in

10 حكّام عرفهم التاريخ وخلّدهم.. لا لشيء إلا لجنونهم وغرابتهم المطلقة!

حكام وقادة غريبو الأطوال على مر التاريخ

ابتداء من (فريدريك ويلهلم) ملك بروسيا الذي كان يجمع العمالقة من أجل تكوين كتائب جيش مميزة مثلما تجمع الفتيات الصغيرات الدمى –كان يجبرهم على التناسل مع نساء عملاقات أملا في إنتاج نسل خارق من العمالقة– إلى (كريستيان السابع) ملك الدنمارك الذي لم يكن يتوقف عن الاستمناء أبداً وكانت له عادة في صفع مؤخرات الوجهاء الأجانب الذين يزورونه أثناء مآدب العشاء الرسمية، يعج التاريخ بالقادة غريبي الأطوار، الخارجين عن المألوف، والذين أقل ما يقال عنهم أنهم مجانين.

إن السلوكات المضطربة والشاذة عند مواطن عادي أمرٌ وعند حاكم يتمتع بالقوة والسلطة والموارد أمر آخر تماماً، فهي لا تسفر فقط عن نتائج مضحكة أو هزلية، بل أن لها إمكانية في أن تصبح أمراً خطيرا يفضي إلى كارثة كبيرة.

اليوم، انخفضت احتمالات صدور سلوكات كارثية عن قادة العالم بشكل معتبر، غير أنها لم تمحى تماماً، وذلك راجع في المقام الأول إلى انتشار الديمقراطية وعامل الرقابة المفروضة على الحكام، إلى جانب توزيع السلطة عبر آليات حكومية معقدة حتى في البلدان غير الديمقراطية، وهو ما يمكن اعتباره عامل رقابة وصمام أمان بطريقته الخاصة.

غير أنه خلال معظم التاريخ البشري، كان الحكام يتسلمون مقاليد السلطة بشكل روتيني من باب الحظ البحت، كأن يولدوا في الوقت المناسب والمكان المناسب وللعائلة المناسبة فقط، ولم يكن أي كان قادراً على فرض أية رقابة عليهم وعلى أفعالهم، وكانت أوامرهم تنفذ دون نقاش، وكان الجميع غالبا ما يرضخ لنزواتهم مهما كانت جنونية.

في مقالنا هذا على موقعنا «دخلك بتعرف»؛ جمعنا لك قائمة تضم عشرة من أغرب ما عرفه العالم من الحكام:

1. معمر القذافي:

معمر القذافي
معمر القذافي. صورة: Markus Brandes Autographs

ولد معمر القذافي في سنة 1942 وتوفي في سنة 2011، وكان قد أعلن عن نفسه ”قائدا ومرشدا لثورة الأول من سبتمبر العظيمة للجماهيرية العربية الليبية الشعبية العظمى“، وقد كان عقيدا في الجيش عندما أطاح بالأسرة الملكية الليبية في انقلاب عسكري نفذه سنة 1969 ليصبح ديكتاتورا أبدياً للدولة إلى غاية وفاته في ثورة شعبية مشهورة في سنة 2011.

نعته الرئيس الأمريكي (رونالد ريغان) بالكلب المسعور قبل أن يرسل طائرات عسكرية نفاثة لقصف منزله. لقد تميزت فترة حكم القذافي التي دامت 42 سنة ببعض الوقفات التاريخية الدرامية، انتقل خلالها من تبني الشيوعية إلى الأصولية الإسلامية، ومن تمويل الإرهاب إلى التعاون المتحمس في الحرب العالمية على الإرهاب، وكان قد بدأ مسيرته كقومي عربي فقط لينتهي به المطاف في التخلي عن القومية العربية والالتفاف ناحية القومية الإفريقية.

كان القذافي يرى في نفسه الشخص المخلّص والمنتظر، فقام بنشر ”الكتاب الأخضر“ الذي يتضمن فلسفته السياسية التي أطلق عليها اسم «النظرية الدولية الثالثة»، وهي مزيج من الديمقراطية المباشرة، والقوميات العربية والإفريقية، والأصولية الإسلامية، وجعل منها بديلا لكل من الشيوعية والرأسمالية.

كان من المطلوب من كل ليبي أن يقرأ الكتاب الأخضر، الذي كان كذلك يشكل القاعدة النظرية لحكومته، في الواقع، كانت ليبيا عبارة عن ديكتاتورية نفعية ذاتية، لا تصب إلا في صالح القذافي وعائلته وعشيرته، ذلك أنه حكمها بمبدأ المحاباة، وقد كان اقتصادها يدار بشكل سيئ جدا لم يكن ينجو خلال كل تلك السنوات إلا بفضل الثروات الباطنية الهائلة التي كانت تتمتع بها البلاد من نفط وغاز.

كان القذافي كذلك زير نساء من الدرجة الأولى، وقد كانت لديه عادة غريبة في التودد للمراسلات الصحفيات ومعاكستهن، اللواتي كان غالبا ما يلتقي بهن وهو يرتدي برنس الحمام أو ملابسه الداخلية. أصبح مهووسا بوزيرة الخارجية السابقة (كوندوليزا رايس) التي كان يطلق عليها لقب ”عزيزتي المرأة الإفريقية السوداء“، وقد أغدق عليها بهدايا بلغت قيمتها 212 ألف دولار أثناء زيارتها لطرابلس، التي تضمنت قلادة تحمل صورته بداخلها.

