in

كيف تصبح نصف أمير حقيقي؟

الأمير تشارلز

(أندورا) هي بلد صغير تبلغ مساحته حوالي 465 كيلومتر مربع، وتقع بين حدود دولتي فرنسا وإسبانيا. إنها موطن لحوالي 75 ألف مواطن فقط على الرغم من أن العدد الفعلي للناس الذين يتواجدون بين حدودها بصفة مستمرة أكبر من ذلك بكثير، وذلك بفعل سياحة التزلج على الثلج التي تجلب أكثر من عشرة ملايين سائح إلى هذه الدولة الصغيرة سنويا.

إلى جانب سياحة التزلج، هناك قوانين ضريبية مغرية جدا في (أندورا)، مما يجعلها مقصدا كبيرا لكل شخص يرغب في التهرب من الضرائب، وهو الأمر الذي يدعم اقتصادها كثيرا، ونتائج ذلك تتحدث عن نفسها، حيث يرتفع معدل العمر المتوقع للأفراد فيها وتنخفض نسب البطالة والفقر كثيراً، مما يجعلها بين مصاف أفضل الدول في العالم للعيش فيها.

وإذا كنت تعرف الطريقة المثالية والملائمة، وكانت الحظوظ إلى جانبك، يمكنك أن تصبح نصف أمير لـ(أندورا)، أو شيء من هذا القبيل.

إن الأمر معقد على قدر التعقيد الذي يتسم به تاريخ (أندورا)، والذي يمكن تلخيصه في فوضى تسببت فيها أجيال كاملة من العائلات الإقطاعية. في بادئ الأمر، كانت بداية (أندورا) عبارة عن مدينة جميلة وصغيرة ذات استقلال ذاتي منحه إياها الإمبراطور الروماني المقدس (شارلوماين)، إلى جانب الامتيازات الكبيرة التي أغدق بها على شعبها شعبها كتعبير عن شكره للمجهودات التي بذلها في محاربة ومقاتلة الموريين في زمن ما في القرن الثامن ميلادي.

ولم يمض وقت طويل حتى أصبحت (أندورا) جزءا من منطقة تقع تحت حكم سيد إقطاعي يعرف باسم (كونت أورجيل)، الذي كان زعيم المقاطعة الكاتالونية القريبة، والتي ستنمو لتصبح فيما بعد إسبانيا في القرن الخامس عشر. لم يدم حكم (لورد أورجيل) على (أندورا) طويلا، وعلى الرغم من ذلك، فقد قام أحد الكونتات بمنحها لأسقف (أورجيل)، الذي كان على رأس الكنيسة الكاثوليكية الرومانية في تلك المنطقة، وذلك في سنة 988.

بعد قرن من الزمن لاحقاً، حاول كونت آخر من كونتات (أورجيل) عكس ذلك القرار، أي أنه قرر أنه يرغب في استعادة (أندورا) من حكم الأسقفية الكاثوليكية، وكان ذلك في زمن العصور الوسطى، ولم يكن بإمكان الأسقف أن يقصد أحد القضاة مثلا وأن يقول: ”لقد كان بيننا اتفاق“، وأن يتوقع من كل شيء أن يسير على ما يرام، وأن العدالة ستتخذ مجراها.

لقد كانت طموحات هذا الكونت الجديد تعني الحرب، وكانت الحرب تتطلب جيوشا، ولم يكن الأسقف يملك أي جيش تحت سلطته، لذا عثر على أحد أصدقائه الذي كان يملك جيشا، وهو أحد النبلاء الكاتالان الذي كان يدعى (لورد كابوي).

لم يكن للأسقف الكثير ليمنحه للورد (كابوي) في هذه الصفقة، لذا كان عليه أن يكون مبدعا بطريقة ما، والتي عرض من خلالها على الكونت تقاسم سيادة (أندورا) بينهما مقابل حمايته التي يوفرها له جيشه. أتى هذا الاتفاق بين الأسقف و(لورد كابوي) بثماره، ذلك أن (كونت أورجيل) ارتأى بأن استعادة (أندورا) عنوة لم يكن أمراً يستحق العناء، وبدل ذلك أصبحت هذه الأمة الصغيرة أرضا يتقاسمها أميران اثنان.

