in

لمحة تاريخية عن إحدى أبشع الحروب في تاريخ البشرية: حرب فيتنام

حرب فييتنام

حرب فيتنام هي صراع طويل ومكلف ومدمر اندلع بين الحكومة الشيوعية لفيتنام الشمالية، وبين فيتنام الجنوبية وحليفها الرئيس: الولايات المتحدة. وهناك عدة أسماء لهذا الصراع، كالحرب الهندوصينية الثانية، أو حرب المقاومة ضد أمريكا.

تصاعد الصراع في أعقاب الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي. ونجم عنه أكثر من 3 مليون قتيل، من بينهم 58 ألف أمريكي، بينما كان عدد المدنيين الفيتناميين أكثر من النصف. كان لتلك الحرب عواقب عالمية أيضاً، فانقسم الشارع الأمريكي بين مؤيد ومعارض لتلك الحرب، واستمرت معارضة الأمريكان حتى بعدما أعلن الرئيس (ريتشارد نيكسون) عن سحب القوات الأمريكية في عام 1973. أنهت القوات الشيوعية الفيتنامية الحرب عندما فرضت سيطرتها على جنوب فيتنام في عام 1975، وتوحد الشعب الفيتنامي ضمن جمهورية فيتنام الاشتراكية في العام التالي.

لكن حرباً كهذه من الصعب اختصارها في بضعة أسطر، لذا سنتحدث في هذه المقالة، وبشكل مختصر، عن أهم أسباب اندلاع تلك الحرب وما حصل خلال السنوات التي استمر فيها الصراع، وكيف انتهت، وما النتائج والعواقب المترتبة عليها. حيث كان الأمريكيون غير متفائلين بنجاح قواتهم أثناء الحرب، وعند انتهائها، أصبحت تلك الحرب بمثابة تذكارٍ للأمريكين كي يتجنبوا الإقدام على خطوات مماثلة في سياساتهم المستقبلية.

جذور حرب فيتنام

لن نتكلم كثيراً عن الحقبة التي كانت فيها فيتنام ترزح تحت وطأة الاستعمار الفرنسي، لكن من المعروف أن فرنسا احتلت تلك المنطقة منذ القرن التاسع عشر واستمر الوضع كذلك لـ 6 عقودٍ من الزمن، وأصبحت تعرف باسم مستعمرة الهند الصينية الفرنسية. لكن في عام 1940، احتلت اليابان جزءاً من فيتنام، وفي عام 1941، كان الفيتناميون يحاربون قوتين محتلتين: فرنسا واليابان. لذا جاء دور الرجل المنقذ وقتها (هو تشي منه)، وهو الثوري الفيتنامي الشيوعي الذي أمضى 30 سنة وهو يجوب العالم، وأعجب كثيراً بالشيوعية السوفياتية، فأسس ما يُعرف بـ «الفيت مين» أو «اتحاد استقلال فيتنام» عام 1941 للمطالبة باستقلال فيتنام عن فرنسا ودحر المحتل الياباني.

مع اقتراب الحرب العالمية الثانية من نهايتها وهزيمة اليابان، سحبت الأخيرة قواتها من فيتنام وتركت الامبراطور (باو داي) ليحكم البلد، وهو شخص متشبع بالثقافة الفرنسية وحليف جيد للاحتلال الفرنسي. لذا كان خروج اليابانيين فرصة ذهبية بالنسبة لـ (هو تشي منه) وقواته كي يحكموا سيطرتهم على البلد. وفعلاً هذا ما حصل، فاستولت قوات «فيت مين» على مدينة هانوي الشمالية، وأعلنوا عن قيام جمهورية فيتنام الديموقراطية برئاسة (هو تشي منه)، وحدث ذلك في الثاني من سبتمبر عام 1945. لم يعجب هذا الأمر الفرنسيين على الإطلاق، ولمّا يكونوا مستعدين للتخلي عن المستعمرة بتلك السهولة، فكان خيارهم هو القتال.