كان القذافي يرى في نفسه أيقونة في عالم الموضة كذلك، ومن أجل ذلك طور مجموعة غريبة من الملابس المبنية على خيارات غريبة فيما يخص قطع الثياب وألوانها التي جعلته يلقب بصاحب الأزياء الأغرب من بين جميع حكام العالم. كان يغير كل تلك الثياب الغريبة والمضحكة عدة مرات في اليوم، كما كان يملك مجموعة من الحارسات الشخصيات ”العذراوات“ اللواتي يلقبهن البعض بـ”الحارسات الأمازونيات“.

تحت ذلك المظهر المضحك والفلسفة الواهية، كان القذافي ديكتاتورا عنيفا لا يعرف الرحمة، الذي اتسم حكمه بالاضطهاد، والتعذيب، والقتل، والاغتيال، وخرق صارخ لحقوق الإنسان. كان من بين هوسه المريع أمره باختطاف النساء من الشوارع اللواتي كان أغلبهن قاصرات، ثم اصطحابهن إلى واحد من القصور التي يملكها بغية اغتصابهن وفعل ما يشاء بهن.

من بين هؤلاء الضحايا، كانت فتاة ظل يحبسها لمدة ستة سنوات كاملة، أجبرها خلالها على مشاهدة الأفلام الإباحية واستهلاك الكوكايين معه، وكان يغتصبها بشكل متكرر ويتبول عليها، وكان يخضعها لعدد لا يحصر من الأعمال المنحرفة.

أطيح به أخيرا في سنة 2011 في ثورة الربيع العربي الشهيرة في ليبيا عندما تم أسره من طرف الثوار، الذين قاموا على الأرجح بتعذيبه قبل قتله أخيراً.

2. (جون بيديل بوكاسا):

جون بيديل بوكاسا

أطلق (جون بيديل بوكاسا) على نفسه لقب (بوكاسا الأول)، ولد في سنة 1921 وتوفي سنة 1996، وكان ديكتاتورا عسكريا حكم جمهورية إفريقيا الوسطى بقبضة من حديد من سنة 1966 إلى غاية سنة 1979، وبمجرد استيلائه على الحكم، أعلن عن هذه الدولة الصغيرة التي لا تملك إطلالة على أي بحر إمبراطورية، وأعلن عن نفسه (بوكاسا الأول) إمبراطور إمبراطورية إفريقيا الوسطى. تلخصت سنوات حكمه في الارهاب، والفساد، وتصعّد سلوكاته الغريبة جدا.

كان (بوكاسا) نقيبا في الجيش الاستعماري الفرنسي، وعندما نالت جمهورية إفريقيا الوسطى استقلالها عن فرنسا، دعى الرئيس الجديد والأول للدولة، وهو من أقرباء (بوكاسا)، هذا الأخير لقيادة جيش بلاده. قبل (بوكاسا) الدعوة، وبعد سنوات لاحقة، خطط لتنفيذ انقلاب عسكري واستولى على السلطة وأعلن عن نفسه رئيسا للبلاد.

كان يعشق الإمبراطور الفرنسي (نابليون بونابارت) كثيراً، وقد حذا حذوه من خلال إعلان نفسه إمبراطورا على إمبراطورية إفريقيا الوسطى، وتسبب في إفلاس بلده الفقير من خلال تنظيم حفل تتويج باهض كلف الخزينة حوالي 80 مليون دولار، مع صناعة تاج ملكي مرصع بالألماس بلغت قيمته 20 مليون دولار.

اتسمت فترة حكمه بسنوات طويلة من الرعب، وقد كان يشرف بنفسه على عمليات التعذيب والتنكيل بالمشتبهين في التورط في أعمال إجرامية، كما سن عدة قوانين غريبة جدا، منها أن اللص تقطع أذناه أثناء اقترافه لجريمتيه الأولتين ثم تقطع يده بعد ذلك، كما كان يشرف شخصيا على تعذيب كل من كان يشك فيه على أنه معارض سياسي له، ثم كان يطعم جثته للتماسيح والأسود التي كان يحتفظ بها في حديقة حيوانات خاصة.

اتُهم كذلك في عدة مناسبات باقتراف انتهاكة تناول لحم البشر، خاصة عندما نشرت مجلة (باريس ماتش) صورا أظهرت إحدى ثلاجاته مملوءة بجثث أطفال، ومن بين الفضائع والأهوال التي اقترفها خلال فترة حكمه، ولعلها أكثرها شهرة هي اعتقال المئات من تلاميذ المدارس في سنة 1979 لأنهم رفضوا اقتناء الزي المدرسي الرسمي الذي تبيعه شركة تعود لإحدى زوجاته.

أشرف (بوكاسا) شخصيا على قتل أزيد من مائة طفل على يد حرسه الإمبراطوري، وقد كانت تلك القطرة التي أفاضت الكأس، حيث بعد مدة وجيزة قام الجيش الفرنسي بإنزال قواته الخاصة في إفريقيا الوسطى وخلع (بوكاسا).

فرّ (بوكاسا) إلى المنفى في فرنسا، غير أنه في غضون سنوات قليلة أفلس وقضى على كل تلك الأموال التي حصلها من السلب والنهب الذي سلّطه على شعبه أثناء فترة حكمه، وغرق وعائلته في فقر مدقع، وهو الأمر الذي تناقلته وسائل الإعلام عندما قُبض على أحد أبنائه يسرق الطعام من أحد المتاجر.

عاد (بوكاسا) إلى إفريقيا الوسطى حيث حوكم سنة 1986 وثبتت إدانته بالقتل والاغتيال والخيانة وحكم عليه بالإعدام. تم تخفيف العقوبة إلى السجن المؤبد، غير أنه أطلق سراحه في سنة 1993، وعاش ثلاثة سنوات أخرى قبل أن توافيه المنية في سنة 1996.

