in

أكثر الحروب الأهلية التي شهدتها البشرية دمويةً… ستبقى وصمة خزي في التاريخ

حروب أهلية من التاريخ يندى لها الجبين راح ضحيتها مئات الآلاف، لا لشيء سوى اختلافٍ في العقليات والثقافات.

تعتبر الحروب الأهلية مؤشراً بغيضاً على أن الأشخاص، جميع الأشخاص، حتى أولئك الذين يرتبطون ارتباطًا وثيقًا بالعرق والثقافة والتاريخ والجغرافيا، يملكون اختلافات عميقة وأسباباً لمحاربة بعضهم البعض بدم بارد. بالنسبة للعُقّل فإنها أكثر أنواع الحروب إثارة للخزي والعار، وصدق الشاعر والكاتب الفرنسي (فرانسوا فنلون) عندما قال: ”كل الحروب حروب أهلية، لأن كل الرجال إخوة“.

تعرّف معنا في هذه المقالة على حروب أهلية من التاريخ يندى لها الجبين، راح ضحيتها الملايين لا لشيء سوى اختلافٍ في العقليات والثقافات.

1. الحرب البوسنية 1992–1995

مشيعو ضحايا سريبرينيتشا سنة 1995. صورة: ANDREW TESTA/PANOS
مشيعو ضحايا سريبرينيتشا سنة 1995. صورة: Andrew Testa/PANOS

كانت الحرب البوسنية نزاعًا وحشيًا معقدًا وشنيعًا أعقب سقوط الشيوعية في أوروبا. ففي عام 1991 انضمت البوسنة والهرسك إلى العديد من جمهوريات يوغوسلافيا السابقة وأعلنت استقلالها، فاندلعت حرب أهلية استمرت لمدة أربع سنوات. كان سكان البوسنة مزيجًا متعدد الثقافات من المسلمين البوسنيين والصرب الأرثوذكس والكروات الكاثوليك.

قام الصرب البوسنيون، المسلحون تسليحًا جيدًا والمدعومون من صربيا المجاورة، بحصار مدينة سراييفو في أوائل نيسان عام 1992، واستهدفوا بشكل أساسي السكان المسلمين، لكنهم قتلوا العديد من الصرب والكروات البوسنيين الآخرين بهجمات الصواريخ وقذائف الهاون والقناصة التي استمرت قرابة ثلاثة أعوام ونصف. قُصفت العاصمة البوسنية ونفذت القوات الكرواتية والصربية القومية هجمات ”تطهير عرقي“ وحشية في جميع أنحاء الريف. أخيرًا وفي عام 1995 ساعدت الغارات الجوية وعقوبات الأمم المتحدة على جمع كل الأطراف إلى اتفاق سلام. تختلف تقديرات الضحايا في الحرب على نطاق واسع، حيث تتراوح بين 90.000 إلى 300.000.

2. الحرب الأهلية النيجيرية 1967–1970

مهجرون جراء الحرب الأهلية
رعب حقيقي أصاب الشعب النيجيري جراء الحرب الأهلية التي استمرت لعقود. صورة: quartz/pinterest

نتجت الحرب الأهلية النيجيرية، والمعروفة أيضًا باسم بيافرا، عن التوترات الاقتصادية والعرقية والثقافية والدينية بين مختلف شعوب نيجيريا. ومثل العديد من الدول الإفريقية الأخرى، كانت نيجيريا عبارة عن إحدى منتجات الإمبريالية والتي أنشأها البريطانيون في هذه الحالة مهملين الاختلافات الدينية واللغوية والعرقية حينما رسموا حدود البلد الجديد.

بدأت الحرب الأهلية في 6 تموز 1967 عندما تقدمت القوات الفيدرالية النيجيرية على محورين في بيافرا، بلغ عدد سكان نيجيريا، التي حصلت على استقلالها عن بريطانيا عام 1960، في ذلك الوقت ستين مليون نسمة مؤلفة من حوالي ثلاثمائة مجموعة عرقية وثقافية مختلفة. كلفت الحرب نيجيريا الكثير من الأرواح والمال وأضاعت مكانة الدولة في العالم. تشير التقديرات إلى أن ما يصل إلى ثلاثة ملايين شخص قد لقوا حتفهم بسبب الحرب، معظمهم من الجوع والمرض، وهي واحدة من أكثر الحروب الأهلية دموية في العقود القليلة الماضية.

3. حرب الألف يوم 1899–1902

لوحة تصور الحرب الأهلية الكولومبية
لوحة تصور الحرب الأهلية الكولومبية.

هي حرب أهلية كولومبية نشبت بين حزب المحافظين والحزب الليبرالي وفصائله الراديكالية، وأسفرت عن مقتل أكثر من 100.000 شخص وإلحاق أضرار جسيمة بالممتلكات وتدمير الاقتصاد الوطني.

