in

دخلك بتعرف «حرب البيض» التي وقعت في جزر فارالون الأمريكية، والتي تقاتل فيها الناس من أجل الحصول على البيض.. نعم البيض

ربما لا تتخيل أن البيض سببٌ في اندلاع حرب ما، لكن هذا ما حصل في القرن التاسع عشر.

حرب البيض

لابد أنك قد سمعت عن حمى الذهب التي حصلت في كاليفورنيا في أميركا في خمسينيات القرن التاسع عشر، وإن لم تكن سمعت بها فقد حصل في إحدى الأيام أن اكتشف رجل يدعى (جيمس مارشال) وجود ذهب في مجرى بعض الأنهار الموجودة في كاليفورنيا، آمن الرجل بأن اكتشافه هذا سيجعله من أغنى أغنياء العالم وبدأ بانتظار الفرصة المناسبة والتي ستجعله مستثمر ذهب ناجح، لكن ولسوء حظه فقد انتشر الخبر في الأنحاء وبدأ الناس بالتدفق بالآلاف بحثاً عن الذهب.

اغتنى بعض الأشخاص بالفعل، لكن ما لبث أن أصبح الذهب شحيحاً بسبب زيادة عدد المنقبين ما جعل إيجاده أمراً صعباً، وهنا بدأت الصراعات وانتشرت عمليات السطو والنهب. الأمر المحزن هو أن (مارشال) توفيّ رجلاً فقيراً معدماً.

لكننا اليوم لسنا بصدد مناقشة هذه الحمى، بل سنتحدث عن حمى أخرى رافقت حمى الذهب لكنها لم تصل إلى شهرتها، آلا وهي حمى البيض والتي كانت سبباً في حدوث ما دعي لاحقاً بـ«حرب البيض».

قد يكون من المتوقع أن تقرأ عن أشخاص قاموا بقتل بعضهم البعض لأجل المال أو الذهب، لكن أن تجد أشخاصاً يقدمون على ذبح أشخاص آخرين من أجل الحصول على البيض فهو أمر لا نراه كل يوم.

جزر فارالون. صورة: Brant Ward, The Chronicle

ببدء حمى الذهب وانتقال ما يقارب 300 ألف شخص إلى ولاية كاليفورنيا؛ تضاعفت أعداد سكان هذه المنطقة، فعلى سبيل المثال، ازداد عدد سكان مدينة (سان فرانسيسكو) من 200 نسمة ليصبح 36 ألف شخص.

سبّب هذا الازدياد المفاجئ نقصاً في توافر الغذاء، ولم يمضِ وقت طويل حتى استهلك السكان الجدد كل الدجاج والبيض الموجودين في المنطقة، وهكذا بدأ الناس بالبحث عن مصادر أخرى من أجل الحصول على جرعتهم اليوميّة من البروتين، وهنا تبدأ قصتنا، وبالتحديد في جزر (فارالون).

تقع هذه الجزر على بعض ثلاثين دقيقة من سواحل (سان فرانسيسكو)، وتعدّ من أكبر مراكز تجمّع الطيور البحريّة في الولايات الأميركية المتحدة بدون أن نأخذ بعين الاعتبار ألاسكا وهاواي.

إحدى جزر فارالون، حيث تعيش عليها مجموعات كبيرة من الطيور. صورة: Dave/Flickr

كان الروس هم أول من استغلّ هذه الجزر وخيراتها، حيث عملوا على صيد أفيال البحر لأجل دهونها، كما اصطادوا فقمة الفراء وأسود بحر كالفورنيا وأسود بحر (ستيلر) وذلك من أجل جلودها، لكنهم بالإضافة إلى كل ذلك، فقد حصلوا على البيض أيضاً.

أحد الطيور التي تستوطن تلك الجزر تدعى بطيور (مور) وهي أحد أنواع طيور الأوك والتي تعيش ضمن مستعمرات ضخمة، وحجم الطير أكبر من الدجاجة بقليل، ويقضي معظم وقته في البحر ليحطّ على الأرض فقط حين يتكاثر ويضع البيض. بيوضه بيضاء اللون ذات بقع سوداء، وهي أكبر بكثير من بيوض الدجاج، وتتمتع بقشرة قاسية ما سهلّ عملية نقلها من أجل الإتجار بها.