3. (إيدي أمين):

إيدي أمين
إيدي أمين.

كان (إيدي أمين دادا) –الذي ولد حوالي سنة 1925 وتوفي سنة 2003– ضابطا في الجيش الأوغاندي الذي استولى على سدّة الحكم في سنة 1971 بعد تدبيره لانقلاب عسكري، وحكم أوغندا كديكتاتور مدى الحياة إلى غاية سنة 1979.

اشتهر حكمه بالقمع، والجرائم الإثنية في حق الأقليات، وانتهاك حقوق الإنسان، وسوء التسيير الاقتصادي، والفساد، والمحاباة، والمنفعة الشخصية. غير أن ما ميزه عن بقية الحكام الفاسدين الآخرين وأمّن له مكانا في قائمتنا هذه، كانت غرابته المتناهية.

كان (أمين دادا) قائدا للجيش الأوغاندي عندما سمع بشأن التدبير لأمر اعتقاله بسبب الاختلاس، لذا قام بالإطاحة بالحكومة آنذاك وأعلن عن نفسه رئيساً. كانت سلوكاته غريبة منذ البداية، ثم صارت أكثر غرابة شيئا فشيئا مع مرور الزمن وأصبحت سلوكاته غير متوقعة بتاتاً.

بدأ فترة حكمه مواليا للتيار المحافظ، وفي البادئ تلقى دعما من الغرب ومن إسرائيل، غير أنه انتهى به المطاف أن أصبح من أشد الموالين للقذافي في ليبيا وحركة التحرير الفلسطينية. أمر بالترحيل القسري للمواطنين الأوغنديين من أصول آسيوية وكذا الأجانب الآسيويين المقيمين فيها، واستولى على أعمالهم وتجارتهم وشركاتهم إلى جانب شركات ومؤسسات الأوروبيين، هذه الشركات والأعمال التي مثلت العمود الفقري في اقتصاد البلد، ثم قام بتسليمها لأفراد من عائلته وأقاربه وكل من وقف في صفه، هؤلاء الذين تسببوا في إفلاسها في نهاية المطاف.

بعد قطع المملكة المتحدة العلاقات الدبلوماسية مع أوغندا، أعلن (أمين دادا) عن كونه هزم بريطانيا ومنح نفسه وسام ”غازي الإمبراطورية البريطانية“، كما منح نفسه وسام ”صليب النصر“، وهو نسخة عن الميدالية التي تمنحها الإمبراطورية البريطانية.

من بين الألقاب التي منحها لنفسه كان ”سعادته“، ”الرئيس الأبدي“، ”سيد كل الوحوش في الأرض والأسماك في البحار وغازي الإمبراطورية البريطانية في إفريقيا بصفة عامة وأوغندا بصفة خاصة“، كما أعلن حتى عن نفسه ”ملكا لأسكتلندا“.

لم تكن حياته الخاصة أقل غرابة عن حياته السياسية، حيث كان يحب تعدد الزيجات، وتزوج ما لا يقل عن ستة زوجات، قام على الأقل بقتل والتنكيل بواحدة منهن. في سنة 1975، حظيت إحدى الراقصات باهتمامه فقام بقطع رأس صديقها الحميم وتزوجها في حفل زفاف فاخر كلف حوالي 10 ملايين دولار، وكان ذلك في زمن كانت أوغندا تعاني فيه من الجوع وسوء التغذية وانتشار الآفات والأمراض.

تتراوح تقديرات عدد ضحاياه من 100 ألف إلى نصف مليون ضحية، حاول في إحدى المرات الاستيلاء على إحدى مقاطعات تانزانيا المجاورة مما تسبب في اندلاع حرب سرعان ما خسرها، وأجبر بعد ذلك على الفرار في سنة 1979 أولا إلى ليبيا ثم إلى المملكة العربية السعودية التي منحته العائلة المالكة فيها اللجوء السياسي، ورفضت تلبية المطالب بتسليمه للعدالة الدولية، وظلت تغدق عليه بكرم حتى وفاته سنة 2003.

4. الملك المصري فاروق الأول:

 الملك المصري فاروق الأول

كان الملك فاروق الأول (1920 – 1965) ملك مصر من سنة 1936 إلى غاية الإطاحة به في انقلاب عسكري في سنة 1952 من طرف ثورة الضباط الأحرار. تميزت سنوات حكمه بفساد متوطّن، وحكم بعيد كل البعد عن الكفاءة، وكذا السلوكات الغريبة من طرف الملك نفسه، الذي من بين عدة أمور سلبية أخرى، كان مهووساً بالسرقة، ولم يكن قادرا على منع نفسه من سرقة الأشياء ونشل جيوب الناس.

لقد كان الملك فاروق ذا شعبية كبيرة في أوائل سنوات حكمه على أنه ذلك الملك الشاب الوسيم، غير أنه سرعان ما بدد كل تلك الآمال الموضوعة فيه بانعدام كفاءته القيادية، كما تسبب في إفساد مظهره الوسيم بالشره الكبير الذي أصابه وازداد وزنه كثيرا ليبلغ 300 باوند، مما جعله موضوعا للسخرية من طرف العام والخاص، وكان غالبا ما يوصف على أنه ”المعدة ذات الرأس“، وقد زاد نمط حياته مفرط البذخ إبان الحرب العالمية الثانية في الدفع بوضع شعبه المتأزم إلى الأسوء.