وما حافظ على (أندورا) من الانقسام هو مجموعة من الزيجات التي ربطت بين بعض أقوى العائلات الإقطاعية من الجهتين الحاكمتين، حيث كان لـ(لورد كابوي)، الذي نال نصف الحكم على العرش الأندوري، ابنة شابة تزوجت من سيد إقطاعي آخر ورزقت بابنة هي الأخرى، التي كبرت لتتزوج (كونت فوا)، وهو أحد النبلاء الفرنسيين.

وحد هذا الزواج الأخير أسرتي (كابوي) و(فوا)، مما حفظ لفرنسا المستقبلية نفس الحصة التي خبأها لإسبانيا المستقبلية من (أندورا)، وكنتيجة على ذلك، لم تقم أي من الأمتين الفرنسية ولا الإسبانية بضمها إليها، ذلك أن الأمر كان ليتسبب في إغضاب جارتها، ولم تكن لا فرنسا ولا إسبانيا راغبتين في الخوض في حرب من أجل (أندورا)، واليوم تبقى (أندورا) أمة مستقلة يحكمها أميران اثنان.

لابد أن القصة أعلاه كانت مشوقة ومثيرة، لكن لابد أنك في نفس الوقت مازلت ترغب في أن تعرف كيف يمكنك أن تصبح واحدا من هذين الأميرين اللذان يحكمان (أندورا)، أليس كذلك؟

هنالك طريقتان للقيام بالأمر، والخبر الجيد هو أنك لا يجب أن تولد لعائلة ملكية حتى تتمكن من تحقيقه، كما أنك لست في حاجة حتى للعيش في (أندورا) حتى تصبح واحد من أميريها الحاكمين.

الطريقة الأولى تتمثل في أن تصبح أسقف (أورجيل)، وهذا الدور مازال موجودا لحسن الحظ، لكنه ربما يكون أصعب طريقة، حيث يتعين عليك أن تكون كاثوليكيا ويجب على البابا شخصيا أن يوعز لك هذا الدور.

أما الطريقة الأسهل من هذه، فهي بأن تكون خليفة (كونت فوا)، غير أن هذا اللقب لم يعد موجودا بعد الآن، فهو إلى جانب معظم الألقاب من العصور الوسطى قد ذاب في التاج الملكي الفرنسي منذ قرون في الماضي؛ على مر عدة أجيال، وفي كل مرة كانت فرنسا تعين فيها ملكا جديدا، كان يتم اعتباره الأمير الثاني لـ(أندورا)، والآن بما أن المَلكية في فرنسا أصبحت طي النسيان، فإن هذا الدور واللقب الفخري الآن يعود للرئيس الفرنسي، الذي هو حاليا (إيمانويل ماكرون).

غير أنه في المستقبل، قد يكون الأمير الثاني لـ(أندورا) هو أنت عزيزي القارئ، كل ما يجب عليك فعله فقط هو أن تفوز في الانتخابات الرئاسية الفرنسية.

بملخص مفيد بكلمات أخرى، إذا أردت أن تكون نصف أمير، فالخطوة الأولى هي بأن تصبح سياسيا فرنسيا ناجحا، أو أن تصبح من المقربين للبابا الفاتيكان.

يجدر التنويه إلى أن الأميرين اللذان يتقاسمان سلطة (أندورا) لا يملكان نفوذا واسعاً، حيث أن اللقبين يعتبران في أكثر الأوقات فخريين لا أكثر، لكن قبل أن تعتمد (أندورا) أول دستور رسمي لها في سنة 1993، كان هذان الأميران يُكافَآن لقاء مهامها دائما، وكان الراتب، إذا أمكن تسميته هكذا، يدفع لهما على مر قرون ولم يكن يتغير بتضخم العملات في وقتنا الحاضر.

وتماما مثلما ورد في صحيفة (ذا إندبندنت): ”كانت (أندورا) تقدم مبلغا قدره 460 دولارا للحاكم الفرنسي في السنوات الفردية، وحوالي 12 دولارا للأسقف الإسباني، هذا بالإضافة إلى ستة خنازير، وستة جبنات، وستة دجاجات حيات خلال السنوات الزوجية“.

جاري التحميل…

0