in

16 حقيقة محيّرة حول «أميرات الدولار»، الفتيات الأمريكيات اللواتي كان يتم بيعهن للعائلات الملكية من أجل نيل الألقاب

كان العصر الذهبي الذي بدأ خلال السنوات التي تلت الحرب الأهلية في الولايات المتحدة الأمريكية يمتاز ببروز رواد السكك الحديدية الأثرياء، وبارونات الحديد والصلب، وملوك السكّر الذين كانوا حرفيا يملكون من المال ما يزيد عن حاجتهم به بكثير لدرجة لم يكونوا يدرون ما يفعلونه به.

غير أنهم كان ينقصهم أمر واحد فقط لإكمال متعتهم: وهو أنهم لم يكونوا ملكيين ولا نبلاء، ومهما فعلوا لن تنال لهم ثرواتهم هذه الرفعة وهذا المقام.

يمنع الدستور الأمريكي الحكومة الأمريكية من منح ألقاب نبيلة لمواطنيها مهما كانت صفتهم أو إنجازاتهم، كما لا يفترض من المسؤولين المنتخبين أن يقبلوا ألقابا من هذا النوع عندما تمنحها إياهم دولة أجنبية. على سبيل المثال، إذا قامت ملكة بريطانيا بمنح لقب الفارس لشخص ما ثم فاز هذا الشخص في الانتخابات التي تجعل منه عضو مجلس الشيوخ الأمريكي —الكونغرس— فلابد له هنا أن يتخلى عن ذلك اللقب أو أن يتنازل عن منصبه في الكونغرس.

كانت هناك بعض الأسباب الممتازة والمقنعة من وراء منع فكرة النبل والعائلات النبيلة في «العالم الجديد»، لقد كان الآباء المؤسسون لأمريكا يريدون التأكد من أن النظام الذي بنوه، والذي تطور لاحقا ليصبح ما يعرف بالديمقراطية، لن يتأثر أو يفسد تحت طائل شبكة من الامتيازات والألقاب النبيلة، ومع ذلك، من قد لا يريد أن يصبح دوقاً، أو باروناً، أو حتى أميرة أو أميراً؟ يبدو أن الحكومة الأمريكية ستحول دون تحقيق أي أمريكي لحلم من هذا النوع.

لكنك عندما تكون فاحش الثراء لدرجة تجعل مرحاضك مطليا بالذهب الخالص، يمكنك العثور على سبيل يجعلك تشتري طريقك نحو الألقاب النبيلة. وهنا جاء دور «أميرات الدولار»، بنات هؤلاء الرجال الأمريكيين فاحشي الثراء الذين كانوا يدفعون مهوراً خيالية من أجل تزويجهن من العائلات الأرستقراطية البريطانية.

تابع معنا القراءة من أجل معرفة المزيد حول هذه الممارسة المتعلقة بأميرات الدولار، وكيف مازال بالإمكان رؤية إرثهن حتى يومنا هذا:

ظهور أثرياء أمريكا الجدد فاحشي الثراء بالتزامن مع تقهقر الطبقة الأرستقراطية البريطانية:

(جون جايكوب آستور)
(جون جايكوب آستور). صورة: Wikimedia Commons

كان الكثير من أثرياء أمريكا وأسياد المجتمع الأمريكي ينحدرون من عائلات ذات ثراء خيالي، الذين كسبوا ثرواتهم من خلال التجارة أو أعمال أخرى في أيام الدولة الأولى.

من بين هؤلاء كان (جون جايكوب أستور الرابع)، الذي ترعرع في عائلة فقيرة في أوروبا غير أنه أصبح أول مليونير تتعدى ثروته عشرات الملايين عندما هاجر إلى أمريكا وأسس تجارة فراء ناجحة جدا. لم يتقبل هؤلاء النخبة من قدماء الأثرياء في أمريكا أثرياءها الجدد، مثل آل (فاندربيلت) الذين كانوا عبارة عن مزارعين فقراء في جزيرة (ستاتن) في نيويورك والذين أصبحوا بعدها من أثرى العائلات في (مانهاتن) كلها، والذين تميزوا بأذواقهم المتطرفة لإسرافهم في ارتداء المجوهرات، وبعض المقتنيات الأخرى.

في نفس الوقت، كان الكثير من أفراد الأرستقراطية البريطانية، وهي المعيار الذهبي للثروة والمقام والرفعة المتوارثة ونخبة النخبة في المجتمع ومصدر النفوذ وأكثر النوادي الاجتماعية حصرية في العالم، يكتشفون يوما بعد يوم أن ثرواتهم كانت تزول بسرعة كبيرة.