يبدو أن الملك فاروق كان يتلقى دروسا في النشالة، حيث من بين ضحاياه الذين نشل جيوبهم كان رئيس الوزراء البريطاني (وينستون تشيرشيل)، الذي دعاه الملك المصري لمأدبة عشاء خلال الحرب العالمية الثانية. أثناء المأدبة، اكتشف (تشيرشيل) أن ساعة جيبه الثمينة، التي ظلت متوارثة في أسرته العريقة بعد أن أهدتها الملكة (آن) لسلفه (جون تشيرشيل) أول دوق لـ(مارلبورو)، قد ضاعت منه.

بعد بحث حثيث وطويل عن الساعة، قام فاروق، الذي كان جالسا بالقرب من (تشيرشيل)، بإعادتها له في وضع مخزٍ قائلا بأنه وجدها، وفي وقت سابق إبان الحرب العالمية الثانية، كانت تراود فاروق الأول بشكل متكرر كوابيس يرى نفسه فيها تطارده أسود جائعة، وأصبح تقريبا لا يعرف النوم بعد تكرر هذه الكوابيس كثيراً، فاستدعى كبير مشايخ جامع الأزهر، الذي نصحه قائلاً: ”لن يهدأ لك بال حتى تقتل أسداً“، لذا قصد فاروق حديقة حيوانات قريبة وأطلق النار على أسدين داخل قفصيهما.

بحلول سنة 1952، وصل الفساد وسوء تسيير البلد إلى حد لا يطاق، فقام ضباط في الجيش المصري بقيادة جمال عبد الناصر بالإطاحة به في انقلاب عسكري في نفس السنة.

فرّ الملك فاروق من مصر على عجالة، وترك خلفه معظم ممتلكاته، فقامت الحكومة الجديدة بعرضها للبيع على المزاد العلني، وهناك اكتُشف بأنه كان يملك أكبر مجموعة للمجلات الإباحية في العالم.

استقر الملك فاروق أولا في إمارة موناكو، ثم في روما، حيث قتلته شراهته وحبه للأكل حرفيا، عندما سقط ميتا على مائدة العشاء في مطعم في روما بعد تناوله وجبة كبيرة في سنة 1965.

5. (لودفيك الثاني) ملك (بافاريا):

الملك (لودفيك الثاني)
الملك (لودفيك الثاني). صورة: Wikimedia Commons

اشتهر (لودفيك الثاني) على أنه ”الملك المجنون“ (1845 – 1886)، وكان ملكاً لـ(بافاريا) –التي هي جزء من ألمانيا حالياً— من سنة 1864 إلى غاية وفاته سنة 1886. كان متبرعاً سخيا على الفن والفنون، وقد كان معجبا جدا بأعمال الملحّن (ريتشارد واغنر)، وخلال فترة حكمه كرّس نفسه للمشاريع الفنية والهندسية، بما في ذلك قلاع تبدو وكأنها مستوحاة من قصص الخيال التي قام بتمويل تشييدها بسخاء وبذخ لدرجة تسبب في إفلاس نفسه.

بعد أن انضمت (بافاريا) للإمبراطورية الألمانية في سنة 1871، انسحب (لودفيك) من الحكم، ولم يعد يشغل باله سوى بالتدخل بين الحين والآخر بشؤون الدولة، وانطوى في عزلة مرضية كرس فيها نفسه لشغفه الحقيقي: الفنون.

كان الملك (لودفيك) يقدس المسرح والأوبيرا، خاصة أعمال (ريتشارد واغنر)، الذي كان من أشد المعجبين به، وسرعان ما تطور لديه كذلك هوس غريب بمشاريع المباني الفاخرة في الجبال البافارية، بدأ ذلك مع قصر (ليندرهوف)، الذي استغرق تشييده تسعة سنوات من 1869 إلى غاية 1878، وبالتزامن مع قصر (ليندرهوف)، بدأ بناء أشهر مشاريعه وهو قصر (نوشوانشتاين)، وهو عبارة عن قلعة تبدو مستوحاة من قصص الخيال التي تتموقع فوق قمة جرف عالٍ وتم تزيينها بمشاهد من أوبيرا (واغنر)، وانطلق في بنائه من سنة 1869 وفرغ منه في سنة 1886، وهو نفسه القصر الذي ألهم قلعة «الحسناء النائمة» في (ديزنيلاند).

من القلاع التي شيدها (لودويغ الثاني) في جبال بافاريا: قلعة (نوشوانشتاين).
من القلاع التي شيدها (لودفيك الثاني) في جبال بافاريا: قلعة (نوشوانشتاين).

وبينما كان القصر السابق قيد البناء، بدأ (لودفيك) مشروعاً طموحاً آخر في سنة 1878، وهو قصر (هيرينشيمسي)، نسخة عن قصر (فيرساي) في فرنسا، غير أنه لم يكتمل إنجازه أبدا لأن ”الملك المجنون“ أفلس قبل ذلك.

بين هجر واجباته الرسمية وإهمالها، والإنفاق غير المسؤول، والانطواء تحت حياة معزولة وبعض السلوكات الغريبة الأخرى، نال وزراء (لودفيك) كفايتهم منه أخيراً، وفي سنة 1886 تم اعتباره شخصا مجنونا من طرف مجلس من الأطباء والخبراء وأُرسل إلى قصر بعيد بمرافقة من أحد الأطباء النفسانيين.

بعد ثلاثة أيام، قام بإغراق نفسه في بحيرة آخذا معه الطبيب النفسي الذي كان برفقته، واليوم يندرج إرث الملك المجنون الهندسي والفني ضمن أكثر المواقع السياحية زيارة في (بافاريا).

6. السلطان إبراهيم:

السلطان إبراهيم

إبراهيم الأول (1615 – 1648)، الذي اشتهر كذلك باسم ”ابراهيم المجنون“، حكم الإمبراطورية العثمانية من سنة 1640 غلى سنة 1648.