مثّل الحزب الليبرالي أصحاب مزارع البن والأثرياء والتجار الذين فضلوا سياسة اقتصادية معينة، فتم استبعادهم إلى حد كبير من المشاركة في الحكومة بعد انتصار المحافظين في عام 1885 وتأثروا أكثر بسبب التراجع الحاد في السعر الدولي للبن.

بحلول عام 1899 كان العديد من مزارعي القهوة من دون إنتاجٍ أو عمل فعلي ما أدى لاندلاع حرب عصابات غير منظمة ولكنها مؤذية للغاية في المناطق الريفية خلال السنوات الثلاث التالية، فقادت لتدمير كبير للممتلكات وفقدان الأرواح.

غير قادرين على تهدئة الريف بالقوة، عرض المحافظون أخيراً العفو والإصلاح السياسي في عام 1902، وبحلول تشرين الثاني من نفس العام استسلم الزعيمان الليبراليان الأكثر أهمية، (رافائيل أوريبي) و(بنجامين هيريرا)، لمعاهدات السلام التي وعدت بالعفو وإجراء انتخابات حرة وإصلاح سياسي.

4. الحرب الأهلية السريلانكية 1983–2009

مقاتلان من التاميل
مقاتلان من التاميل في شمالي سريلانكا خلال الحرب ضد الجيش السريلانكي. يملك جميع مقاتلي التاميل كبسولة مسممة حول أعناقهم كي ينهوا حياتهم قبل أن يُلقى القبض عليهم. صورة: In Pictures Ltd./Corbis via Getty Images

في نيسان عام 2011، أصدرت الأمم المتحدة تقريراً عن انتهاكات حقوق الإنسان خلال المرحلة الأخيرة من الحرب الأهلية السريلانكية المستمرة منذ ستة وعشرين عامًا، أشار التقرير إلى أن عدد الضحايا تجاوز 100000 شخص.

وقعت الحرب بين «جبهة نمور تحرير إيلام تاميل» التي طالب بإنشاء دولة تاميلية مستقلة تسمى إيلام تاميل في شمال وشرق الجزيرة من جهة وبين الحكومة المحلية من جهة أخرى، وتشير التقديرات إلى أن 40.000 مدني على الأقل لقوا حتفهم في الأشهر الخمسة التي سبقت نهاية الحرب في أيار 2009، عند استسلام النمور.

استقبل معظم السكان المحليين نهاية الحرب الأهلية بالابتهاج والتهليل، لكن على الرغم من توقف القتال، إلا أن استعادة حكم القانون والتحقيق المناسب في انتهاكات الحقوق وجرائم الحرب المزعومة من قبل الجانبين لم تحدث بعد. في 12 شباط 2013 صرّحت المفوضة السامية لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة (نافي بيلاي) بأن سريلانكا قد أوفت بوعدها بتحسين حقوق الإنسان، وإنها فشلت في التحقيق في الفظائع التي ارتكبت أثناء الحرب.

5. الحرب الأهلية الأنغولية 1975–2002

جنود تابعون قوات الـ UNITA
جنود تابعون قوات الـ UNITA وهم يسلمون أسلحتهم إلى المراقبين الحكوميين عقب انتهاء الحرب عام 2002.

ناضل شعب أنغولا باستبسال ضد الاحتلال والطغيان لكسب استقلالهم عن قوى الاستعمار البرتغالية، لكن بعدما أصبحت أنغولا أمة حرة، كانت للسلطات المحلية والأجنحة السياسية مطامع في السيطرة على الدولة المشكلة حديثًا.

بدت الحرب الأهلية وكأنها حتمية، فالسبب الرئيسي لها، حسب مراجعة تاريخ الصراع، أنها كانت صراعاً على السلطة من الأساس بين اثنتين من حركات التحرر السابقة: الحركة الشعبية لتحرير أنغولا (MPLA) والاتحاد الوطني للاستقلال الكامل لأنغولا (UNITA)، ما قاد إلى واحدة من أكثر الحروب الأهلية دموية وأطولها في التاريخ الحديث، حيث استمرت ما يقرب من سبعة وعشرين عامًا.

بدأت الحرب فور استقلال أنغولا عن البرتغال في عام 1975، وانتهت أخيرًا عندما قُتل (جوناس سافيمبي)، قائد يونيتا، من قبل القوات الحكومية في عام 2002. وافق الجانبان على وقف إطلاق النار وسرعان ما أعقب ذلك إجراء انتخابات. خلفت الحرب ما لا يقل عن 500.000 من الضحايا، واقتصاد دولة جديدة في حالة خراب تام.

6. الحرب السرية أو الأهلية اللاوسية 1953–1975

صواريخ أمريكية
القوات الجوية الأمريكية تُحضر صواريخ AIM-7E Sparrow في قاعدة جوية في فيتنام. لكنها تفجرت في لاوس في الثاني والعشرين من مارس آذار عام 1968 بعد خلل تقني. صورة: Flickr/manhhai

كانت ”الحرب السرية“ في لاوس جريمة ارتكبتها الحكومة الأمريكية (والتي تم اعتبارها حقيقة تاريخية الآن وليست رأيًا شخصيًا)، وذلك كونها حرباً بالوكالة خلال حقبة الحرب الباردة بين الشيوعية وأمريكا. سُمي النزاع باسم ”الحرب السرية“ عند شعبة الأنشطة الخاصة في وكالة الاستخبارات المركزية وقدامى المحاربين الهمونغ، وتميزت هذه الحرب بالتخطيط السياسي الغارق في الجهل والخداع والسعي وراء المصالح الفردية الضيقة، مع تجاهل تام للمشاكل الحقيقية والقضايا الملّحة.