لطالما كانت ثرواتهم مرتبطة بشكل كبير بالأراضي الزراعية، غير أن الصناعة الغذائية في إنجلترا وجدت نفسها تتقهقر تحت زيادة نفوذ وسيطرة الصناعة الغذائية الأمريكية في العالم، وعلى إثر ذلك أخذ سكان الأرياف والمزارع ينزحون نحو المدن، فاكتشف الأرستقراطيون أنه على الرغم من كونهم مازالوا يملكون مساحات شاسعة من أفضل الأراضي، غير أن قيتمها كانت تتضاءل باستمرار.

كانت منازلهم تنهار ولم يكونوا يملكون حتى تكاليف صيانتها وإصلاحها، ظلت يخوتهم الخاصة قابعة في الموانئ لأنه لم يعد باستطاعتهم تحمل تكاليف السفر بها نحو جزر الأزور أو جزر الكاريبي لقضاء عطل فارهة، أضف إلى ذلك أنك عندما تكون من العائلات النبيلة فلا يمكنك العمل، لذا قبع الأرستقراطيون السائرون في طريق الفقر هناك يشاهدون ثرواتهم تنهار حولهم.

في تلك الأثناء، كان الآباء الأثرياء في الجانب الآخر من المحيط الأطلسي على استعداد لدفع أموال طائلة —مهور—حتى يتسنى لبناتهم الزواج من أبناء العائلات الأرستقراطية، ومنه نيلهم لألقاب نبيلة.

كانت ممارسة ذات منفعة متبادلة ساهمت في حل مشاكل الطرفين:

(كونسويلو فاندربيلت) في يوم زفافها في سنة 1910. صرزة: Wikimedia Commons
(كونسويلو فاندربيلت) في يوم زفافها في سنة 1910. صورة: Wikimedia Commons

لم يتقبل قدماء الأثرياء في أمريكا أثرياءها الجدد بعد الحرب الأهلية، وكان يرون فيهم أصحاب ثروات مجردين من الذوق أو الرفعة، يسيئون إلى أساس المجتمع الأمريكي الراقي. كان الحل بالطبع بالنسبة للأثرياء الجدد بأن يزوجوا بناتهم لنبلاء بريطانيا وأن ينالوا ألقاباً نبيلة لأنفسهم، مما يخولهم من دخول أكثر الدوائر الاجتماعية حصرية في العالم.

ومنه يصبحون من أفراد طبقة أثرياء العالم القديم بدلا من محاولة إثبات أنفسهم لقدماء أثرياء أمريكا، فقد كانت بناتهم ليصبحن نساء نبيلات وكن سيرثن إرثا يكن قادرات على تمريره لأبنائهن من بعدهن، الذين سيكبر بعضهم ليصبح من العائلة الملكية نفسها.

على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، كان الأرستقراطيون البريطانيون تواقين لاسترجاع ثرواتهم دون الاضطرار إلى العمل، وكانوا على استعداد لتقبل مهور خيالية مقابل زواجهم من بنات فاحشي الثراء الأمريكيين الجدد.

ظهرت تجارة كاملة من وراء هذه المقاربة، وراح الناس على كلا الجانبين من المحيط الأطلسي يحاولون تدبير زواج بين بنات الأثرياء الجدد ونبلاء إنجلترا الذين كانوا على شفير الإفلاس. أثبتت هذه الممارسة كونها نفعية إلى أبعد الحدود بالنسبة لكل العائلات من الطرفين المنخرطة فيها.

بكت العرائس خلال حفلات زفافهن:

(كونسويلو فاندربيلت) عندما أصبحت دوقة (مارلبوروغ) في سنة 1911. صورة: Bettmann/Getty Images
(كونسويلو فاندربيلت) عندما أصبحت دوقة (مارلبوروغ) في سنة 1911. صورة: Bettmann/Getty Images

كانت بنات أثرياء العصر الذهبي في أمريكا يتمتعن بكل ما يطيب لهن: كانت لديهن مجوهرات، وملابس راقية وغالية، وخدم وحشم، وفي غالب الأحيان رجال يحبونهن. والمشكلة تكمن في أنهن لم يكن بمقدورهن الزواج من الرجال الذين كن معجبات بهم لأن أوليائهن دفعوا أموالا طائلة من أجلهن حتى يتزوجن رجالا غرباء تماما في المملكة المتحدة.

كانت (كونسويلو فاندربيلت) ابنة (ويليام فاندربيلت) مؤسس ثروة آل (فاندربيلت)، الرجل الذي اشترى لابنته لقبا نبيلاً من خلال جعلها تتزوج تاسع دوق لـ(مارلبوروغ)، والمشكلة أن كلا من (كونسويلو) وزوجها المستقبلي كانا يحبان شخصين آخرين.

