منذ عام 1969 حتى اليوم خرج العديدون من مؤيدي نظريات المؤامرة الذين يرفضون فكرة وصول البشر إلى القمر.

في عام 1969 امتلأت شاشات التلفزة حول العالم بخبر أساسي كان ”خطوة صغيرة لرجل وقفزة عملاقة للبشرية“. ففي ذلك العام حققت ناسا نصراً على نظيرتها السوفييتية بوصول البشر إلى القمر للمرة الأولى في التاريخ.

منذ عام 1969 حتى اليوم خرج العديدون من مؤيدي نظريات المؤامرة الذين يرفضون فكرة وصول البشر إلى القمر أصلاً، ويدعون أن كل ما حدث كان مجرد تصوير في استديوات هوليوود وخلق لمحاكاة الهبوط على القمر تحت إشراف المخرج الشهير ستانلي كوبرك (Stanley Kubrick)، الذي اشتهر بإخراجه لفيلم 2001 A Space Odyssey عام 1968.

موضوع المقال هنا ليس الدفاع عن الحكومة الأمريكية قطعاً، فلطالما كانت الحكومات عموماً والحكومة الأمريكية خصوصاً تتورط بقضايا حجب المعلومات والكذب على العامة. الأمر هنا يأتي كدفاع عن المنطق لا أكثر فهو مجرد نظرة تاريخية للتكنولوجيا المتوافرة في تلك الحقبة وفعاليتها في تحقيق الهبوط على القمر أو تزوير هذا الحدث المهم.

من كان ليعترض على ادعاءات ناسا؟

الصراع الأمريكي السوفييتي

الصراع الأمريكي السوفييتي كان ممتداً في كل الجوانب

تبدو الولايات المتحدة اليوم كالقطب العالمي الوحيد والقوة الكبرى المهيمنة على العالم، فهي تمتلك أكبر اقتصاد وأقوى جيش وأكبر ترسانة نووية في العالم ومئات القواعد العسكرية حول العالم، إلا أن هذا لم يكن الحال دائماً. بداية من منتصف القرن الماضي كانت المنافسة والعداوة متبلورة وواضحة بين المعسكر الاشتراكي الذي يزعمه الاتحاد السوفييتي والمعسكر الرأسمالي الذي كان تحت جناح الولايات المتحدة الأمريكية حينها.

أحد أبرز مظاهر المنافسة بين المعسكرين كان السيطرة على الفضاء والتقدم العلمي، ومع سقوط برلين عام 1945 تصارع المعسكران على جذب العلماء الألمان العديدين الذين وجدوا أنفسهم دون راعٍ مع تدهور حال ألمانيا وسقوط النازية لاحقاً، هذا التنافس على جمع العلماء والبحث العلمي أتى بثماره لاحقاً مع إرسال السوفييت ليوري غاغارين (Yuri Gagarin) كأول رجل يصل للفضاء الخارجي ويتم دورة حول الكرة الأرضية عام 1961.

بطبيعة الحال، فقد كانت المنافسة القوية تعني أن كلّا من القطبين العالميين سيشكك باكتشافات وانجازات الآخر، وبالطبع فلا انجاز يستحق التشكيك (في حال كان كاذباً) أكثر من الهبوط على القمر، إلا أن هذا لم يحصل أبداً فالسوفييت لم يشككوا بالأمر أبداً فكل الأدلة كانت تشير باتجاه صدق المزاعم الأمريكية.

لماذا ازدادت نظريات المؤامرة حول الهبوط على القمر مؤخراً

الإصدار الأول من برمجية Adobe Photoshop

الإصدار الأول من برمجية Adobe Photoshop لم يصدر حتى عام 1988

إن كنت من الأجيال الشابة ومولوداً في الثمانينات أو التسعينات مثلاً، فأنت قد عاصرت فترة مجيدة لكل من التصوير والتعديل الصوري وغيرها، لذلك قد يبدو أمر التعديل على الصور والفيديو كأنه أمر سهل للغاية وممكن ببساطة حتى في ذلك الزمن البعيد، فاليوم بإمكان أي مبتدأ تثبيت برمجية Adobe Photoshop الشهيرة أو إحدى أدوات تعديل الصور الأخرى وتغيير أي صورة، أو حتى إنشاء صور من لا شيء.

الأمر لم يكن دائماً هكذا، فأول كاميرا رقمية صنعت كانت عام 1975 (بعد 6 أعوام من الهبوط على القمر) وبرمجية Photoshop مثلاً لم يتم صنع النسخة الأولية منها حتى عام 1988، كما أن الكاميرات والتصوير في حقبة الستينيات كان أسوأ بمراحل من مستواه الآن، فمعدل تصوير الإطارات بالثانية كان منخفضاً ولم يكن يتجاوز 24 إطاراً بالثانية، ولم يكن قد تم تقديم التصوير الملون حتى وبطبيعة الحال فمساحات التخزين اللازمة حينها كانت كبيرة جداً.

