تاريخ

قادة تاريخيون استخدموا سلطاتهم المفرطة بطرق غريبة جدا

لودفيك الثاني – ملك بافاريا (حالياً جزء من ألمانيا)

عبر التاريخ، توالى العديد من القادة المطلقين على حكم كل مكان على سطح الأرض، ومع أن الأمر استغرق وقتاً طويلاً للغاية من تاريخ البشرية، أصبحنا ندرك اليوم مقدار الخطر الموجود في وضع كل بيضنا في سلة واحدة، فمهما كان القائد يبدو جيداً وكفؤاً للمهمة، فغياب القدرة على المحاسبة والسلطات الواسعة ستحوله إلى شخص آخر بالتأكيد، وسيتهي الأمر في كل مرة بشكل سيء للجميع، اجمع ذلك مع نظام حكم وراثي من أي نوع والنتيجة ستكون الكثير من الأمور الخاطئة، فإن كان حتى الأشخاص الجيدون قادرين على القيام بأمور سيئة، فوجود وريث حكم سيحكم مهما كانت صفاته هو وصفة مثالية للكثير من المعاناة.

غالباً عند الحديث عن نتائج الحكم الفردي للقادة عبر التاريخ تخطر بالبال الحروب المدمرة أو المجاعات أو النزاعات المحلية أو حتى الإبادات الجماعية والسياسات الفاشلة، لكن في لكثير من الأحيان يتصرف القادة المطلقون بشكل دكتاتوري، لكن بنفس الوقت غريب جداً وغير مألوف.

وهنا في مقالنا على موقع ”دخلك بتعرف“ سنذكر بعض الأمثلة على هؤلاء الحكام.

آنا الأولى – إمبراطورة روسيا (1693 – 1740)

كانت قصة آنا الأولى المزيج المتوقع عندما تخلط السّلطة المطلقة بالجنون التام، فإمبراطورة روسيا التي حكمت بين عامي 1930 و1940 اشتهرت بـ”مقالب“ عنيفة أو بالأحرى بوحشية بطريقة هزلية ربما.

الأمر ببساطة أنها كانت تحب أن تقتل البشر بطرق تعتبر مضحكة، وواحدة من أولى القصص المعروفة عنها كانت اكتشافها أن أحد النبلاء تزوج من امرأة كاثوليكية (مع كون التسامح الديني في تلك الحقبة أمراً من الخيال) لذا قررت عقابه بتزويجه من عجوز طاعنة في السن أولاً، ومن ثم جعله وعروسه الجديدة يرتدون ملابس المهرجين لتقوم بتمريرهم في الشوارع أمام الناس بعدها مع حيوانات المزرعة، وليكتمل عقابها أجبرتهما على خلع ملابسهما بالكامل والنوم في قصر جليدي.

وللتذكير، فآنا كانت امبراطورة روسيا والوقت حينها كان شتاءً، لذا لك حرية تخيل ما حدث للنبيل المذنب وعروسه الجديدة.

كان عصر آنا واحداً من أكثر الفترات رعباً في تاريخ روسيا، فالشرطة السرية كانت قد تأسست في وقتها، وكلمة خارج سياقها كان من الممكن أن تودي بلسان قائلها، ونكتة بسيطة قد تجعل الشخص يعاين السقوط الحر بشكل مباشر من أسوار المدينة، وحتى سوء طهي طعامها قد يودي بالطاهي إلى الإعدام تماماً.

وفي الوقت الذي لم تكن تمارس هواياتها بتعذيب البشر وقتل كل من يتجرأ على فعل ما لا يعجبها، كانت تجد التسلية بإذلال من يخطر ببالها بإرغامه على تقليد دجاجة أو كلب لساعات أمامها، وعندما تكون من تأمرك بذلك معروفة بإرغامها أشخاصاً على النوم عراة في ثلج شتاء روسيا، فمن الأفضل أن يكون تقليدك جيداً جداً ومقنعاً كفاية لأن لا تنتهي مع من لا يعجبها.