عندما تولى شقيقه الأكبر مراد الرابع سدّة الحكم، قام بحبس إبراهيم الذي كان يبلغ من العمر آنذاك ثمانية سنوات فيما عرف بـ”القفص“ —وهو قسم معزول من الحرم حيث يتم فيه الإبقاء على منافسين محتملين على العرش تحت مراقبة حرس القصر الإمبراطوري بعيداً عن العالم الخارجي حتى لا يتسنى لهم تدبير آية مؤامرات—.

بينما كان إبراهيم في القفص، كان شقيقه السلطان مراد الرابع قد أعدم إخوته الآخرين واحدا تلو الآخر، حتى لم يبق سوى إبراهيم منهم، فعاش معظم حياته في القفص خائفا من أن يتم إعدامه في أية لحظة.

بقي إبراهيم قيد الحبس الذي فرضه عليه أخوه السلطان حتى تم سحبه من القفص بصورة فجائية في إحدى المرات من أجل أن يعتلي العرش عقب وفاة شقيقه السلطان مراد الرابع في سنة 1640. رفض إبراهيم هذا الواقع في بادئ الأمر، وعاد مسرعا إلى القفص الذي صار له بمثابة موطن حابساً نفسه في الداخل، وقد يكون ذلك لاعتقاد منه بأن الأمر برمته كان مخططا ماكراً من طرف شقيقه السلطان ليعلم ما إن كانت له رغبة في اعتلاء العرش حتى يعدمه في حالة ثبوت شكوكه.

فقط بعد أن عرضت أمامه جثة شقيقه الميت، وبعد محاولات والدته الحثيثة التي استدرجته خارج القفص بواسطة الطعام اللذيذ مثل الطفل الصغير، خرج أخيرا من الحبس واقتنع بقبول العرش.

بحلول ذلك الوقت، كانت كل تلك السنوات التي قضاها في العزلة داخل الحرم، وكذا الرعب المتواصل في أن يتعرض للإعدام في أية لحظة قد أثرت عليه كثيرا وتركته غير كفؤ لقيادة الإمبراطورية. كان معلوما مسبقا كونه غير مستقر ذهنيا ولا نفسيا، ولم تزد حالته إلا سوءا بعد أن دخل في مرحة من الحزن العميق على موت شقيقه السلطان فيما يشبه متلازمة ستوكهولم حيث تعشق الضحية جلادها.

من بين الدلالات على أن السلطان لم يكن بخير تماما، هو عادته الغريبة في إطعام الأسماك داخل الحرم بالقطع النقدية المعدنية بدل الطعام، وبينما اتضح جليا كونه مجنوناً، تولت والدته شؤون الدولة وتسييرها بدلا منه، وكانت تحثه أكثر فأكثر على قضاء المزيد من الوقت في قصره داخل الحرم برفقة جواريه الـ300، وكان هذا من أجل الإبقاء عليه بعيدا عنها حتى لا يعكر صفو تسييرها لشؤون الدولة، وكذا ليحظى بوريث ذكر ذلك أنه كان آخر من بقي من سلالة الأسرة الحاكمة العثمانية.

على مر سنوات، أغدق إبراهيم الأول على نفسه داخل الحرم بكل الملذات، وراح يستمتع بكل ما كان متاحا له، وكنتيجة على ذلك رزق بثلاثة سلاطين مستقبليين وعدد كبير من البنات، وكان مثلما يصفه أحد المؤرخين المعاصرين: ”كان إبراهيم الأول غالبا يجمع في حدائق القصر كل العذراوات، ويجعلهن يتجردن من ملابسهن أمامه ثم كان يصهل ويركض بينهن مثل حصان فحل، ثم كان يغتصب من شاء منهن حتى يفرغ“.

استفاق في أحد الأيام من نومه وفي قمة الجنون أمر بتقييد جميع النساء في حرمه داخل أكياس محملة بالأثقال ورميهن في مضيق البوسفور.

كان للسلطان إبراهيم كذلك فيتيشية —عشق مرضي— تجاه النساء البدينات، وفي إحدى المرات يقال أنه استُثير جنسيا بعد أن رأى مهبل بقرة، فأمر بإنشاء نسخ عن ذلك المهبل من ذهب وأرسلها عبر الإمبراطورية عسى أن يُعثَر له بين بقاعها على امرأة تملك نفس الأعضاء المشابهة.

عُثر له على امرأة أرمينية تزن 350 باوندا تملك نفس الأعضاء التناسلية تقريباً، وتم الإتيان بها إلى الحرم، فأصبحت واحدة من النساء المفضلات لديه.

كان له عشق غير مسبوق كذلك بالفرو، فكان يزين به ملابسه، وستائر قصره، وجدرانه، وكل أثاثه. كان كذلك يحشو وسائده بالفرو، وكان يفضل ممارسة الجنس فوق فرو حيوان السمّور.

عندما وقعت عيناه على ابنة كبير هيئة الإفتاء في الإمبراطورية، أسره جمالها وطلب يدها من والدها، ولأنه كان على علم بسلوكات السلطان المنحرفة؛ ترجى المفتي الكبير من ابنته رفض عرضه، وعندما قامت بذلك، أمر إبراهيم باختطافها وإحضارها إلى قصره، حيث راح يغتصبها لعدة أيام، قبل أن يعيد إرسالها إلى والدها.