وجّهت فرنسا دعمها للامبراطور (باو)، وأسست دولة فيتنام في شهر يوليو من عام 1949 وكانت عاصمتها سايجون. في المقابل، حاول (هو تشي منه)، حتى خلال الحرب العالمية، استمالة الأمريكيين لصفه كي تدعمه الولايات المتحدة في صراعه ضد فرنسا. فمثلاً، وعلى مر السنين، كان (هو تشي منه) يزوّد القوات الأمريكية بمعلومات استخباراتية عن اليابان. لكن بالرغم من تلك المساعدة، كانت الولايات المتحدة تتبع سياسة الاحتواء، أي منع انتشار الشيوعية في جميع أنحاء العالم.

أراد الجانبان، الشمالي والجنوبي من فيتنام، أقامة دولة موحدة. لكن (هو تشي منه) وأتباعه أرادوا دولة بنظام حكم على شاكلة الدول الشيوعية، بينما أراد الامبراطور (باو) وشعبه أن يكون لبلدهم علاقات اقتصادية وثقافية جيدة مع الغرب.

كان دور الولايات المتحدة مفصلياً حتى قبل تدخلها العسكري. فانتشرت وقتها «نظرية الدومينو»، والتي تقول أنه إذا تشابهت أنظمة الحكم في الدول المتجاورة، وتغيّر نظام الحكم في إحداها، فسيؤدي ذلك إلى تغييرات متتالية في بقية أنظمة الدول. أي أن سقوط إحدى دول جنوب شرق آسيا بيد الشيوعيين يعني أن جميع الدول الأخرى المحيطة ستلاقي نفس المصير. لذا، ولمنع حدوث أسوأ كوابيس الأمريكيين، قررت الولايات المتحدة مساعدة فرنسا في قمع ثورة (هو تشي منه) وأتباعه، وأرسلت مساعدات عسكرية إلى الفرنسيين في عام 1950.

فرنسا خارجاً وأمريكا تتدخل

خريطة فيتنام بعد التقسيم
خطة تقسيم فيتنام وفقاً لمؤتمر جنيف. صورة: aetn

بعد استيلاء قوات (منه) على الشمال وإحكام السيطرة، نشب صراع بين القوات الشمالية والجنوبية لفيتنام، واستمر الوضع كذلك حتى انتصر قوات (منه) الشمالية في معركة «دين بين فو» في شهر مايو من عام 1954. خسر الفرنسيون في تلك المعركة، وقررت فرنسا الانسحاب من فيتنام، ما أنهى قرابة قرنٍ من الاستعمار الفرنسي للهند الصينية.

وُقعت بعدها معاهدة في شهر يوليو من عام 1954 في مؤتمر جنيف، فانقسمت فيتنام على شطرين يفصل بينهما خط العرض 17، وسيطر (هو تشي منه) على الجزء الشمالي، والامبراطور (باو) على الفسم الجنوبي. من قرارات المعاهدة أيضاً إجراء انتخابات لتوحيد البلاد في عام 1956.

لكن الولايات المتحدة رفضت إجراء انتخابات خوفاً من فوز الشيوعيين وإحكام سيطرتهم على المنطقة. لذا أجرى الجزء الجنوبي الانختابات فقط وبمساعدة أمريكية. وهنا، لا بد لنا من ذكر الدور الأمريكي في حرب الدعاية النفسية، والتي رهّبت المسيحيين في الشمال من الشيوعية ودفعتهم إلى الفرار نحو الجنوب. على أي حال، فاز في هذه الانتخابات زعيمٌ معارض للشيوعية بشدة، وهو (نغو دينه ديم)، وأصبح رئيس حكومة دولة فيتنام، والتي يُشار إليها عادة في تلك الحقبة بـ فيتنام الجنوبية. لكن كان لممارسات (نغو دينه ديم) أثر سلبي، فألغى مثلاً أي معارضة سياسية له في الجنوب، واضطهد الكثير من الجماعات السياسية بتهمة التحالف مع الشمال الشيوعي. كان حكم (ديم) أتوقراطياً بكل معنى الكلمة، وهذا ما أدى إلى زيادة التعاطف الشعبي مع الشيوعية في الجنوب.