طيور المور بجانب بيوضها. صورة: Christiana Carvalho

بدأت هذه الحمى حين قرر طبيب مغامر يدعى (روبنسون) برفقة زوج أخته أن يأخذ قارباً ويبحر به إلى جزر (فارالون)، ما إن وصلوا هناك حتى بدآ بتعبئة قاربهما بالبيض.

خسر الطبيب وزوج أخته معظم حمولتهما في طريق العودة، إذ كان البحر هائجاً لكنهما استطاعا ربح ما يقارب الـ3000 دولار. حيث قاما ببيع البيضة الواحدة بدولار في ذلك الوقت، أي ما يساوي ثلاثين دولاراً في وقتنا الحاضر.

بيوض طير المور. صورة: aquarium

لم يكن شكل بيض (المور) المقلي مثيراً للشهيّة، حيث يبقى بياض البيض شفافاً وذو ملمس جيلاتيني حتى بعد أن يتمّ طهوه جيداً، ولصفار البيضة لونٌ برتقالي، كما يترك البيض بعد بلعه نكهة سمكيّة نتنة، بالرغم من ذلك كان هذا البيض هو المصدر الوحيد المتوفر للبروتين بالنسبة للمنقبين عن الذهب، وهكذا كانوا مجبرين على تناوله ودفع ثمن باهظٍ لأجل شرائه.

لم يمض وقت طويل حتى اكتشف المزيد من الأشخاص هذه التجارة الرابحة، وهكذا اكتظت جزر (فارالون) بجامعي البيض، والذين في حقيقة الأمر كانوا يخاطرون بحياتهم، إذ كان عليهم تسلّق الجروف، وصعود منحدرات تترصد أسفلها صخور حادة بانتظار أن يسقط أحدهم، بالإضافة لذلك، فقد كان عليهم إبعاد النوارس ليستطيعوا جمع البيض بالآلاف.

يرتدي هذا الرجل ثياباً ملائمة لمهنة تجميع البيض، حيث تحوي ملابسه جيوباً لتسهل عليه عملية الجمع. صورة: Arthur Bolton/California Academy of Sciences

كان موسم وضع البيض محدداً بين شهري مايو ويوليو، ويبدأ موسم الجمع بعدها بوقت قصير. كان على البيض الذي يتم بيعه أن يكون طازجاً وإلا فلن يشتريه أحد، وهكذا حرص الجامعون على تدمير البيوض التي لم يستطيعوا حملها لكي يتأكدوا أنهم حين يعودون في اليوم التالي ستكون جميع البيوض التي سيحصلون عليها قد وضعت حديثاً. وبعد انتهاء موسم الجمع، يكون العدد الكلي لما قد تم جمعه قد قارب الـ500 ألف بيضة.

وجدت العديد من الشركات التي عملت على تشغيل الأشخاص في جمع البيض، وقد كان التحدي قوياً فيما بينها. فحدثت العديد من المشادات والمشاجرات بين الناس، وقد وصل الأمر في بعض الأحيان لأن قام البعض بطعن بعضهم الأخر، بل وأطلقوا النار على بعض.

تجميع البيض في جزيرة فارالون الجنوبية. صورة: Eadweard Muybridge

حدثت في إحدى ليالي شهر يوليو من عام 1863م أن التقى على إحدى جزر (فارالون) مجموعة من الصيادين الإيطاليين بمجموعة مسلحة من قبل شركة كان يطلق عليها The Pacific Egg Company، وقد تبادل الطرفان طوال الليل التهديدات والشتائم. عند الفجر، وبينما حاول الصيادون أن يرسوا على الشاطئ، قام أفراد من الشركة بالبدء بإطلاق النار عشوائيّاً عليهم، وهكذا بدأت معركة بين الطرفين، أدت في نهاية الأمر إلى مقتل شخصين من الطرفين وإصابة أكثر من ستة أشخاص.

مجموعة من الرجال ينظفون صيد أسبوع من بيوض الطيور. صورة: Arthur Bolton/California Academy of Sciences

قامت الحكومة بحل المشكلة بأن منحت صلاحية كاملة لشركة The Pacific Egg على كامل الجزر، وعلى عملية بيع البيض. وطوال سنتين، قامت الشركة بالجمع الجائر للبيض من على الجزر، ما جعل عدد الطيور ينخفض من 500 ألف طائر إلى 6 الآف طائر. ولحسن الحظ، مُنع جمع البيض نهائيّاً عام 1881م، وقد تعافت أعداد الطيور، والآن يوجد ما يقارب 160 ألف زوج من الطيور على جزر (فارالون).

جاري التحميل…

0