في نهاية المطاف، أمر إبراهيم الأول بنفي والدته بعيدا وتولى سدة الحكم وتسيير شؤون الدولة، وكانت النتائج كارثية: بعد أن قام بإعدام أكثر وزرائه كفاءة، راح ينفق بإسراف مفرط حتى أفرغ خزائن الدولة، كما ورّط نفسه في سلسلة من الحروب التي أدارها بشكل سيئ جدا.

بحلول سنة 1647، كان شعب السلطان واقعا في وضع لا يحسد عليه بين ضرائب مرتفعة جدا فرضها عليهم كي يستمر في عيشة البذخ التي ألِفها والحروب الخاسرة، وبين غلق مضيق الدردنيل من طرف (فيينا) الذي أوصل العاصمة العثمانية إلى شفير المجاعة، بدأ الغضب الشعبي يتصعّد.

في سنة 1648، انتفض الشعب مدفوعا من طرف المشايخ ورجال الدين، وسرعان ما انضم إليه الجيش، وتمت الإطاحة بالسلطان وتنصيب نجله ذو الستة سنوات سلطانا للإمبراطورية العثمانية.

تم إصدار فتوى تقضي بإعدام إبراهيم، وهو الأمر الذي تم تنفيذه شنقاً في الثامن عشر من أغسطس سنة 1648.

7. (إيفان) المرعب:

إيفان المرعب
صورة: Wikimedia Commons

(إيفان الرابع)، الذي اشتهر باسم ”إيفان المرعب“ (1530 – 1584)، كان كبير أمراء (موسكو) من سنة 1533 إلى غاية سنة 1547، بعدها أعلن عن نفسه قيصرا على روسيا كلها، وهو ما أصبح لقب جميع ملوك وحكام الروس من بعدها.

قام (إيفان) بإنشاء حكومة مركزية وكان غازيا ومقاتلاً عظيماً تمكن أخيرا من الإطاحة بآخر بقايا المغول في روسيا وقام بإخضاعهم، وهم الذين لطالما شكلوا مشكلة وهاجسا كبيرا للحكام الروسيين على مر قرون، فقام كذلك بإخضاع الخانات المجاورين ووضعهم تحت حكمه مما ساهم في توسيع حدود روسيا.

في الجهة المقابلة، كان (إيفان) المرعب شخصا عنيفا وقاسيا إلى أبعد الحدود، الذي أخضع شعبه إلى عقود من الرعب.

اعتلى (إيفان) العرش وعمره ثلاثة سنوات فقط، وكانت والدته تتولى تسيير شؤون موسكو بدلا عنه حتى يبلغ أشدّه، غير أنها توفيت عندما كان عمره سبع سنوات فقط، وبوفاتها نشأت الصراعات بين النبلاء المتنافسين على الحكم، وفي خضم ذلك وجد (إيفان) الصبي نفسه عاجزاً عن الدفاع عن نفسه، فتم استغلاله من طرف النبلاء، وتعرض لسوء المعاملة والتعسف داخل قصره.

جعل منه هذا الأمر أكثر قسوة، فأفسحت تلك القسوة المجال أمام الجنون ليغزو دماغه الصغير، وقبل وقت طويل من أن يصبح (إيفان) مرعب البشر، كان يتخذ من تعذيب الحيوانات الصغيرة متنفساً له يخرج من خلاله غيضه وغضبه الحانق.

بحلول الزمن الذي تولى فيه التحكم الفعلي في إدارة شؤون الدولة، أصبح (إيفان) شابا مرتابا ومستاءا وغاضبا جدا الذي كان لا يثق في الناس بصفة عامة ويكره طبقة النبلاء بصفة خاصة، ولشدة كرهه لهؤلاء الأخيرين، قام بتأسيس نظام عرف باسم (أوبريشينا) في ستينات القرن السادس عشر الذي مهد لحكم من الرعب والقمع وضع سلطة مطلقة في يد القياصرة الروس على مر قرون في المستقبل.

بالاستعانة بقوات شرطة خاصة عرفت باسم (أوبريشنيكي)، أطلق سلسلة من الاضطهادات التي استهدفت النبلاء، ثم انتشرت من هناك لتبلغ موجاتها أقاصي زوايا أرضه الواسعة.

كان أكثر فعل عنيف وقاسٍ اشتهر به (إيفان المرعب) قد وقع في (نوفغورد) في سنة 1570، عندما قامت تلك المدينة بتحدي سلطته، فزحف عليها بجحافل جيشه في قلب الشتاء، وبعد الاستيلاء عليها أطلق العنان لأشبه ما يكون حفلة انحرافية ماجنة من العذاب والعنف. بدأ ذلك برجال الكهنوت، الذين أمر بتقييدهم وجلدهم من ساعة الغروب إلى ساعة الشروق لمدة أيام حتى يدفع كل منهم رسم 20 روبل.

هلك المئات منهم، وبعد ذلك أمر بإعدام كل من تمكن من النجاة، ولم يكن مصير الشعب أفضل، حيث أمر بتعذيب المواطنين الذين كانت لهم أدوار قيادية في التمرد إلى جانب عائلاتهم.

أُعدم الرجال، وتم تقييد النساء والأطفال والإلقاء بهم في نهر قريب كان متجمداً في تلك الفترة من السنة، حيث حُبسوا تحت طبقة غليظة من الجليد تحت المياه وراحت دوريات الجيش تسير فوق الجليد مانعة أيا كان من يحاول كسره والطفو إلى السطح.

بحلول الزمن الذي شعر فيه (إيفان) أخيرا بالرضا، كان أكثر من 60 ألف شخص قد قضا نحبه.