لكن مع تزايد شدة ووتيرة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي، أعلن الرئيس الأمريكي حينها (دوايت آيزنهاور) دعمه المطلق لـ (ديم) وفيتنام الجنوبية.

رجل فيتنامي يعاني من المجاعة
رجل فيتنامي يعاني من نقص الغذاء والمجاعة. صورة: Wikipedia

تلقت قوات (ديم) تدريباً عسكرياً ومعدات من القوات الأمريكية ووكالة الاستخبارات المركزية CIA، فتعقب قوات الأمن ولاحقت المتعاطفين مع (منه) في الجنوب، وأُطلق عليهم اسم «فيت كونغ» أو الشيوعين الفيتناميين، واعتقلت نحو 100 ألف فيتنامي، تعرّض بعضهم لتعذيب وحشي وأُعدموا.

بحلول عام 1957، بدأ أنصار الشيوعية في الجنوب والمعارضون لنظام (ديم) القمعي قتالاً مع السطلة، فنفذوا هجمات على المسؤولين الحكوميين وأهداف أخرى تابعة لنظام (ديم)، وبحلول عام 1959، اشتبكوا مع الجيش الفيتنامي الجنوبي.

في شهر ديسمبر من عام 1960، أسس معارضو نظام (ديم) في فيتنام الجنوبية –منهم الشيوعيون ومنهم غير شيوعيين –جبهة التحرير الوطنية لتنظيم المقاومة. أعلنت الجبهة أنها منظمة مستقلة وأغلب أعضائها من غير الشيوعيين، لكن الولايات المتحدة اعتبرتها تابعة للشيوعيين في هانوي، في فيتنام الشمالية.

نظرية الدومينو

أرسل الرئيس جون فيتزجيرالد كينيدي عام 1961 فريقاً لجمع تقاريرٍ عن حالة جنوب فيتنام، وبناء قاعدة عسكرية أمريكية هناك، وتوفير المساعدة المالية والتقنية لحكومة (ديم) كي يواجه الفيت كونغ. ووفقاً لنظرية الدومينو التي أوضحناها مسبقاً، تخوّف الأمريكان من انتشار الشيوعية في دول جنوب شرق آسيا، فزاد الرئيس (كينيدي) من المساعدات الأمريكية، لكنه لم يحبّذ التدخل العسكري الكامل.

بحلول عام 1962، كان تعداد القوات الأمريكية الموجودة في جنوب فيتنام نحو 9000 جندي، بينما كان الرقم لا يتعدى 800 في الخمسينيات.

خليج تونكين

حادثة خليج تونكن
حادثة خليج تونكن.

نجح بعض الجنرالات في جنوب فيتنام بانقلاب عسكري على السلطة، وقتلوا (ديم) وشقيقه (نغو دينه نهو) في شهر نوفمبر من عام 1963، وذلك قبل 3 أسابيع فقط من اغتيال الرئيس الأمريكي (كينيدي) في دالاس بولاية تكساس.

أدى اختلال توازن القوى وعدم الاستقرار السياسي في جنوب فيتنام إلى اقتناع الرئيس الأمريكي الجديد (ليندون بي. جونسون) ووزير الدفاع (روبرت مكنمارا) بضرورة زيادة تعداد القوات الأمريكية في فيتنام، وتقديم المزيد من الدعم المالي.