مصطفى الأول – السلطان العثماني (1591 – 1639)

مصطفى الأول – السلطان العثماني (1591 – 1639)

أن تكون من فئة النبلاء في السلطنة العثمانية في القرن السابع عشر أمر أشبه بسيف ذي حدين هنا، فمن الناحية الأولى كونك نبيلاً يعني الكثير من المال والأملاك والسلطة والقدرات، وأي شيء تريده تقريباً يحضر إلى أمامك، لكن من الناحية الأخرى فأن مهدد بالموت في أي وقت، وعندما يحتدم الصراع على كرسي السلطنة مرة جديدة ستجد نفسك غالباً أمام جنود السلطان الجديد الذين سيصفونك ضمن التقليد العثماني المعروف بكون كل سلطان جديد يقتل أخوته وأقربائه وأي أحد من الممكن أن يهدد مكانته كسلطان، لتأمين بقائه على الكرسي لأطول وقت ممكن.

هذه الحالة كانت الوضع الذي وجد مصطفى لأول نفسه فيه منذ طفولته، فعندما كان عمره 12 عاماً فقط تولى أخوه الأكبر السلطنة، ولحسن حظه لم يقم بقتله لكنه أمر بسجنه قسرياً في غرفته طوال مدة حكمه التي انتهت عام 1617 بموته.

بالمحصلة عاش مصطفى الأول أكثر من نصف حياته في عزلة تامة، والعيش بهذه الحالة لن يترك الشخص يكمل حياته بشكل طبيعي بالطبع، لذا عندما خلف أخاه المتوفي عام 1617 -ومع أن قترة حكمه الأولى امتدت لـ3 أشهر فقط- قام بالعديد من الأمور الغريبة كتعيين فلاح كالضابط الأول للجيش بعد أن سقاه بعض الماء في إحدى جولاته.

سرعان ما تم عزل مصطفى وإعادته إلى سجنه لكن بديله لم يكن أفضل حالاً، فقد كان يبلغ من العمر 13 عاماً فقط عندما أولي أمور السلطنة واشتهر بحبه للرماية وتدربه عليها باستخدام أهداف حية من السجناء المذعورين.

على أي حال فخلال عدة سنوات فقط قبض على عثمان الثاني (السلطان الطفل) وهو يحاول الهروب من البلاد حاملاً معه ذهب الخزينة العثمانية ليتم إعدامه وإعادة مصطفى من جديد إلى الحكم، لكن بعد 19 عاماً قضاها مسجوناً في غرفته، لم يرق الأمر لمصطفى.

على عكس ما قد يخطر ببالك بأن الأمر سيترك وسيوجد سلطان آخر، فقد تم جر مصطفى من غرفته لإرغامه على تولي العرش، ليكون أول ما يقوم به عند توليه للسلطنة هو أن يأمر بقتل من أخرجوه من غرفته، ومن ثم يعود إلى غرفته ليحكم منها لمدة، ومع استمرار حالته التي تسببت بلقبه ”السلطان المجنون“ وكونه مقتنعاً بأن ابن أخيه الذي حكم بعده وأعدم لا زال حياً، عزل بعد سنة من توليه السلطة من جديد وعاد ليسكن غرفته وسجنه السابق حتى مات.

فريدريك ويليام الأول – ملك بروسيا (حالياً هي جزء من ألمانيا الحديثة) في (1688 – 1740)

فريدريك ويليام الأول – ملك بروسيا

كان فريدريك واحداً من أهم ملوك بروسيا في تلك الحقبة، ويعرف بكونه باني أقوى جيش في تاريخ المملكة، وربما الأطول كذلك.

قبل أن يتولى الحكم، كان فريدريك معروفاً بهوسه بالطول، وفي الواقع فقد كان ورث الأمر عن سابقيه الذين أسسوا كتيبة كاملة من الجيش حصرية للجنود ذوي الطول الكبير جداً والأعلى من المعدل، لإيمانهم بأن هكذا كتيبة من شأنها أن تدخل الرعب إلى قلوب جنود الأعداء الذين لا يضاهونها طولاً.

لكن الأمر لم يتوقف عند الإبقاء على الكتيبة لدى فريدريك بل أنه أراد توسيعها أكثر، لذا قام بتجنيد الرجال الطوال في أراضي مملكته، لكن الأمر لم يكن كافياً لطموحاته لذا فقد بدأ بتجنيد حتى الأجانب، ولو أن أسلوب التجنيد هنا كان مختلفاً، فبدلاً من جذب الرجال ذوي القامات الطويلة إلى الجيش كان يتم اختطافهم (وقتل عائلاتهم أحياناً) ومن ثم تدريبهم بانضباط والتزام شديد ليصبحوا أعضاء ضمن كتيبة العمالقة التي كانت مفخرة للملك، الذي يذكر المؤرخون -وبشكل غريب- أنه كان قيادياً جيداً تسبب بازدهار مملكته.