حتى عائلته لم تكن بمأمن من بطشه ومن هيجانه الخارج عن السيطرة، ففي سنة 1581 هاجم زوجة ابنه الحامل وأبرحها ضربا مما جعلها تفقد حملها، وكل ذلك بسبب ارتدائها لملابس ”فاضحة“ في نظره، وعندما واجهه ابنه ووريثه معبراً عن غضبه من قيامه بالاعتداء على زوجته ضربه هو الآخر بصولجان على مستوى الرأس تاركا إياه مع إصابة بليغة أجهزت على حياته في غضون أيام قليلة.

توفي (إيفان) بعد ثلاثة سنوات من هذه الحادثة إثر سكتة قلبية أصابته وهو يلعب الشطرنج.

8. (تشارلز الخامس) ملك فرنسا:

تشالرز الخامس في فرنسا

كانت لفترة اعتلاء الملك الفرنسي (تشارلز الخامس) –1368 – 1422– بداية واعدة، وكان يعرف آنذاك باسم ”(تشارلز) المحبوب“، غير أن لهذا علاقة وطيدة بكونه تسلم مقاليد الملك وهو صبي لا يتجاوز عمره 11 سنة، وكانت مملكته تدار من طرف أوصياء على العرش في البلاد، وكان كل هذا قد تغير بعد أن بلغ أشدّه وتسلم بنفسه مقاليد الحكم عن عمر 21 سنة. بحلول الزمن الذي توفي فيه بعد عدة عقود لاحقاً، كان قد نال باستحقاق لقب ”الملك المجنون“ الذي مازال يشتهر به حتى يومنا هذا.

بدرت أولى بوادر جنونه في سنة 1392، عندما كان هذا الملك البالغ من العمر 24 سنة يهم بالخوض في حملة عسكرية لتسليط العقاب على أحد اللوردات الإقطاعيين الذي حاول اغتيال أحد أصدقائه المقربين. كان تصرف (تشارلز) غريبا منذ البداية، وقد بدا محموما جدا للوصول إلى ذلك اللورد من أجل معاقبته لدرجة أن حديثه كان يصبح غير متناسق غالبا بينما كان يحث على التعجيل بالتحضيرات، وبمجرد أن انطلق في دربه، حمله بطء سير الجيش على غضب أقرب لما يكون إلى هيجان.

في الطريق، بدر للملك رجل مجنون مصاب بالجذام على قارعة الطريق الذي أخذ يصيح على الملك بأن يتوقف ويعود أدراجه لأنه تعرض للخيانة، وبعد أن تم إبعاده، بقي هذا المجنون يتبع الملك ويصرخ بتحذيراته المزعومة، في أثناء ذلك، سقطت من أحد الجنود حربته التي أصابت قطعة معدنية في زيه العسكري فأصدرت صريراً، وبمجرد أن وصل ذلك الصوت لمسامع الملك، استل سيفه وأخذ يضرب كل من كان قريبا منه ذات اليمين وذات الشمال، بحلول الوقت الذي هدأ فيه، كان قد قتل على الأقل أربعة فرسان ورجال عسكريين من مرافقيه.

في السنة الموالية، أصابه أرق شديد جعله ينسى اسمه وأنه كان ملكاً، كما لم يتعرف حتى على زوجته. بين سنتي 1395 و1396، راح يتخيل أحيانا أنه القديس (جورج)، وكان أحيانا يتعرف على مرافقيه والمسؤولين في البلاط لكنه لأسباب مجهولة عجز عن التعرف على زوجته وأطفاله.

ثم مرة أخرى، على الأقل فيما يتعلق بزوجته التي قد يكون ملّ منها ببساطة، كان ينط بجنون مثل ثعلب مذعور أثناء تظاهره بكونه لا يعرفها أبداً.

اتخذ أحد مظاهر جنونه شكل تخيّله لكونه كان مصنوعا من الزجاج، وازداد ذعره من أن يتفتت في أية لحظة أو أن يسقط فتتناثر أجزاؤه، فراح يحشو ثيابه بقطع ودعامات معدنية للحيلولة دون ذلك ”الخطر“ المحدق.

في أوقات أخرى، كان يركض في الشوارع أو في أروقة بلاطه بسرعة كبيرة، فساء الأمر به كثيراً لدرجة أنه من أجل الإبقاء عليه في إقامته الملكية الباريسية تعين على المسؤولين بناء جدران من الطوب بدل الأبواب، فبقي هذا الملك البائس يعاني من الجنون حتى آخر لحظة في حياته سنة 1422.

9. (إيلاغابالوس):

إيلاغابالوس

كان (سيزار ماركوس أوريليوس أنتونيوس أغسطس)، الذي اشتهر أكثر باسم (إيلاغابالوس) —203 ميلادي – 222— إمبراطورا رومانيا من سنة 218 ميلادي إلى غاية وفاته. كانت ممارساته لشعائره الدينية لديانته الشرقية -التي لو مارسها مواطن روماني بسيط لتعرض للعقاب- غريبة للغاية وتسببت في صدمة وسط الرومان، خاصة عندما كان يؤديها إمبراطور.

عندما كان شابا، كان هذا الإمبراطور كاهنا من كهنة إله الشمس السوري (إيلاغلابالوس)، وبعد اعتلائه للعرش كمراهق بعد أن أمنت له والدته هذا المنصب بعد اغتيال سلفه وقريبه الإمبراطور (كاراكالا)، أخذ اسم الإله وجعله اسماً له وأحضر معه عبادته إلى روما، حيث بنى له معبداً فاخراً.

هناك، على مرأى من أعضاء مجلس الشيوخ المذهولين، والنبلاء والمسؤولين رفيعي المستوى في روما، وأمام شعبه، أخذ يتراقص حول مذبح الإله على نغمات الصنوع وقروع الطبول.