في شهر أغسطس من عام 1964، هاجمت زوارق طوربيد تابعة لفيتنام الشمالية مدمرتين أمريكيتين في خليج تونكين. فأمر الرئيس (جونسون) بتنفيذ إجراء انتقامي تمثّل بإلقاء القنابل على أهداف عسكرية في فيتنام الشمالية.

وبعد فترة قصيرة، وافق الكونغرس الأمريكي على مقررات خليج تونكين، والتي منحت الرئيس الأمريكي (جونسون) الضوء الأخضر لممارسة سلطته فيما يتعلق بهذه الحرب، فأمر الطائرات الأمريكية إجراء غارات على أهداف معينة وإلقاء القنابل عليها. عُرفت تلك العملية بالاسم الرمزي «عملية هزيم الرعد».

لم يقتصر إلقاء القنابل على فيتنام، فمنذ عام 1964 وحتى عام 1973، ألقت الولايات المتحدة مليوني طن من المتفجرات على الدول المجاورة لفيتنام مثل لاوس المحايدة، وهو ما عُرف لاحقاً بالحرب السرية في لاوس، والتي كان لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية دور قيادي فيها.

كان الهدف من تلك الحملة إيقاف تدفق المعدات والدعم إلى فيتنام الشمالية عبر سكة هو تشي منه، ومنع القوات الشيوعية في لاوس من الوصول إلى السلطة. فكانت نتيجة تلك الحملة أن أصبحت لاوس أكثر دولة تتعرض لغارات جوية في العالم أجمع بالنسبة لتعداد سكانها.

في شهر مارس من عام 1965، اتخذ (جونسون) قراراً –بتأييد شعبي من الشارع الأمريكي –بإرسال القوات المحاربة الأمريكية إلى ساحات المعارك في فيتنام. وبحلول شهر يونيو، تمركز 82 ألف جندي أمريكي في فيتنام، ودعا القادة العسكريون الأمريكيون إلى إرسال 175 ألف جندي آخر مع نهاية عام 1965 لدعم جيش فيتنام الجنوبية الذي كان يكافح من أجل البقاء.

تخوّف بعض مستشاري الرئيس الأمريكي من هذا التصعيد، ومن الحرب بأكملها خاصة مع تنامي الحركات المعادية للحروب. لكن (جونسون) وافق على إرسال 100 ألف جندي إضافي بحلول نهاية شهر يونيو من العام ذاته، و100 ألف جندي آخر في عام 1966. وبالإضافة إلى الولايات المتحدة، أرسلت كوريا الجنوبية وتايلاندا وأستراليا ونيوزيلاندا قواتها للقتال بجانب قوات فيتنام الجنوبية، ولو أن عدد قوات تلك الدول كان أصغر بكثير.

ويليام ويستمورلاند

ويليام ويستمورلاند
ويليام ويستمورلاند.

بالإضافة إلى الغارات الجوية على شمال فيتنام، شنّ الأمريكان والفيتناميون الجنوبيون حرباً عسكرية على الأرض تحت قيادة الجنرال (ويليام ويستمورلاند)، بالتعاون مع حكومة الجنرال (نوين فان ثيو) في سايغون.

اتبع (ويستمورلاند) سياسة الاستنزاف، فكان هدفه قتل أكبر عددٍ من جيش العدو بدلاً من تأمين المساحات التي سيطروا عليها. بحلول عام 1966، تحوّلت مساحات كبيرة من أراضي فيتنام الجنوبية إلى ”مناطق خالية من إطلاق النار“، ومن المفترض أن يُجلى جميع المدنيين في تلك المناطق ويبقى العدو الشمالي فقط. لكن القصف الكثيف من طائرات B–52 جعل تلك المناطق غير قابلة للسكن، فتدفق اللاجئون إلى المعسكرات والمخيمات في المناطق الآمنة قرب سايغون والمدن الأخرى.