مثّل زواج (كونسويلو) الحدث الاجتماعي خلال الموسم آنذاك. في نوفمبر سنة 1895، اصطفت الحشود على «الشارع الخامس» بينما شقت العروس طريقها نحو كنيسة (ساينت طوماس) الأسقفية، كان حفل الزفاف ذلك يمثل المعنى الحقيقي لزواج المشاهير، وقبله، قامت والدة العروس بتسريب كل تفاصيله —وصولا إلى دبابيس فستان العروس الذهبية— إلى الصحافة التي كانت متلهفة لمعرفة كل شيء عنه.

عن الزفاف قالت (كونسويلو): ”قضيت صبيحة يوم زفافي غارقة في دموعي وحيدة، لم يقترب أي أحد مني“، في تلك الأثناء نال الدوق، من خلال زواجه من (كونسويلو)، المال الذي كان في أمس الحاجة إليه من أجل الحفاظ على قصر (بلينهايم) والقيام ببعض التحديثات الضرورية.

كان (وينستن تشيرشيل) ابن إحدى «أميرات الدولار»:

(جيني جيروم)، بعد أن أصبحت اللايدي (راندولف تشيرشل)، مع ولديها (جون) و(وينستن).
(جيني جيروم)، بعد أن أصبحت اللايدي (راندولف تشيرشل)، مع ولديها (جون) و(وينستن).

تحملت (كونسويلو) زواجا أشبه ما يكون جحيما، فقد كان زوجها باردا ودائما بعيدا ومتعجرفاً، غير أنها لم تكن الوحيدة التي وجدت نفسها في مثل هذه الظروف.

كان جسم (جيني جيروم)، التي ساعد زواجها على إطلاق موضة هذا النوع من الزواج، مغطى بالأوشام عندما قدمها اللورد (راندولف تشيرشيل) إلى والديه وأعلن عن خطوبتهما. لم يكن قد مضى على معرفتهما ببعضهما أكثر من ثلاثة أيام، وقد فزع والدا اللورد من فكرة زواجه من امرأة من الطبقة الاجتماعية الأمريكية بدلا من امرأة نبيلة بريطانية، ثم أدركا أن مهرها كان ضخما جدا: أكثر من أربعة ملايين دولار بأرقام اليوم، ومنه لم يسعهما سوى الترحيب بالزواج بصدر رحب.

تزوج هذا الثنائي في سنة 1847، وأنجبت الـ(لايدي تشيرشيل) الجديدة ابنا أطلقت عليه اسم (وينستن)، هذا صحيح، لقد كان الرجل الذي قاد بريطانيا ضد الغزو النازي في الحرب العالمية الثانية نصف أمريكي.

لربما ساعدت الأرستقراطية ذات الامتيازات التي ولد فيها على إطلاق بريق مسيرته السياسية، كما ساعده في نفس الوقت إرثه الأمريكي على نيل الدعم اللازم على كلا جانبي المحيط الأطلسي. في الواقع، لقد كانت الكثير من الشخصيات الأيقونية والمؤثرة وذات النفوذ في القرن العشرين في التاريخ البريطاني من أبناء أميرات الدولار.

في تلك الأثناء، ساعد والدا زوجة اللورد (تشيرشيل) على إطلاق موضة الزواج من أميرات الدولار، الأمر الذي مكن الأرستقراطيين من استرجاع ثرواتهم من خلال زواجهم من بنات أثرياء أمريكا الجدد، الذين كانوا بدورهم تواقين لدخول أكثر النوادي الاجتماعية حصرية في العالم.

لم تتقبل الأوساط الاجتماعية الأرستقراطية البريطانية غالبا أميرات الدولار:

صورة (كونسويلو فاندربيلت) دوقة (مارلبوروغ) مع ابنيها في سنة 1899.
صورة (كونسويلو فاندربيلت) دوقة (مارلبوروغ) مع ابنيها في سنة 1899.

كان لبنات أثرياء أمريكا الجدد أحدث وأفضل المرافق التي قد يحلم بها المرء، كانت منازلهن جديدة كليا وكانت بها مياه جارية، كما كانت بها صنابير لمياه حارة وأخرى لمياه باردة. كانت المنازل معزولة بشكل مثالي بحيث لم تعد التيارات الهوائية الباردة تشكل مصدر قلق. في تلك الأثناء، وعلى الجانب الآخر من الأطلسي، كانت المنازل التي انتقلن للعيش فيها غالبا قديمة جدا بنيت قبل قرون من الزمن. أصبح الاستحمام عبئا كبيرا عليهن لأنه تطلب عددا كبيرا من الخدم يقومون بعشرات الرحلات روحة ومجيئا إلى القبو لجلب المياه الدافئة من هناك، وسرعان ما اكتشفن أن الحياة مع النبلاء في إنجلترا كانت أقل رفاهية وراحة من الحياة التي كن هن وآباؤهن يتوقعنها.