قام بأكثر من هذا بعد أن خدش مشاعر الرومان في محاولة منه لتوحيد الآلهة الرومانية مع ديانته الشرقية، جاعلا من الإله (إيلاغلابالوس) سيد الآلهة كلها فوق (جوبيتر) نفسه، ولهذه الغاية، قام بنقل أكثر آثار روما قداسة إلى معبده الجديد، بالإضافة إلى ذلك، أمر بأن تنقل جميع الديانات، بما فيها المسيحية الحديثة آنذاك واليهودية، شعائرها إلى معبد (إيلاغلابالوس).

لربما كان (إيلاغلابالوس) أكثر أباطرة روما استظهارا لميولهم الجنسية المثلية في التاريخ، حيث كان يرتدي ملابس نسائية أمام الملأ وكان يحيط نفسه بعشاقه الذكور، الذين قام بترقيتهم لينالوا مناصب عليا في الدولة، كما يشاع عنه أنه قام بالترويج لنفسه على أنه عاهرة لكل من يدفع المال داخل بلاطه.

بينما لم تكن الممارسات المثلية أمرا غريبا عن المجتمع الروماني، فإن التشبه بالنساء، خاصة عندما يأتي من إمبراطور، جعله موضوعاً لسخط كبير، الذي قاد في نهاية المطاف إلى اغتياله في سنة 222.

10. (نيرو):

نيرو

حكم (نيرو كلاوديوس سيزار أغسطس جيرمانيكوس) —37 – 68 ميلادي— الإمبراطورية الرومانية من سنة 54 ميلادي إلى غاية سنة 68 ميلادي، وقد كان آخر إمبراطور من سلالة (يوليو – كلود). قرر في أوائل سنوات حكمه التخلص من والدته التي كانت تهيمن عليه وعلى ملكه، فاستقر رأيه على فكرة التدبير لاغتيالها في ظروف تبدو وكأنها هلكت نتيجة ظروف طبيعية أو حوادث عرضية، من بينها تصميم سقف هش لينهار عليها ويقتلها، وكذا العبث بأحد قوارب الاستجمام خاصتها حتى يغرق وتغرق معه.

نجت والدته من انهيار السقف عليها، كما تمكنت من السباحة إلى الشاطئ بعد أن غرق قاربها، وهنا أمر الإمبراطور (نيرو)، الذي ملّ حقا منها، أتباعه بأن ينهالوا عليها ضربا حتى يقتلوها، وهو ما قاموا به بالضبط.

بمجرد تحرره من قيود والدته المتسلّطة، ومع وجود موارد أقوى إمبراطورية في التاريخ تحت تصرفه، أطلق (نيرو) العنان لنزواته الجنونية، فكان يرى في نفسه موسيقاراً، فانهمك في إحياء حفلات طويلة جدا راح خلالها يغني ويلعب بالكنّارة. قلة قلائل من الحضور تجرأوا على إظهار مللهم، كما أظهرت سجلات المؤرخين من تلك الحقبة حالات تظاهرت فيها النساء بكونهن على وشك الإنجاب حتى يتمكنَّ من المغادرة، وكان الرجال يتظاهرون بالتعرض لنوبات قلبية وحتى الموت، حتى يتم نقلهم خارج المسرح من شدة الملل.

كان واحد من أحلام طفولته هو أن يصبح بطلا أولمبيا، لذا أمر بتأجيل الألعاب الأولمبية لسنتين حتى يتمكن من زيارة اليونان والمشاركة فيها.

شارك في منافسة سباق العربات التي تجرها الخيول، وفشل في إكمال السباق لكون عربته تحطمت، غير أن الحكام، خوفا منهم من بطشه وكذا محاباة له، منحوه إكليل الفائز بحجة أنه لو لم تتحطم عربته لكان قد انتصر، كما منحوه إكليل الفائز عن كل منافسة شارك فيها، وعن منافسات لم يشارك فيها حتى، وعن منافسات لم تكن حتى جزءا من الألعاب الأولمبية على غرار الغناء ولعب الكنّارة.

تسبب (نيرو) في إفلاس خزائن الإمبراطورية بفعل إنفاقه المسرف، وكذا لتجاهله لإدارة شؤون الدولة وإيعازه لهذه المهمة لأشخاص فاسدين نزلوا بها إلى الحضيض.

بحلول سنة 68 ميلادي، وصل السخط من هذا الإمبراطور إلى نقطة خطيرة جدا، فتمرد جنرالات الجيش، وحكام المقاطعات عبر الإمبراطورية ضد سلطته، مع إعلان مجلس الشيوخ له بصفة رسمية عدواً للشعب فهجره حتى حراسه الإمبراطوريون.

فرّ (نيرو) على إثر ذلك من روما، وفكر في استمالة رحمة الشعب وغفرانه له عبر الغناء لهم ولعب الكنّارة ”لكسب قلوبهم من جديد“، غير أنه عدل عن هذا الأمر عندما علم بأنه سيتم تمزيقه إربا في حالة ما شوهد من طرف أي مواطن روماني.

وصلت لمسامعه أنباء عن إعلانه عدوا للشعب من طرف مجلس الشيوخ، وأنه حكم عليه بالضرب المبرح علناً حتى الموت، وأن الجنود كانوا في طريقهم إليه للقبض عليه. نفذت منه الخيارات، فقرر أن يضع حدا لحياته، ولأنه لم يكن قادرا على القيام بذلك بنفسه، جعل أحد العبيد المعتوقين يطعنه بسيفه، وكانت كلماته الأخيرة: ”يا لها من ميتة نالها الفنان بداخلي!“.

جاري التحميل…

0