ومع تصاعد عدد القتلى من الطرف الشمالي باستمرار (بالغت الولايات المتحدة وفيتنام الجنوبية في عدد القتلى من الطرف الشمالي في بعض الأحيان)، لكن قوات الفيت كونغ وفيتنام الشمالية رفضت وقف القتال، ودفعتهم إمكانية استرجاع الأراضي المحتلة بالعتاد العسكري والقوة المحاربة، واللذان يصلان من كمبوديا ولاوس عبر سكة هو تشي منه. بالإضافة طبعاً إلى دعم الصين والاتحاد السوفياتي المقدم لفيتنام الشمالية من أجل تقوية دفاعاتها الجوية.

الاحتجاجات على حرب فيتنام

مظاهرة في نيويورك ضد الحرب
مظاهرة في نيويورك من عام 1968 ضد حرب فيتنام. صورة: AP Images

بحلول شهر نوفمبر من عام 1967، وصل عدد الجنود الأمريكيين في فيتنام إلى 500 ألف، وتجاوزت خسائر الولايات المتحدة في الأرواح 15 ألف جندي، بينما أصيب 109 آلاف جندي آخرون. ومع تصاعد وتيرة الحرب، فقد بعض الجنود ثقتهم بالحكومة الأمريكية وخيارها بالاستمرار في خوض تلك الحرب وإرسال الجنود إلى فيتنام، وبرز تململ الجنود من ادعاءات واشنطن المتكررة بأن الولايات المتحدة على وشك الفوز في الحرب، مع أن ذلك لم يكن ملموساً على الإطلاق.

شهدت الأعوام التالية للحرب تدهور الصحة النفسية والجسدية للجنود الأمريكيين –سواء المتطوعين أو المجندين –وبرز تعاطي المخدرات وتعرّض بعضهم لاضطراب الصدمة التالي للكرب PTSD، بالإضافة إلى تمرّد بعض الجنود ومهاجمة بعضهم الضباط الأعلى رتبة.

بين شهر يوليو من عام 1966 وشهر ديسمبر من عام 1973، انشق أكثر من 503 آلاف عسكري أمريكي، وبرزت حركة قوية مناهضة للحرب بين القوات الأمريكية، ما أدى إلى اندلاع مظاهرات عنيفة في الولايات المتحدة، فقُتل واعتقل الموظفون الأمريكان العاملون في فيتنام، وأيضاً في الولايات المتحدة.

مظاهرة في أمستردام ضد الحرب
مظاهرة في أمستردام ضد الحرب على فيتنام. صورة: Wikipedia

شهد الأمريكيون على أجهزة التلفاز في وطنهم صور القصف والغارات الجوية المروّعة، كما علموا بمعارضة الجنود الأمريكيين على الجبهة تلك الحرب: لذا، في أكتوبر من عام 1967، تجمّع نحو 35 ألف شخصٍ أمام البنتاغون الأمريكي في مظاهرةٍ لرفض الحرب على فيتنام. وادعى معارضو الحرب أن المدنيين هم الضحايا الرئيسيون وليس القوات الفيتنامية الشمالية، وادعوا أن الولايات المتحدة تدعم دكتاتورية فاسدة في سايغون.

هجوم تيت

قوات الفيت كونغ
قوات الفيت كونغ وهي تعبر إحدى الأنهار. صورة: Wikipedia

مع نهاية العام 1967، بدأ صبر القيادة الشيوعية في هانوي بالنفاذ أيضاً، وقرروا إلحاق ضربة هائلة بالأمريكان وتجبرهم على فقدان الأمل بالنصر.

وفي الحادي والثلاثين من شهر يناير عام 1968، أطلق نحو 70 ألف جندي من فيتنام الشمالية، تحت قيادة الجنرال (فو نوين جياب)، ما عُرف بـ «هجوم تيت» (وسُمي وفقاً لرأس السنة القمرية»، وهو عبارة عن سلسلة من الهجمات الحاسمة على أكثر من 100 مدينة وبلدة في فيتنام الجنوبية.

