قصص من الواقع

تعرف على قصة فشل شركة كوكاكولا الذريع عند محاولتها بيع ”ماء المني“ في المملكة المتحدة

علامة (داساني) Dasani التجارية

عند التفكير بشركة كوكاكولا الأمريكية، فالشيء الأول وربما الوحيد الذي يخطر بالبال هو المشروب الغازي الخاص بها، فمشروب كوكاكولا هو واحد من أقدم المشروبات الغازية، كما أنه الأشهر والأكثر انتشاراً في العالم بلا منازع، لكن الشركة التي تبلغ قيمتها السوقية اليوم قرابة 200 مليار دولار لا تتخصص بمشروبها الغازي الذي يحمل اسمها فقط، بل تمتد أذرعها في العديد من المجالات.

حالياً تمتلك شركة كوكاكولا علامتي (سبرايت) و(فانتا) التجاريتين للمشروبات الغازية، كما أنها تمتلك عشرات إن لم يكن مئات العلامات التجارية للشاي المثلج والمشروبات الباردة المتنوعة، وبالطبع المياه المعبئة. وعلى الرغم من أن المياه المعبئة قد تبدو قطاعاً صغيراً أمام غيرها، فهي صناعة بقيمة عشرات مليارات الدولارات حول العالم، وبالطبع تمتلك كوكاكولا نسبة كبيرة من هذه الصناعة التي هي محور هذا المقال أصلاً.

علامة (داساني) Dasani التجارية

علامة (داساني) Dasani التجارية

علامة (داساني) Dasani التجارية

على عكس الغالبية العظمى من المياه المعبئة والتي تسوق لنفسها بكونها مياه ينابيع أو آبار مأخوذة مباشرة من المصدر إلى المستهلك، فهذه العلامة التجارية هي حرفياً مياه مأخوذة من الصنبور (من شبكة المياه الرئيسية) ومن ثم تمر بعدة مراحل تعقيم وتضاف إليها بعض الأملاح قبل بيعها مجدداً كمياه معبئة في عبوات صغيرة بحجم نصف ليتر غالباً، ومع كون المياه مأخوذة من الشبكة الرئيسية، فهذه العلامة التجارية واحدة من الأرخص في العالم (مقارنة بسوقها بالطبع).

مع كون مياه (داساني) رخيصة جداً مقارنة بالعلامات التجارية الأخرى، فقد تمكنت من تحقيق نجاح هائل في الولايات المتحدة الأمريكية، وشكلت رهاناً رابحاً للغاية للشركة الأم: كوكا كولا. ومع النجاح في الولايات المتحدة قررت الشركة التوسع في عملياتها بحيث تشمل بلداناً جديدة وتحقق المزيد من الأرباح، وبالطبع فقد كانت السوق الأوروبية هي الهدف الأساسي، وكما العديد من المنتجات الأمريكية فقد تقرر تقديم العلامة التجارية في المملكة المتحدة أولاً.

بالطبع فاختيار السوق البريطاني لتقديم المنتج أمر منطقي تماماً، فهي الأقرب ثقافياً إلى الولايات المتحدة من بين الدول الأوروبية، وتشكل مرحلة متوسطة مثالية. على أي حال وفي عام 2004، قادت مجموعة من الأخطاء الكارثية في التسويق والتصنيع إلى فشل العلامة التجارية الكامل، وإلغاء مخططات نشرها في أوروبا بشكل نهائي.

المشكلة الأولى: ماء الصنبور

على عكس الجمهور الأمريكي الذي لم يكن يكترث حقاً لكون عبوات مياه (داساني) معبئة من الصنابير، فقد كان الأمر مختلفاً للبريطانيين، وسرعان ما أدت عدة مقالات تتحدث عن الأمر إلى جدل كبير في الشارع البريطاني حول منطقية بيع ماء صنابير ضمن عبوات مع علامة تجارية، وبالأخص مع كون سعر العبوات على الرغم من رخصه مقابل سواه، فقد كان أغلى بكثير من التكاليف الخاصة بالتصنيع مما يعطي هامش ربح عملاقاً للشركة.

على أي حال فقد نجت الشركة جزئياً من الأمر، حيث أصرت على تكرار كون المياه قد مرت بالعديد من مراحل التكرير والتنقية قبل التعبئة، وهي ليست مثل ماء الصنبور تماماً ولو أنها تأتي منه، لكن رد الشركة هذا قاد إلى موجة تالية من الجدل حول سلامة مياه الصنابير في المملكة المتحدة، ومع تأكيد كون مياه الصنابير صالحة للشرب، عاد الأمر ليضر بعلامة (داساني) التجارية كونها مياه صنبور.

المشكلة الثانية: أسوأ حملة إعلانية ممكنة

مع بدأ تصنيع وتوزيع عبوات داساني في المملكة المتحدة، بدأت شركة كوكاكولا حملة إعلانية كبرى لتغطي على الجدل الأولي حول المياه التي تبيعها من جهة، ولجعل دخول السوق البريطاني ناجحاً كفاية ليقود إلى التوسع ضمن أوروبا، لكن هنا كان من الواضح غياب التنسيق بين شركة كوكاكولا وفروعها ضمن المملكة المتحدة، حيث لعبت الفوارق اللغوية دوراً حاسماً في جعل العلامة التجارية تفشل تماماً.