لذا قررت بنات رجال الأعمال الأثرياء وأصحاب المؤسسات والمصانع الأمريكية التصرف بأنفسهن وبدأن تحديث منازلهن. لقد رغبن في عصرنة ملكياتهن العقارية، على الأقل من أجل جعل منازلهن أقل ظلمة وبرودة، غير أن القيام بذلك مثّل استهتارا صارخا بتقاليد نبلاء إنجلترا، ومنه رأى فيهن نبلاء بريطانيا فتيات مستهترات وأصبحت الطبقة الأرستقراطية تترفع عليهن.

أصبحن غالبا غير مرحب بهن في الدوائر الاجتماعية التي دفع آباؤهن أموالا طائلة من أجل جعلهن يصبحن جزءاً منها. في نهاية المطاف، كانت أميرات الدولارات قد تخلين عن منازلهن المريحة وعائلاتهن المحبوبة على أحد جانبي الأطلسي ليصبحن منبوذات على الجانب الآخر منه.

أصبحت إحدى أميرات الدولار نائبة الملكة في الهند:

(ماري فيكتوريا لايتر)، نائبة الملكة البريطانية في الهند.
(ماري فيكتوريا لايتر)، نائبة الملكة البريطانية في الهند.

لا يمكن لوم الأولياء على رغبتهم في تأمين الأفضل لأبنائهم. من قد يلوم والدة أو والدا محباً على رغبته في رؤية ابنته المحبوبة والغالية أميرة؟ ثم التآمر على جعلها تصبح أميرة حقيقية؟

ولدت (ماري لايتر) في مدينة شيكاغو لـ(ماري لايتر) و(ليفي لايتر)، مؤسس شركة (فيلد آند لايتر) والمليونير فاحش الثراء، تمكنت من التغلغل في المجتمع الراقي في واشنطن العاصمة، وتلقت تعليما خاصا على يد بروفيسور من جامعة (كولومبيا). منحها تعليمها وكثرة سفرها في سن مبكرة الرزانة والكياسة وكل الصفات التي جعلت البارون (جورج كورزون)، نائب الملك في الهند، ينجذب إليها.

عليك أن تتذكر دائما عزيزي القارئ أنه لا توجد عائلات أو ألقاب نبيلة في أمريكا، غير أن (ماري) تمكنت من أن تتزوج لتصبح أمريكية نبيلة. لم تقم ثروة والدها بدفع مهرها الضخم للبارون (جورج كورزون) فقط، بل ساعدته على تسلق هرم السلطة ليصبح نائب الملك —نائب الملك هو منصب الحاكم الذي يحكم باسم الملك في منطقة ما— في الهند التي كانت مستعمرة بريطانية يحكمها التاج البريطاني. كزوجة له، أصبحت (ماري) نائبة الملكة Vicereine، وهو أعلى لقب قد تحمله امرأة في الإمبراطورية البريطانية كلها.

كان هذا الزواج مدبراً في أغلب الأحيان:

(واليس سيمبسون) من (بينسلفانيا) مع أمير الويلز في النمسا سنة 1935 قبل زواجهما.
(واليس سيمبسون) من (بينسلفانيا) مع أمير الويلز في النمسا سنة 1935 قبل زواجهما.

كانت (كونسويلو فاندربيلت) مستاءة من إجبار والديها إياها على الزواج من دوق (مارلبوروغ). قالت في التحضيرات لحفل زفافها: ”وُضع خادم وحارس في باب شقتي، ولم يسمح حتى لمدرّستي الخاصة بالدخول، تماما مثل ماكينة آلية، كنت أرتدي تلك الملابس الأنيقة مع جواربها الطويلة البيضاء والحريرية، وأحذيتها“، وعن حفل الزفاف نفسه قالت: ”شعرت بالبرد والخدر بينما نزلت للالتقاء بوالدي ووصيفات العروس الذين كانوا ينتظرونني“، تورط كلا الشريكين في هذا الزواج في عدة علاقات غرامية خارج الزواج إلى أن انتهى بهما المطاف بالطلاق بعد عشرة سنوات من زواجهما.

من أجل المساعدة على تدبير الزواج بين بنات أثرياء أمريكا الجدد ونبلاء الإمبراطورية البريطانية، ظهرت كتب إرشاد وتوجيه على كلا جانبي المحيط الأطلسي يوضع فيها كل الشركاء المحتملين من كلا الجانبين، حتى يتسنى للمعنيين الاختيار بسهولة وعناية.