كان الهجوم مفاجئاً للولايات المتحدة وفيتنام الجنوبية، لكن استطاعت الدولتان الرد بسرعة، ولم يستطع الشيوعون الاحتفاظ بالأهداف التي تحصّلوا عليها لأكثر من يومٍ أو يومين.

لكن وقع ذلك الهجوم كان مختلفاً على الرأي العام الأمريكي، فصُعق المواطنون الأمريكان بما حصل، خاصة بعد توارد أنباء عن طلب الجنرال (ويستمورلاند) 200 ألف جندي إضافي، بالرغم من تأكيد الحكومة الأمريكية مراراً وتكراراً أن النصر قريب. ومع تدني شعبية (جونسون) لدى الشارع الأمريكي، ومع اقتراب سنة الانتخابات، دعى الرئيس الأمريكي إلى إيقاف عمليات القصف الجوي في معظم مناطق فيتنام الجنوبية (بينما استمر القصف في الجنوب) ووعد بتكريس ما تبقى له من فترته الرئاسية محاولاً تحقيق السلام، لا إعادة الانتخاب.

لاقت خطة (جونسون)، التي تحدّث عنها في خطاب من عام 1968، ردود فعلٍ إيجابية من هانوي، وافتُتحت محادثات السلام بين فيتنام الشمالية والولايات المتحدة الأمريكية في باريس في شهر مايو من ذاك العام. وبالرغم من إدخال فيتنام الجنوبية في الحوار، وصلت المحادثات في النهاية إلى طريق مسدود، وعقب موسم انتخابي صعب في الولايات المتحدة عام 1968، وصل الجمهوري (ريتشارد إم. نيكسون) إلى رئاسة البيت الأبيض.

«الفَتْنَمة» أو Vietnamization

إطلاق النار على رجل فيتنامي
توثق هذه الصورة مقتل رجل من الفيت كونغ على أيدي شرطة فيتنام الجنوبية. صورة: Rare Historical Photos

حاول (نيكسون) تقليص زخم الحركة المعادية للحرب، فالتمس انتباه الـ ”الأغلبية الصامتة“ من الأمريكيين، والذين اعتقد (نيكسون) أنهم يدعمون الحرب في فيتنام. حاول الرئيس أيضاً الحدّ من حجم الخسائر الأمريكية، فأعلن عن برنامجٍ أُطلق عليه اسم «الفتنمة»: ويتمثل بسحب القوات الأمريكية المتمركزة في فيتنام، وزيادة الغارات الجوية والمدفعية، ومدّ قوات فيتنام الجنوبية بالتدريب والعتاد الكافيين لإحكام سيطرتهم على الحرب.

وبالإضافة لسياسة الفتنمة، استمر (نيكسون) في خوض محادثات السلام في باريس، وعيّن وزير الخارجية (هنري كسنجر) لإجراء محادثات سرية رفيعة المستوى، والتي بدأت في ربيع العام 1968.

أصر الفيتناميون الشماليون على انسحاب الولايات المتحدة غير المشروط، وإقصاء الجنرال (نوين فان ثيو) المدعوم من الولايات المتحدة، واعتبروا المطلبين السابقين شرطاً لإكمال محادثات السلام، فتوقفت المحادثات لهذا السبب.

مذبحة ماي لاي

مذبحة ماي لاي
صورة لمواطنين فيتناميين أثناء مذبحة ماي لاي عام 1968. صورة: World History Archive/Alamy

حملت الأعوام التالية المزيد من الفوضى والدمار، وأهم الجرائم التي وقعت هي ذبح أكثر من 400 مدني فيتنامي من قرية ماي لاي على يد جنودٍ أمريكيين في شهر مارس عام 1968.

استمرّت المظاهرات المعادية للحرب بعد المذبحة، وفي عامي 1968 و1969، اندلعت مئات التظاهرات والاحتجاجات والمسيرات والتجمعات على طول البلاد.