كما العديد من أنواع عبوات المياه، فقد قررت كوكاكولا أن تعطي ”عبارة مميزة“ لعلامتها التجارية، ومن بين العبارات المستخدمة كان هناك ”مليئة بالنشاط“، و”لا نستطيع الحياة دون نشاط“، لكن المشكلة هنا تكمن في اختيار مرادفات كلمة ”نشاط“، حيث قررت كوكاكولا استخدام كلمة Spunk قليلة الانتشار نسبياً لكن ذات اللفظ المميز، ومع كون المعنيين الأساسيين للكلمة هما النشاط والشجاعة، فقد كانت الأمور تبدو على ما يرام، وسرعان ما انتشرت العبارتان في اللافتات وفي الإعلانات على الإنترنت.

المشكلة هنا أن كلمة Spunk التي تعني النشاط في اللغة الإنجليزية عموماً، تمتلك استخداماً آخر ”عامياً“ في المملكة المتحدة، وهذا المعنى الإضافي هو ”السائل المنوي“ لسوء حظ الشركة، وكما هو متوقع سرعان ما تحولت الحملة الإعلانية إلى محط للسخرية من قبل الكثير من الأشخاص، فلا أحد يريد حقاً أن يشرب ”ماء مليئا بالمني“، ومع أن تأثير الحملة الإعلانية كان كارثياً، فالضربة الأخيرة كانت شيئاً آخر تماماً، في الماء وليس المني.

الضربة القاضية: مواد مسرطنة

بعد أيام فقط من إلغاء الحملة الإعلانية الفاشلة تماماً، ظهرت العديد من التقارير الصحفية الجديدة التي تتحدث عن مياه (داساني) مجدداً، لكن ليس بسبب إعلانات سيئة الحظ بل بسبب أمر غاية في الجدية، حيث أظهرت التحاليل وجود معدلات أعلى من المسموح به لمركب البرومات، وهذا المركب مرتبط عادة بكونه أحد مسببات السرطان، ومع أن الكميات الموجودة ضمن المياه المباعة لم تكن كبيرة حقاً بحيث تشكل خطراً، فلا أحد يرغب بشرب ماء مع مواد مسرطنة.

ليزداد الطين بلة، فالمشكلة لم تكن من مصدر المياه الأصلي في الواقع، حيث كانت مياه الصنبور المعتادة خالية من المادة، بل تبين لاحقاً أن عملية التعقيم التي تقوم بها الشركة تتضمن إضافة مركب البروميد إلى المياه لتعقيمها، لكن في حالة المياه الغنية بالأوزون (كما مياه مصدر كوكاكولا حينها)، سرعان ما يتفاعل البروميد مع الأوزون ليعطي مركب البرومات المسرطن آنف الذكر، وبالنتيجة تبين أن الأمر أسوأ من كون الشركة تترك مواد مسرطنة في مياهها المعقمة، بل أنها تتسبب بإضافة المواد المسرطنة أصلاً بسبب عملية تعقيمها.

هذه الفضيحة كانت في الواقع المسمار الأخير في نعش مغامرة كوكاكولا ضمن السوق البريطاني حينها، وسرعان ما ألغيت خطط توسيع علامة (داساني) التجارية نحو أوروبا، وسحب المنتج من السوق مع خسائر هائلة للشركة نتيجة عدم بحثها الكافي عن المصطلحات المحلية من جهة، وعدم الانتباه إلى التفاعلات الكيميائية بين المياه المعبئة والمواد التي تضاف إليها.

مصير مياه كوكاكولا

لا تزال كوكاكولا واحدة من أكبر شركات العالم اليوم، فمن الواضح أنها قد نجت من الكارثة دون تأثير طويل المدى، وحتى أن علامة (داساني) التجارية لا تزال تباع في الولايات المتحدة وهي واحدة من الأكثر نجاحاً هناك بسبب سعرها.

على أي حال ومع انتهاء الأزمة الخاصة بمياه (داساني) لم تستسلم كوكاكولا أمام السوق الأوروبي، بل قامت بشراء عدة علامات تجارية محلية في البلدان الأوروبية، وقامت بالتسويق لعلامات تجارية أخرى تابعة لها هناك، ومع أن الأزمة أدت لخسارة كبرى وضياع فرصة مهمة جداً، فقد استمرت كوكاكولا ببيع المياه الأخرى، وهي اليوم تجني مئات ملايين الدولارات من المبيعات في أوروبا على أي حال، فبالنسبة للمستخدم العادي لن يتم ربط علامتين تجاريتين للمياه المعبئة بشركة واحدة إلا في حال قرر البحث بعمق عن مصدرهما.

عدد القراءات: 23٬708