ربما يكون أمر تعديل الصور ومقاطع الفيديو مسلماً به اليوم، لكن في الماضي كان مختلفاً جداً، وحتى فترة قريبة نسبياً لم يكن بالإمكان إجراء معظم العمليات التي يقوم بها أي هاتف ذكي صغير الحجم اليوم، ولأي شخص لم يعاصر هذا التحول في التكنولوجيا قد يبدو الأمر كشيء قديم للغاية.

النظريات الرافضة للهبوط على القمر

منذ الهبوط الأول على القمر حتى الآن ظهرت العديد من النظريات التي ترفض قدرة ناسا على الهبوط على القمر، بحجة أنها لم تكن تمتلك التكنولوجيا اللازمة للوصول إلى هناك، إلا ان هذه النظريات تتمحور حول فرضيتين أساسيتين:

1. فرضية الصور المعدلة:

الظلال في رحلة أبولو

ظل رائد فضاء ومكوك أبولو

تركز هذه الفرضية على كون الصور التي قدمتها ناسا كدليل على الهبوط غير صحيحة، لأنها لم تظهر النجوم في الخلفية أو لأن الظلال واضحة على الأرضية في الصور.

الادعاءات سهلة النقض تماماً، فالظلال مشابهة تماماً لأي ظل تراه على الأرض في أي وقت، وهذا الأمر متوقع كون بعد القمر عن الشمس لا يختلف كثيراً عن بعد الأرض عنها، فالظلال لن تكون مختلفة في المكانين. كما أن الإضاءة الظاهرة في الصور تبدو مثالية تماماً لصورة بإضاءة من الشمس؛ فالظلال باتجاه واحد (وليست ظلالاً مزدوجة او متعددة كما يحدث عند استخدام منابع متعددة للضوء)، كما أنه لا يوجد فرق بالإضاءة بين مناطق الأرضية المختلفة مما يظهر أن المنبع الضوئي بعيد جداً (وهذا صحيح فالشمس ليست قريبة للقمر).

بالنسبة لظهور النجوم في الصورة، فأي شخص بخلفية معرفية جيدة في مجال التصوير يعرف أن إضاءة الصور تعتمد على سرعة المغلاق، فسواء كانت الكاميرا رقمية أو تعتمد على فيلم فالصورة يتم التقاطها بتعريض فيلم أو حساسات للضوء إلى الضوء الخارجية لمدة قصيرة جداً من الزمن، وبطبيعة الحال كلما طالت مدة فتح المغلاق وتعرض الفيلم أو الحساسات للضوء ظهرت الألوان فاتحة ومتألقة ومشعة أكثر، وفي صور رواد الفضاء على القمر يبدو ذلك ببساطة، فسرعة المغلاق كانت قصيرة لتلتقط ضوءً أقل بحيث يظهر رواد الفضاء ببزاتهم البيضاء دون تشويش. لو كان المغلاق مفتوحاً لوقت كافٍ لإظهار النجوم لكانت ألوان الصورة متألقة جداً بحيث تختفي أي تفاصيل مطلوبة. (يمكنك ملاحظة ذلك في الصورة المرفقة بالأعلى).

2. فرضية الفيديو المبطئ:

كاميرا تصوير تلفزيوني قديمة

كاميرات التصوير التلفزيوني لم تكن دائمة بجودتها اليوم

تدعي هذه الفرضية أن الفيديو تم تصويره بسرعة عادية في البداية، ومن ثم إبطاؤه لاحقاً لتبدو حركة رواد الفضاء أكثر بطئاً وشبيهة بالمشي على القمر في ظروف جاذبية ضعيفة. المشكلة في هذه الفرضية أن مؤيديها لا يبحثون كفاية في تاريخ كاميرات تصوير الفيديو ومدى السرعة المتاحة لها.

من حيث المبدأ، يعتمد التصوير البطيء على واحد من أسلوبين: التصوير بسرعة عادية ومن ثم إبطاء معدل الإطارات بالثانية ليبدو الفيديو أبطأ أو التصوير بسرعة عالية (90 إطار بالثانية مثلاً) ومن ثم إبطاء معدل الإطارات إلى عدد طبيعي (30 إطار بالثانية مثلاً) وبهذه الطريقة يظهر الفيديو بطيئاً لكن بتدفق طبيعي أكثر.