في الخامس عشر من شهر نوفمبر عام 1969، وقعت أضخم مظاهرة معادية للحرب في تاريخ الولايات المتحدة، وكانت في العاصمة الأمريكية واشنطن. تجمع حينها نحو 250 ألف أمريكي بشكل سلمي، ودعوا إلى سحب القوات الأمريكية من فيتنام.

اكتسبت الحركة المعادية للحرب زخماً في الجامعات الأمريكية، وقسمت المجتمع الأمريكي بشدة. فرمزت الحرب للشباب مثلاً إلى السلطة التي تفعل ما تشاء بدون اعتبار لرأي الشعب. أما بخصوص مؤيدي الحرب، فاعتبروا أن معارضة الحكومة تصرّف غير وطني، بل أشبه بالخيانة.

سُحبت أول دفعة من الجنود الأمريكيين، لكن ازداد غضب وإحباط من بقي منهم في فيتنام، تدنت معنويات الجنود وبرزت مشاكل بينهم وبين القيادة العسكرية. طُرد عشرات آلاف الجنود من السلك العسكري بسبب فرارهم من الجيش، وتخلّف نحو 500 ألف أمريكي في وطنهم بين عامي 1965 و1973 عن الالتحاق بالجيش، وهرب الكثير منهم إلى كندا لتجنب التجنيد. أنهى (نيكسون) التجنيد عام 1972، وأصبح الالتحاق تطوعياً بدءاً من العام التالي.

حادثة كينت ستيت

حادثة جامعة كينت
قوات الحرس الوطني في أوهايو وهي تتصدى لمظاهرة في جامعة كينت عام 1970. صورة: Kent State University Libraries

في عام 1970، غزت قوات أمريكية جنوب فيتنامية مشتركة أراضي كمبوديا، بهدف تدمير قواعد القوات الفيتنامية الشمالية هناك، والتي يعتمد الشيوعيون عليها في تزويدهم بالدعم الكافي. قاد الفيتناميون الجنوبيون حملة أخرى لوحدهم في لاوس، لكن قوات فيتنام الشمالية دحرتهم من هناك.

أشعل غزو البلدين السابقين، والمخالف قطعاً للقانون الدولي، موجة جديدة من الاحتجاجات في الجامعات وحرم الجامعات عبر الولايات المتحدة الأمريكية. في إحدى الاحتجاجات، والتي وقعت في الرابع من شهر مايو عام 1970 في جامعة كينت ضمن أوهايو، أطلق الحرس الوطني الأمريكي النار على المتظاهرين وقُتل 4 طلاب. وفي مسيرة احتجاجية أخرى بعد 10 أيام من السابقة، قُتل طالبان من جامعة جاكسون في مسيسيبي على يد الشرطة الأمريكية.

وبحلول نهاية صيف عام 1972، عقب فشل عملية الهجوم على فيتنام الجنوبية، رغب هانوي أخيراً بإجراء المفاوضات. توصل (كيسنجر) وممثلوا فيتنام الشمالية إلى اتفاقية سلام بحلول أول الخريف، لكن القادة في سايغون رفضوا الاتفاقية، وفي شهر ديسمبر من العام ذاته، أمر (نيكسون) بتنفيذ المزيد من الغارات الجوية على أهدافٍ في مدينتي هانوي وها فونغ. جذبت تلك الغارات إدانة المجتمع الدولي للولايات المتحدة.

متى انتهت حرب فيتنام؟

عملية هزيم الرعد
إلقاء القنابل على فيتنام خلال عملية هزيم الرعد. صورة: Wikipedia

في شهر يناير من عام 1973، أجرت الولايات المتحدة الأمريكية وفيتنام الشمالية اتفاقية السلام الأخيرة، وأنهت الدولتان بذلك الصراع بينهما. استمرّت الحرب بين شطري فيتنام الشمالي والجنوبي حتى 30 أبريل من عام 1975، احتلت حينها قوات فيتنام الشمالية العاصمة الجنوبية سايغون، وسُميت لاحقاً بـ «هو تشي منه» –بالرغم من أن القائدة (هو تشي منه) توفي عام 1969.