كان وسطاء الزواج يعبرون الأطلسي في كلا الاتجاهين من أجل محاولة تأمين أكثر الزواجات المربحة بين النساء الأمريكيات والرجال البريطانيين. بعض من هاته الفتيات، مثل (جيني جيروم)، كن تواقات للزواج من رجل نبيل، كما كان الرجال على الجانب الآخرين على أحر من الجمر لاستقبال كل تلك الأموال التي ستأتيهم مع زوجاتهم، غير أن كثيرا منهن، على شاكلة (كونسويلو)، أجبرن على ذلك من طرف أهاليهن وحكم عليهن بحياة وحيدة وكئيبة.

يتضمن مسلسل (داونتاون آبي) على شخصية أميرة دولار:

شخصية اللايدي (غرانثام) من مسلسل (داونتاون آبي).
شخصية اللايدي (غرانثام) من مسلسل (داونتاون آبي).

في هذا البرنامج التلفزيوني، (كورا كراولي) زوجة اللورد (غرانثام) هي أميرة دولار تنحدر من عائلة فاحشة الثراء في (أوهايو)، وقد دفع والدها مهرا غاليا جدا من أجلها لتصبح قادرة على الزواج ودخول مجتمع النبلاء البريطانيين.

إن شخصية (كورا كراولي) في هذا البرنامج مستوحاة من القصة الحقيقية لـ(لايدي ألمينا)، التي عاشت في المنزل الذي تم فيه تصوير البرنامج.

تزوجت من الإيرل الخامس لـ(كارنارفون)، والذي انحدر من عائلة كانت تهوي نحو فقر مدقع وكانت تواقة لتعيش حياة بذخ وترف خالية من الأعباء، فمكن المهر الكبير الذي دفعه والدها لزوجها هذا الأخير من مواصلة السفر في الخارج على متن يخته الخاص.

لقد كانت (ألمينا) الابنة غير الشرعية لـ(ألفريد روثتشايلد)، من العائلة المشهورة التي صنعت لنفسها ثروة خيالية من خلال الأعمال البنكية، وكان والدها يغدق عليها بكل ما يمكن للمال شراؤه، غير أنه بسبب كونها ولدت خارج إطار الزوجية، فإنها لم تكن قادرة على الانضمام إلى الدوائر الاجتماعية التي كان أقرباؤها يرتادونها.

عوّض لها والدها عن هذا النقص من خلال دفع أموال طائلة لفائدة زواجها من عائلة نبيلة في بريطانيا. لابد أن الخطة قد نجحت فعلاً، لأن برنامج (داونتاون آبي) يعتبر اليوم —البرنامج التلفزيوني المستوحى من حياتها— واحداً من أكثر البرامج الشعبية على كلا جانبي المحيط الأطلسي،

في الواقع، ساهم مهرها الكبير في إعادة ترميم وتهيئة المبنى الذي تم فيه تصوير البرنامج.

كان النبلاء البريطانيون المفلسون يضعون إعلانات للترويج لأنفسهم كأزواج محتملين لأميرات الدولار:

إيرل (يارموث) في سنة 1900.
إيرل (يارموث) في سنة 1900.

على الرغم من أن أميرات الدولار اللواتي اشترى آباؤهن سبيلهن نحو العائلات النبيلة البريطانية قوبلن بالرفض والازدراء من طرف الكثيرين في بريطانيا، فإن هذه الموضة قد انطلقت فعلا عندما أدرك النبلاء البريطانيون الذين كانوا يعانون تحت وطأة المشاكل المالية بأنه باستطاعتهم استرجاع ثرواتهم المفقودة من خلال الزواج من الفتيات الأمريكيات.

كانوا تواقين لرؤية أنفسهم مرشحين لما قد يكون أقدم خدمة مواعدة حديثة. كانت (ذا تايتلد أميريكان) إحدى المجلات التي لم تكن تعرض السعادة التي وجدتها العرائس الأمريكيات عندما نلن ألقابهن النبيلة الجديدة فقط، بل كانت تعرض إعلانات عن نبلاء بريطانيين كأزواج محتملين، الذين كانوا يدفعون مقابل ظهور أسمائهم في تلك الإعلانات، وكانوا على استعداد لبيع ألقابهم مقابل المال.

كان واحد من هؤلاء النبلاء اليائسين ماركيز (وينشستر) الذي كتب في إعلانه: ”ماركيز (وينشستر)، يبلغ من العمر 32 سنة وهو نقيب حرس (كولدستريم)“، كما كانت هذه الإعلانات ترفق لائحة بمداخيل هؤلاء النبلاء، وملكياتهم العقارية، ومهنهم، وأفراد عائلاتهم النبلاء الآخرين.