في وقت تصوير الفيديو الأول للهبوط على القمر قد يبدو الأمر قابلاً للتصديق، فقد كان معدل الإطارات فيه 10 إطارات بالثانية، لكنه كان مصوراً على كاميرا تسجل المعلومات على قرص ممغنط لا على أفلام مما يعني أن التبطيء أمر مستحيل تقنياً لأنه يحتاج قدرة معالجة كبيرة، كما أن الرحلات اللاحقة صورت بمعدل 29.97 إطار بالثانية أي أن تبطيئها يحتاج إلى تصوير أصلي بسرعة كبيرة للغاية لم تكن متاحة حينها إلا إذا تم التصوير على أفلام سينمائية، المشكلة تظهر هنا بكون التصوير السنيمائي يأتي بتقطعات بين بكرات الإطارات المتتابعة كما أن صورته تأتي بقياسات 1:1.85 على عكس التصوير التلفزيوني الذي يكون بقياسات 1:1.33 ففي حال كان الفيديو مصوراً على شريط سينمائي فكل إطار يحتاج إلى قصه بعناية ومن ثم إعادة وصله مع الآخرين بدقة متناهية، فذرة من الغبار على واحد من الإطارات ستكون عيباً واضحاً وسهلة الإكتشاف.

هل كانت التكنولوجيا تسمح لنا بالصعود إلى القمر في ذلك الوقت؟

المعالج المستخدم لإيصال رحلات أبولو إلى القمر

المعالج المستخدم لإيصال رحلات أبولو إلى القمر

واحدة من الحجج التي يستخدمها أصحاب نظرية المؤامرة حول الهبوط على القمر هي كون المعدات التي كانت تستخدمها ناسا لا تمتلك قدرة معالجة كافية لتعقب وإجراء الحسابات اللازمة للمكوك الفضائي ليصل إلى القمر. المشكلة في هذه الحجة أنها تستخدم نظريتين متناقضتين، فناسا تبعاً لهم تمتلك معالجات ضعيفة لا يمكنها وضع رجل على القمر، وفي نفس الوقت تمتلك تكنولوجيا سرية مخفية قادرة على معالجة كميات كبيرة من الفيديو الرقمي وتبطيئه بحيث يبدو كأنه صوِّر على القمر.

بطبيعة الحال فالتناقض يبدو جلياً، فلو كانت ناسا تمتلك تلك ”المعدات السرية“ ذات قوة المعالجة القوية لكان من الأسهل لها أن تستخدمها لتوجيه المكوك ليصل إلى القمر بدلاً من أن تستخدمها لتزوير الهبوط أصلاً، فالمعالجة المطلوبة للمهمة الأولى أقل بمراحل من قوة المعالجة المطلوبة لتزوير فيديوهات رقمية.

جدير بالذكر أن الحاسوب المستخدم لمهمات أبولو كان ضعيفاً للغاية بمعايير اليوم، فهو يعمل بتردد 2.048 ميغا هرتز أي أنه أضعف بأكثر من 4 آلاف مرة من وحدة المعالجة المستخدمة في هاتفي المحمول!

لماذا تكون نظريات المؤامرة من هذا النوع ضارة؟

صورة داخلية من أحد مكاتب وكالة الأمن القومي الأمريكية

أياً كان موقعك فNSA على الأغلب تراقب جزئاً من نشاطك الإلكتروني

عند الحديث عن نظريات المؤامرة، كثيراً ما يتردد الرأي القائل بأنها وإن لم تكن مفيدة فهي على الأقل غير ضارة. المشكلة في هذا الرأي هي أن هذه النظريات ضارة وضررها واضح جداً. فهي تشغل وقت العديد من الأشخاص وتعميهم عن العديد من الأمور التي تجري من حولهم وتستحق هذا الاهتمام، فالعديد من المهتمين بنظرية المؤامرة حول الهبوط على القمر لا يعيرون أي أهمية لمشاكل حقيقية مثل الاحتباس الحراري أو حتى مجموعة قوانين Patriot Act التي أقرتها الحكومة الأمريكية، والتي تتيح لها التجسس على جميع أنواع الاتصالات التي تجري في الولايات المتحدة وخارجها بشكل يهدد الحريات والخصوصيات لكل البشر تقريباً.

في النهاية، لا بد من التذكير أن الدفاع عن الهبوط على القمر لا يأتي بأي شكل كدفاع عن مصداقية الحكومة الأمريكية. فمنذ تأسيسها تورطت هذه الحكومة (كما كل الحكومات الأخرى) في قضايا كثيرة تتضمن الكذب على العامة وإخفاء المعلومات والتزوير.

مقال من إعداد

mm

علي وديع حسن