كانت لتلك الحرب الطويلة والمروعة، والتي امتدت لعقدين من الزمن، آثار مدمرة على سكان فيتنام، فبعد سنتين فقط من الحرب، قُتل نحو مليوني فيتنامي، وأُصيب 3 مليون شخص، وهُجّر نحو 12 مليون فيتنامي. قضت الحرب على البنية التحتية والاقتصاد في البلد، وكانت عمليات إعادة الإعمار بطيئة جداً.

إحدى مقاتلات الفيت كونغ
صورة لمقاتلة من الفيت كونغ تعود لعام 1972. صورة: Le Minh Truong

في عام 1976، توحّدت فيتنام تحت اسم «جمهورية فيتنام الاشتراكية»، لكن بقي العنف مستمراً لأكثر من 15 سنة، بالرغم من أن مناطق النزاع كانت متفرقة، لكنها امتدت لتشمل الدول المجاورة لفيتنام مثل الصين وكمبوديا.

شهد اقتصاد البلد تحسناً عندما دخلت فيتنام اقتصاد السوق الحرة عام 1986، وساهمت عائدات تصدير النفط وتدفق رأس المال الأجنبي في تحسين الوضع الاقتصادي للبلد. عادت أيضاً العلاقات التجارية والدبلوماسية بين فيتنام والولايات المتحدة في تسعينيات القرن الماضي.

في الولايات المتحدة، استمرّ أثر الحرب الفيتنامية حتى بعد عودة آخر جندي أمريكي إلى الوطن عام 1973. فخلال الحرب، أنفقت الولايات المتحدة أكثر من 120 مليار دولار على النزاع الفيتنامي بين عامي 1965 و1973، وأدى هذا الإنفاق الهائل إلى انتشار التضخم، والذي تفاقم تزامناً مع أزمة النفط العالمية عام 1973 وارتفاع أسعار الوقود بشكل جنوني.

أما من الناحية النفسية فكانت آثار الحرب أشد وطأة. أولاً، أنهت الحرب الأمريكية الفيتنامية أسطورة الدولة التي لا تُقهر، وقسمت الشارع الأمريكي إلى نصفين. فمثلاً، تعرّض الكثير من الجنود الأمريكيين العائدين للوطن إلى انتقادات سلبية من الطرفين الأمريكيين: فاعتبرهم معارضوا الحرب قتلة ومجرمين، بينما اعتبرهم داعموا الحرب سبباً في خسارة بلدهم، ناهيك عن الضرر الجسدي الناجم عن التعرّض لمواد كيميائية سامة، كالعامل البرتقالي كما دُعي وقتها، وهو عبارة عن مبيد عشبي قوي ألقته طائرات الولايات المتحدة على غابات فيتنام بكمية تُقدر بملايين الغالونات.

في عام 1982، شُيّد نصب تذكاري للمحاربين الأمريكيين الذين لقوا حتفهم في فيتنام، وكان موقع النُصب في العاصمة واشنطن، وكتُب عليه أسماء نحو 58000 جندي وجندية أمريكية قُتلوا أو اختفوا خلال فترة الحرب.

كانت حرب فيتنام مثالاً بشعاً على الغطرسة الأمريكية وتدخلها في جميع شؤون العالم، ويبدو أنها لعبت دوراً كبيراً في التأثير على السياسة الأمريكية اللاحقة. وهكذا، بقيت أسطورة مزارعي الأرز الذين هزموا أقوى دولة في العالم، لكن تكلفة هذه القصة البطولية كانت ضخمة ومدمّرة جداً.

جاري التحميل…

0