إن حدث ووقع اهتمام فتاة أمريكية (أو بالأحرى والدتها) على واحد من هؤلاء، كانت تردّ على إعلانه. كانت المجلة تراجَع كل سنة حتى يكون للفتيات الأمريكيات الثريات دائما قائمة محدّثة من عزاب العائلات النبيلة البريطانية ليخترن منها أزواجا لهن.

كانت الأميرة (ديانا) ابنة لأميرة دولار:

(فرانسيس وورك) التي أصبحت دوقة وجدة الأميرة (ديانا).
(فرانسيس وورك) التي أصبحت دوقة وجدة الأميرة (ديانا).

ولدت (فرانسيس إلين وورك)، التي عرفت بين معشر أصدقائها باسم (فراني)، في مدينة نيويورك في سنة 1857 لوالدها (فرانك وورك) المليونير الذي بنى ثروته بنفسه. بحلول الزمن الذي توفي فيه (فرانك)، كان قد جمع ثروة قدرها 15 مليون دولار، مما يعادلها اليوم مليارات الدولارات.

اشتهرت (فاني) بين كل من عرفها بجمالها الفريد من نوعه، وقد أرادت جدتها أن ترى جمالها ذلك يُقدَّر حق التقدير. بعد كل شيء، كانت جدتها من جهة والدتها وهي (إيلين سترونغ) قد وجدت نفسها في حضرة ثمانية رؤساء أمريكيين، وكل ما أرادته لـ(فاني) هو أن تحظى بنفس الفرص، بل أكثر، وأن تكون قادرة على إدارة أكثر الأوساط الاجتماعية هيبة وحصرية: الطبقة النبيلة البريطانية.

تزوجت (فاني) من (جايمس بوثبي بورك روش)، ابن أول بارون لـ(فيرموني). الذي كان ابناً مدللاً عاش حياة بذخ وترف غير أنه لم يكن ثريا جداً… إلى أن حصل على مهر زواجه من (فاني).

بشكل مثير للسخرية، عارض والد (فاني) هذا الزواج بشدة، وعندما لم تنصع ابنته له أزالها من وصيته وقائمة ورثته، لربما كان ذلك لإبقاء يدي زوجها المستقبلي بعيدتين عن ثروته التي جناها بتعب وشقاء.

بعد كل شيء، كان الوالد محقا في نظرته للبارون، حيث أن هذا الأخير بدد كل أموال المهر التي قدرت بـ2.5 مليون دولار في القمار، غير أننا لا يمكننا القول بأن الزواج كان خسارة كاملة، ذلك أن ابنة (فاني) كبرت لتنجب الأميرة (ديانا)، أميرة الويلز.

كانت ثياب أميرات الدولار أكثر من مجرد جميلة:

لايدي (كورزون) مرتدية ثوب الطاووس الذي صمم لأجلها في سنة 1903.
لايدي (كورزون) مرتدية ثوب الطاووس الذي صمم لأجلها في سنة 1903.

عندما أمّنت (ألفا)، والدة (كونسويلو فاندربيلت)، لابتنها زواجاً من دوق (مارلبوروغ)، لم تترك أي شيء ليخطر على مخيلة العالم بينما راحت تسرب كل تفصيل دقيق عن زواج ابنتها للصحافة. قامت حتى بتسريب تفاصيل حول ملابسها التحتية التي كانت ترتديها عندما سارت في ممر الكنيسة. بكلمات بسيطة، كان فستان زفاف (كونسويلو) منقطع النظير.

لم تكن (كونسويلو) أميرة الدولار الوحيدة التي استمتعت بارتداء أفخر ما يمكن للمال شراؤه، كانت من بين هؤلاء (ماري لايتر)، ابنة رائد الأعمال من شيكاغو والمليونير التي أصبحت لاحقا نائبة الملكة في الهند.

في سنة 1902، أثناء مراسيم تتويج الملك (إدوارد السابع)، ارتدت (ماري) فستانا صمم من طرف أرقى دار تصميم في بريطانيا كلها: (ذا هاوس أوف وورث) the House of Worth، نسج الفستان من قماش ذهبي (أجل مصنوع من خيوط ذهبية) الذي تخلله ريش الطاووس. مازال هذا الفستان مشهورا حتى يومنا هذا، حيث يتم عرضه الآن في قاعة (كيديلستون) في (داربيشاير)، وشاع أنه بعد 115 سنة من تصميمه مازال هذا الفستان المفضل بين الزوار.

لا يمكن التهوين من نمط حياة أميرات الدولار الفارهة، هؤلاء الفتيات المدللات اللواتي كان باستطاعتهن الحصول على كل ما يمكن للمال شراؤه.