المثير للاهتمام هو أن عصر فريدريك كان مسالماً إلى حد بعيد حيث لم يبدأ أي حرب، وفي المعارك التي تدخل بها رفض مشاركة ”كتيبة العمالقة“ الخاصة به في الحرب لأنها أثمن من أن تشارك في الحرب!

يبدو أن هوس فريدريك ببناء الكتيبة لم يكن لأي أهداف عسكرية، بل لأنه يحب طول القامة والضخامة فقط، وربما الأمر يبدو بشكل أوضح مع كون الكتيبة بقيت كحرس شخصي له يقوم بالاستعراضات أمام قصره وحتى في غرفته عندما اقترب من الموت.

كاليغولا – إمبراطور روما (12 – 41)

كاليغولا – إمبراطور روما (12 – 41)

أن يكون لديك حيوان أليف تربيه وتعتني به وحتى تعطيه بعض الصفات البشرية كأن تعطيه اسماً أو حتى تجعله يرتدي الملابس أمر عادي جداً، فالكثيرون يربون الحيوانات ويتعلقون بها إلى حد بعيد ويعطونها أهمية تشبه أهمية عائلاتهم حتى، ومن هذا المنظور ربما كان حب كاليغولا لحصانه مفهوماً إلى حد بعيد، أو على الأقل حتى تعرف أن الأمر زاد عن ذلك لدى الإمبراطور قصير العهد، فهو لم يكن يشبه الحصان بالبشر، بل كان يعامله كانسان تماماً ويقيم الولائم على شرفه، وحتى أنه بحث له عن ”فرس أحلامه“ وزوجه.

حتى الآن تبدو هذه التصرفات غريبة جداً، لكنها لا زالت ضمن الحد المقبول نوعاً ما على الأقل، لكن (لحسن حظ الحصان ربما) الأمر أكثر من ذلك، فطعام الحصان كان من الشوفان المخلوط مع نثرات الذهب، حتى أن الإمبراطور الروماني وصل بالأمر أن جعل حصانه قنصلاً لروما، جاعلاً منه واحداً من أقوى الشخصيات السياسية في روما (التاريخ لم يذكر شيئاً عن إسهاماته السياسية الكبرى للأسف).

كان الحصان جزءاً واحداً فقط ضمن قصة كاليغولا على أي حال، فالإمبراطور الشاب سرعان ما بدأ باعتبار نفسه إلهاً وبدأ بالظهور مرتدياً ملابس تحاكي آلهة وأنصاف آلهة رومان، مثل ميركوري وهرقل وحتى فينوس وأبولو، كما أنه بدأ يشير لنفسه كإله عند لقائه مع القادة الأجانب، ولاحقاً أصبح ينادى باسم ”جوبيتر“ في الخطب والكتابات الرسمية.

ساهمت هذه الأمور إلى حد بعيد بزيادة الفرقة بينه وبين مجلس الشيوخ الروماني، ومع أنه تمكن من إيقاف عدة مؤامرات لقتله، مات في النهاية مقتولاً بـ30 طعنة مثلما مات سلفه يوليوس قيصر قبله بعدة عقود من الزمن.

لودفيك الثاني – ملك بافاريا (حالياً جزء من ألمانيا) سنة (1845 – 1886)

لودفيك الثاني – ملك بافاريا

أحب الكثير من الملوك عبر التاريخ القلاعَ والأسوار العالية، وخاصة ملوك الممالك الصغيرة التي كانت دائماً في حروب مع بعضها البعض مما أعطى القلاع ميزة إضافية بكونها توفر الحماية لقاطنيها، لكن أياً من الملوك وبناة القلاع عبر التاريخ أحب هذه المباني الحجرية العملاقة بقدر لودفيك الثاني ملك بافاريا، فالملك الشاب كان مهووساً تماماً بالقلاع وبكامل تفاصيلها بشكل مجنون تماماً.

