعات فقط–، لكن في الواقع فالمنطق السليم والسجلات كذلك تظهر أن هذا التصرف خطر للغاية، وفي الغالبية العظمى من الحالات لا يمكن للمتسلل النجاة أبداً، وفي الحالات النادرة للنجاة يعاني الناجون من مشاكل صحية خطيرة.

ببساطة فالتسلل إلى حجرة العجلات أمر خطير للغاية، وهنا سنتحدث عن الأسباب الأساسية التي عادة ما تتسبب بوفاة المتسللين بهذا الشكل:

– السحق من طرف عجلات الطائرة والآليات الخاصة برفعها:

ربما يكون هذا الخطر هو الأكبر والأكثر تبادراً للأذهان عند التفكير بالأمر، فالحجرات الخاصة بالعجلات مخصصة لغاية وضع العجلات في الداخل وليس لحمل البشر، لذا فمن السهل أن يتعرض الشخص لإصابة خطيرة أو حتى قاتلة من العجلات التي تتراجع إلى داخل الطائرة بعد الإقلاع.

في الواقع؛ فخطورة هذا الأمر تتغير بشكل كبير حسب موديل الطائرة والمكان الذي يختاره المتسلل، ففي حالة الشاب اللبناني هنا لم تشكل العجلات أي خطر، ولم يتعرض لأي إصابة من الأجزاء الميكانيكية، بل أن هناك سبب وفاة آخر.

– التجمد من الحرارة المنخفضة للغاية:

واحدة من الأشياء التي يجهلها الكثير من الأشخاص هي كون الحرارة تنخفض بشكل كبير للغاية كلما ارتفعنا عن سطح البحر، هذه الظاهرة هي المسؤولة عن كون القمم العالية للجبال عادة ما تكون مغطاة بالثلوج حتى في الصيف، كما أنها سبب تصميم الطائرات بحيث تكون عازلة للحرارة قدر الإمكان، حيث أن الطيران التجاري عادة ما يحلق على ارتفاعات تتراوح بين 6 كيلومترات وحتى 13 كيلومتراً، هذه الارتفاعات الكبيرة تعني أن الحرارة في الأجزاء غير المحمية من الطائرة مثل حجرة العدلات تنخفض بشكل كبير للغاية.

في الواقع وحتى في يوم صيفي حار، من الممكن أن تصل درجات الحرارة في حجرة العجلات للطائرة إلى أدنى من 30 درجة مئوية تحت الصفر، حرارة كهذه تعني أن الكثير من المحاولين للتسلل ينتهي بهم الأمر متجمدين تماماً، أو في بعض الحالات مع لسعات صقيع خطرة قد تؤدي لتورم الأطراف أو الأصابع.

– الاختناق بسبب نقص الأكسجين:

في حال تابعت وثائقياً ما عن تسلق الجبال المرتفعة، فالأرجح أنك لاحظت كون المتسلقين عادة ما يحملون معهم أسطوانات من الأكسجين المسال ليتمكنوا من الاستمرار لارتفاعات عالية جداً، حيث أن تركيز الهواء ينخفض تدريجياً وبسرعة مع الارتفاع عن سطح الأرض، وبالوصول إلى الارتفاعات الخاصة برحلات الطيران يصبح الهواء مخلخلاً –قليل الكثافة– كفاية بحيث لا يمكن للبشر الصمود والحفاظ على وعيهم.

هذا الأمر هو السبب بكون الطائرات محكمة الإغلاق بشكل كامل، حيث أن ثقباً صغيراً في هيكل الطائرة يعني أن الهواء سيخرج من الطائرة بسرعة كبيرة مؤدياً لتمزق هيكلها من جهة، ووفاة المسافرين نتيجة الاختناق. في حالة الشاب اللبناني فالأرجح أن هذا الأمر هو ما أدى إلى وفاته، حيث أن فرص النجاة من انخفاض معدل الأكسجين صغيرة جداً، ومن النادر أن يستفيق أحد بعد أن يفقد وعيه نتيجة البرودة وتخلخل الهواء.

في الواقع معظم عمليات التسلل على متن الطائرات لا تستهدف حجر العجلات أصلاً لهذا السبب، حيث عادة ما يحاول المتسللون الوصول إلى حجرة قطع الغيار والصيانة، أو الوصول إلى مكان الأمتعة فكل من هذين المكانين كتيمان للهواء، أي أنهما يحافظان على ضغط هواء يسمح بالتنفس، كما أنهما يبقيان أدفأ نسبياً وأقرب للحرارة الطبيعية مقارنة بالأماكن المفتوحة مثل حجرة العجلات.

– السقوط من حجرة العجلات:

بين مختلف حالات التسلل الفاشلة إلى حجرة العجلات في الطائرات فالسبب الأكبر للفشل هو السقوط منها في الواقع، ومع أن العديد من الحالات تتضمن سقوط المتسللين ووفاتهم أثناء إقلاع الطائرة؛ الغالبية العظمى من هذه الحالات تحدث عند الهبوط.

في معظم الحالات يكون المتسلل قد فقد الوعي نتيجة نقص الأكسجين، وفي حال فشل باستعادة وعيه والتمسك عندما تقترب الطائرة من الأرض، فهو بذلك يمتلك فرصة كبيرة للسقوط والوفاة بالنتيجة.

المصادر

عدد القراءات: 8٬500