تزوجت إحدى أميرات الدولار من أمير فرنسي… مرتين:

بورتريه (ويناريتا سينغر).
بورتريه (ويناريتا سينغر).

كانت (ويناريتا سينغر) الابنة العشرين من أصل 24 ابناً لـ(إسحق ميريرت سينغر) مخترع آلة الخياطة الحديثة. ترعرت بشكل بين مدينة نيويورك وفرنسا وإنجلترا. عندما بلغت من العمر 22 سنة، تزوجت من الأمير الفرنسي (لويس فيلفريد دو سي-مونتبيليارد). بعد خمسة سنوات لاحقاً، تم إلغاء الزواج.

في السنة الموالية، تزوجت من أمير فرنسي آخر: (إدموند دو بولينياك)، بقي هذا الثنائي متزوجين إلى أن توفي (إدموند) في سنة 1901.

بالطبع حامت الكثير من الشكوك والشائعات على إثر إلغاء زواجها الأول من الأمير الفرنسي، غير أنه كان هناك سبب وجيه لذلك: لم يتمم الزواج بالجماع.

كانت (ويناريتا) مثلية الجنس، وعلى شاكلة العديد من أميرات الدولار، تزوجت من الأمير الفرنسي حتى تنال لقبا نبيلا. أثناء ليلة زفافها، قيل أنها تسلقت خزانة الملابس وراحت تلوح بمظلة في وجه زوجها قائلة: ”سأقتلك إن اقتربت مني“.

حدث أن كان الأمير الثاني الذي تزوجته مثلي الجنس أيضاً، لذا حظي الاثنان بزواج عذري أفلاطوني كان عبارة عن شراكة عمل وصداقة أكثر منه زواجاً.

أنعشت أميرات الدولار اقتصاد بريطانيا وطبقتها الأرستقراطية:

قصر (بلينهايم) مسقط رأس (وينستن تشيرشل).
قصر (بلينهايم) مسقط رأس (وينستن تشيرشل).

ساهم ازدهار الزراعة والصناعة الأمريكية في تعطيل وكبح بريطانيا، التي كانت في وقت سابق مركز الصناعة في العالم كله. كانت المنتوجات الزراعية وفيرة ورخيصة في السهول الشاسعة والخصبة في أمريكا، وأصبحت المواد والسلع التي كانت حصرا في الماضي على بريطانيا فقط تنتج على مستويات كبيرة في الولايات المتحدة.

خسرت العائلات الريفية الإنجليزية مزارعها، والتي كانت في الغالب تملكها العائلات النبيلة، واضطرت للانتقال للعيش في المدن. أدرك هؤلاء النبلاء أن ثرواتهم راحت تتضاءل وتذبل بينما تقهقر الاقتصاد البريطاني ببطء تحت أقدامهم، وجدوا أنفسهم في حاجة ماسة للإغاثة، وبسرعة كبيرة، وإلا ستزول حياة الرغد التي عهدوها.

وهنا جاء دور أميرات الدولار: كانت أموال مهورهن كافية لإنعاش ثروات النبلاء الآيلة للزوال، ولم ينته الأمر هنا وحسب، بل كانت أذواقهن الأمريكية تعني أنهن رغبن في تحديث ملكياتهن العقارية التي كانت قديمة جدا.

يقدر أن الأموال التي ضختها أميرات الدولار في الاقتصاد البريطاني بفضل مهورهن فقط كانت تعادل حوالي 25 مليار دولار بأموال اليوم. هذا بغض النظر عن عدد مناصب الشغل التي خلقنها من أجل إرضاء أذواقهن المكلفة، على غرار عمال البناء والمهندسين المعماريين الذين تم استقدامهم من أجل تحديث منازلهن القديمة، وعلى الرغم من ذلك، ظل أثرياء بريطانيا ينظرون إليهن بازدراء.

أصبحت إحدى أميرات الدولار ثاني امرأة تنتخب في البرلمان البريطاني:

بورتريه (نانسي آستور).
بورتريه (نانسي آستور).

منذ أن بنى (جون جايكوب أستور) ثروته من خلال تجارة الفراء وانتقل إلى (مانهاتن) حيث اشترى معظم الملكيات العقارية هناك، أصبح اسم آل (آستور) مرادفاً لنخبة المجتمع الأمريكي ودوائرها الاجتماعية الأكثر حصرية.

