in

عندما كان تحويل الحيوانات النادرة والغريبة إلى أثاث موضةً رائجة

حيوانات برية نادرة اصطيدت وحولت إلى أثاث

حين تتجول في حديقة الحيوانات وترى فيلا صغيرا قد يكون أول ما يخطر في بالك: ”يا له من فيل ظريف“، لكنك لو كنت مواطنا بريطانيا في العصر الفيكتوري لربما لم تكن تلك ردة فعلك، بل قد تقول في نفسك: ”أمم، سيشكل هذا الفيل الصغير كرسيا مريحا وجميلا للغاية“، وذلك لأنه لفترة ما في تاريخ الإمبراطورية البريطانية الاستعمارية، كانت صناعة الأثاث من جثث الحيوانات النادرة والغريبة أمرا رائجا جدا.

على سبيل المثال، كانت الدببة تحنّط وتُنصّب واقفة وتستخدم لحمل الأواني التي توضع فوقها المشروبات، وكانت النمور تحول إلى كراسي وأرائك فاخرة مع جعل رؤوسها تعتلي ظهر الأريكة بفم مفتوح وأنياب بارزة مخيفة، وكانت الأفيال تُحوّل إلى أرائك هي الأخرى، وصناديق، وأحيانا إلى مساند مظلات.

على الرغم من كون الموضوع برمته غريبا جدا، إلا أن إعداد الأثاث من جثث تلك الحيوانات كان يتطلب مجهودا كبيرا وإبداعا منقطع النظير، بإمكانك فقط تخيل ما يتطلبه تحويل طائر (إيمو) الأسترالي النادر إلى فانوس، أو تحويل قرد ميت إلى شمعدان تتوزع الشموع على كلتا راحتيه الصغيرتين.

في سنة 1896، نشرت مجلة بريطانية تدعى «الستراند» The Strand مقالا يوضح بالتفاصيل أكثر الطرائق المشهورة والمبدعة في تحويل الحيوانات الميتة إلى قطع أثاث ولمسات ديكور فاخرة، وتضمن المقال أيضا صورا كثيرة تساعد القارئ على تكوين فكرة جيدة وواضحة حول الموضوع، وحول ما كان رائجا من موديلات وما لم يكن.

مجموعة حيوانات برية تم تحويلها إلى أثاث.
مجموعة حيوانات برية تم تحويلها إلى أثاث.
مجموعة حيوانات برية تم تحويلها إلى أثاث.
مجموعة حيوانات تم تحويلها إلى أثاث.

تضمنت هذه الصور بعض الديكورات الفاترة نوعا ما على غرار شمعدان مصنوع من قرون غزال أو ظبي، لكنها تضمنت في نفس الوقت صورا لزرافة حُوّلت إلى كرسي، وقرد ميت يبدو وكأنه يتسلق قنديلا مصنوعا من طائر الـ(إيمو) تماما مثلما يتسلق شجرة، وما بدا كأنه كرسي عرش ملكي تحيط به جثث محنطة لجواميس البيسون، والظبي، والغزال التي تثير الفزع.

كان مصدر معظم هذا الزخم والرواج الذي حظي به تحويل الحيوانات إلى قطع أثاث هو أعمال رجل عرف باسم (رولاند وارد)، الذي كان محنط حيوانات لامعا، ومنه عُرف هذا النوع من التأثيث باسم «أثاث وارد» أو «الأثاث الوارديّ»، لكن في السياق الواسع لتلك الموضة؛ كان الأمر يتعدى مجرد أعمال محنِّط واحدٍ مشهورٍ.

في الوقت الذي راج فيه هذا النوع من الأثاث؛ كانت الإمبراطورية البريطانية في ذروة قوتها الاستعمارية، وكانت تتحكم في أراضي تمتد من شمال القارة الأمريكية وصولا إلى آسيا، وكان المواطنون البريطانيون فخورين جدا بإمبراطوريتهم وكل تلك الأماكن الغريبة والبعيدة التي تقبع تحت سيطرتها، فصدرت الكثير من الروايات التي تصف ما كانت عليه الحياة في مثل تلك الأماكن، والحيوانات التي تعيش فيها.

فيل تم تحنيطه وتحويله إلى كرسي فاخر
يظهر في المجلة فيل تم تحنيطه وتحويله إلى كرسي فاخر.

ولم يكن شيء يوحي بأنك فرد ثري من نخبة المجتمع الاستعماري أكثر من سفرياتك إلى تلك الأماكن البعيدة لصيد تلك الحيوانات الغريبة، ومنه كان امتلاكك لفيل ميت كقطعة أثاث في منزلك يوحي بأنك لم تكن مجرد مواطن في قوة استعمارية، بل كنت عضوا فعالا تساعد على نشر صيتها الذائع ونفوذها في العالم كله، وكانت تلك أيضا علامة على كونك ثريا جدا لدرجة تستطيع فيها التنقل إلى أماكن بعيدة مثل الهند واصطياد الحيوانات هناك.

لذا، وللحظة وجيزة وداكنة من التاريخ، ساهم الفكر الاستعماري والشغف لصيد الغنائم الفريدة في تكوين موضة غريبة وشنيعة في آن واحد بتحويل الحيوانات المقتولة إلى قطع أثاث تزين بها المنازل والقصور، وما قد يشدك في الأمر أكثر هو على الرغم من كونه يبدو غريبا اليوم، فإنه كان عاديا جدا آنذاك.

يجعلنا هذا نتساءل فيما إذا كانت بعض الأمور التي تستهوينا كثيرا في أيامنا هذه وتبدو لنا عادية جدا؛ ستتحول في المستقبل إلى أمور غريبة وغير أخلاقية.

جاري التحميل…

0