بدأ الأمر مع قلعة نيوشفانشتاين الشهيرة، التي كانت أول قلعة بناها الملك البافاري وتحولت لاحقاً إلى مصدر الإلهام للقلعة الخاصة بقصة ”الحسناء والوحش“ في أفلام والت ديزني، فالقلعة مبنية بدقة متناهية وبالإضافة لضخامتها فهي دون شك واحدة من أجمل القلاع عموماً مع تصميمها المميز.

لكن الأمر لم يتوقف عند قلعة واحدة، بل أن الملك البافاري بنى قلعتين أخريتين خلال عهده، وهو أمر ربما يكون عادياً جداً في وقت غزو مثلاً وتوسع لتحصين قواته في البلاد الجديدة، لكن الأمر لم يكن كذلك، والقلعتان بنيتا ضمن أراضيه دون أي حاجة حيث أنهما لم تكونا مأهولتين حتى.

هوس لودفيك بالقلاع جعله يصرف الكثير من المال عليها ويتسبب بإفلاس الخزينة وتراكم الديون، ومع أن قلاعه لم تكن مستخدمة في الواقع (تذكر أن هذه الأمور كانت في نهايات القرن التاسع عشر، في وقت باتت القلاع فيه شيئاً من الماضي) فقد كان يرسل الخدم إليها بشكل دائم للحفاظ على جاهزيتها بشكل دائم ولو أنه لم يسكنها قط.

بالمحصلة، كاد هوس لودفيك بالقلاع أن يدفعه لبيع مملكته مقابل مال يبني فيه المزيد من القلاع، وهو ما كان القشة الأخيرة التي جعلت النبلاء يعزلونه ويعلنونه مجنوناً بشكل رسمي، ليموت بعدها بأيام في ظروف مجهولة.

سابارمورات نيازوف – رئيس تركمانستان (1940 – 2006)

سابارمورات نيازوف – رئيس تركمانستان (1940 – 2006)

في حال لاحظت تاريخ ولادة ووفاة الحالات الخمسة السابقة، فبالتأكيد لاحظت أن جميعهم قدماء ومضت عقود طويلة على وفاتهم كذلك، لكن الحالة هنا ليست كذلك بل أن الأمر حديث كفاية بشكل مثير للقلق في الواقع.

الشخصية هنا هي سابارمورات نيازوف، الذي تربى في ميتم ووجد نفسه خلال شبابه ضمن صفوف الحزب الشيوعي ليسير للأعلى ويصل لأن يكون الرئيس التركمانستاني بعد استقلال البلاد، وكما العديد من البلدان الاشتراكية، سرعان ما نصب نفسه رئيساً للبلاد للأبد (كما يفعل العديد من قادة الدول التي تضم كلمات مثل ”الديموقراطية“ و”الاشتراكية“ في اسمها، وأفريقيا وأمريكا الجنوبية أمثلة واضحة).

يمكن القول أن نيازوف كان الدكتاتور الحديث المثالي، فهو تجسيد حي لكل ما تتوقعه من دكتاتور ذي جنون عظم في الواقع، فقد غير أسماء مدن ومدارس وشوارع إلى اسمه واسم أمه وأسماء أفراد من عائلته، وبنى تماثيل تمجده في كل مكان وبكل القياسات، وبالطبع فصوره كانت على جميع الجدران والأماكن وعلى اللافتات كذلك، حتى أنه حاول تغيير أسماء الأشهر وأيام الأسبوع لتتضمن اسمه (في حال كنت شاهدت فيلم The Dictator، فربما هذا هو أثرب تمثيل لشخصية علاء الدين في الفيلم)، وبالطبع فوسائل الإعلام الرسمية كانت تتغنى بإنجازاته وتدعو بحياته وتمجده.

لم يتوقف الأمر على عادات القادة الطغاة المعتادة لدى نيازوف، فجنون العظمة لديه دفعه لمحاولة بناء قصر جليدي في الصحراء يتسع لألف شخص (يمكنك تخيل مصير هكذا محاولات بالطبع)، ويبدو أن حبه للبطيخ الأصفر (الشمام) كان طاغياً كفاية عليه ليقيم عيداً وطنياً جديداً في البلاد هو يوم الشمام (بالإضافة لكون كل من عيد ميلاده وعيد تنصيبه رئيساً للبلاد قد أصبحت أعيادا وطنية كذلك).

عدد القراءات: 2٬584