كانت الـ(نيويورك 400) قائمة بأكثر الشخصيات الاجتماعية البارزة التي كانت تحتفظ بها (كارولاين آستور)، وكانت تمثل المعنى الحقيقي عن: ”من هو من“ في الأرستقراطية الأمريكية، بالطبع لم يكونوا أرستقرياطيين فعليين لأن الدستور الأمريكي يمنع ذلك، لكن من قد يكترث عندما تكون تملك الكثير من المال لدرجة تنفذ منك أفكار إنفاقه قبل نفاذه؟

ولد (ويليام آستور) في الولايات المتحدة، غير أنه أمضى معظم حياته في لندن حيث كان محاطا بالأرستقراطيين البريطانيين مما جعله يتبنى نمط حياتهم، وعندما تزوج (نانسي لونغهورن شاو)، فتاة من (فيرجينيا)، انسلخت هذه الأخيرة من جذور بلدها وتبنت لقب (اللايدي آستور).

سرعان ما تم قبولها داخل كل من الأوساط الاجتماعية الراقية في نيويورك ولندن ونالت رفعة ومقاما عاليين جدا، كان مقامها عاليا لدرجة أنها في سنة 1919 قررت الترشح للبرلمان البريطاني في محاولة لشغل المنصب الذي شغله زوجها في السابق، وعندما انتخبت أصبحت ثاني امرأة تنتخب في البرلمان البريطاني في التاريخ، وهو أمر لا بأس به باعتبار أنها أمريكية.

ساعدت أميرات الدولار نبلاء بريطانيا على ترميم قصورهم المهترئة:

تاسع دوق لـ(مارلبوروغ) وجد (وينستن تشيرشل).
تاسع دوق لـ(مارلبوروغ) وجد (وينستن تشيرشل).

كان النبلاء البريطانيون، الذين سرعان ما وجدوا ثرواتهم قد نفذت ولم تعد تتحمل تمويل نمط حياتهم الباذخ، في حاجة ماسة للمال ليس فقط من أجل مواصلة أسفارهم ورحلات استجمامهم على يخوتهم الخاصة، بل من أجل منازلهم نفسها، التي كانت غالبا قديمة قدم العصور وكانت في حاجة ماسة للتصليحات التي لم يكونوا قادرين على تحمل تكاليفها.

عندما دبرت (ألفا فاندربيلت) زواج ابنتها من دوق (مارلبوروغ)، غمرت السعادة هذا الأخير لأن المال الذي سيقبضه كمهر لقاء زواجه بها سيساعده على ترميم قصر (بلينهايم) الذي كان ينهار يوما بعد يوم، وبمجرد أن أصبح الزواج رسمياً على كلا جانبي المحيط الأطلسي، بدأ الدوق في استعمال أموال المهر من أجل أعمال الترميم اللازمة.

أصبح يُنظر إلى ممارسة بيع البنات مقابل الحصول على الألقاب كنوع من العبودية:

(تشارلز) تاسع دوق لـ(مارلبوروغ) مع زوجته (كونسويلو) دوقة (مارلبوروغ) وأبنائهما. صورة: Art Oyster/Amazon
(تشارلز) تاسع دوق لـ(مارلبوروغ) مع زوجته (كونسويلو) دوقة (مارلبوروغ) وأبنائهما. صورة: Art Oyster/Amazon

أصبحت (فرانسيس وورك)، التي تزوجت من أحد نبلاء بريطانيا رغما عن والدها، جدة الأميرة ديانا، غير أن والدها لم يستسغ أبدا ما قامت به. في نعي وفاته، اقتُبس عنه قوله: ”لقد حان الوقت لينتهي هذا الزواج الدولي لأن فتياتنا الأمريكيات يعثن فساداً في بلدنا بسببه. على قدر السرعة التي يمكن لرجالنا الشرفاء الذين يعملون بدون كلل من أجل جني هذا الأموال، تأخذه بناتهم وتلقي به عبر المحيط“.

على ما يبدو، لم يكن سعيدا باستغلاله من طرف الآخرين وكأنه حساب بنكي مفتوح بلا حدود، كما لم يكن سعيدا بزواج ابنته من أرستقراطي بريطاني فقط لتنال لقبا نبيلاً.

لقد تمكن (وورك) من رؤية المشكلة الحقيقية وراء هذه الممارسة، وأدرك أن النبلاء البريطانيين، الذين كانوا يتحصلون على مهور تقدر بمئات ملايين الدولارات بأموال اليوم، لم يكونوا ينفقونها إلا على أنفسهم وغالبا ما كانوا يبددونها في القمار.

على الرغم من أن البعض قد يعتبر هذا الزواج ذا منفعة متبادلة بين الطرفين، ففي الحقيقة كان مخرباً أكثر منه مفيداً، ليس فقط مخربا لحياة الأفراد فيه، بل للبلدان التي كانوا يأتون منها، فقد كان الأمريكيون يبددون المال للدفع بعجلة الاقتصاد البريطاني لا لشيء إلا لألقاب ظاهرية.

جاري التحميل…

0