وكالعادة فإن سعي الحكومات للسلطة والسيطرة كان له تكلفة بشرية باهظة، فتشير التقديرات إلى أن ما يصل إلى 450.000 مدني في لاوس و600.000 في كمبوديا قد لقوا مصرعهم في هذا النزاع، كما تجاوزت أعداد اللاجئين مليون شخص. وبالإضافة إلى ذلك، أدى الاستخدام الواسع للمواد الكيميائية السامة إلى حدوث أزمة صحية هائلة، والتي وقعت بطبيعة الحال على الأطفال والأمهات المرضعات وعلى المسنين والمرضى أكثر من غيرهم، وما زالت آثارها قائمة هذا اليوم.

7. الحرب الأهلية الصومالية 1991–مستمرة حتى الآن

الحرب الأهلية في الصومال
تفاقمت المجاعات في الصومال جراء الحرب الأهلية.

الصومال في الواقع موطن لعدد من الشعوب المختلفة والتي عارض العديد منها ديكتاتور الدولة (محمد سياد بري) في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي. رداً على ذلك، بدأ الرئيس مهاجمة الفصائل المعارضة بجيشه غير أنهم قاوموا حتى تمكنوا من إزاحته عن السلطة، لكنه كان لا يزال يحظى بشعبية لدى الكثير من الصوماليين، فاندلعت ثورة في أوائل التسعينيات لإعادته.

بعد عودته إلى السلطة، أعلن جزءٌ كبير من شمال الصومال استقلاله عن بقية البلاد رغم أنه لا يزال غير معترفٍ به إلى حد كبير. بعد سنوات من الحرب، صار الصومال في حالة خراب شبه تام مع تواصل إرسال الأمم المتحدة لقوات حفظ السلام لتسهيل عملية توزيع المساعدات وإعادة بناء المجتمع الصومالي. تشير التقديرات غير الرسمية إلى أن ما يقرب من مليون شخص فقدوا حياتهم جراء أسباب مرتبطة بهذه الحرب.

8. تمرد تايبينغ 1850–1864

قمع ثورة تايبينغ
لوحة رُسمت قرابة عام 1860 بعنوان “قمع ثورة تايبينغ”. صورة: Wikimedia Commons

واحدة من أكثر الحروب الأهلية التي عرفها العالم على الإطلاق دموية و وحشية، لا يوجد حدث آخر دمر الصين في القرن التاسع عشر مثل تمرد تايبينغ. ما أشعل هذه الحرب رجلٌ واحد من جنوب الصين اسمه (هونغ شيو تشيوان)، ذلك الرجل فشل في اختبارات الإمبراطورية (وهي نظام امتحانات الخدمة المدنية لاختيار المرشحين للعمل في الدولة) للمرة الثالثة في عام 1847 ليسقط في حالة من الهذيان الذي دام ثلاثين يومًا، وعندما تعافى اعتقد أنه تم اختياره لغزو البلاد، إذ ادعى أنه الشقيق الأصغر لـيسوع المسيح بعد أن زعم نزول وحي السماء عليه والذي أمره بتأسيس مملكة تايبينغ السماوية.

ومن خلال جمع أتباعه من الجماهير الفقيرة في البداية، بنى ومجندوه تدريجيًا جيشًا وتنظيمًا سياسيًا استمر في اجتياح الصين. بحلول أواخر خمسينيات القرن التاسع عشر، سيطر المتمردون على ثلث البلاد، فكانت حركتهم قوية وشعبية إلى درجة استنزفت فيها الحكومة المركزية ملايين الدولارات واستغرقت خمس عشرة سنة لهزيمتهم، ذلك في عام 1864 حينما تم قمع التمرد بوحشية بمساعدة من القوات الفرنسية والبريطانية. تشير التقديرات إلى وفاة أكثر من عشرين مليون شخص.

9. حرب الوردتين 1455–1485

تصويرٌ تخيلي لحرب الوردتين
تصويرٌ تخيلي لحرب الوردتين.

كانت حرب الوردتين من أهم الأحداث التاريخية في القرون الوسطى، وكان تأثيرها على إنجلترا هائلاً. تكونت هذه الحرب الأهلية من حروب متقطعة وقعت بين أفراد عائلة (لانكستر)، الذي كان رمزهم هو الوردة الحمراء، وآلـ (يورك) الذي كان رمزهم الوردة البيضاء، ومع ذلك تنتمي العائلتين إلى عائلة (بلانتاجانت) التي كانت تحكم انجلترا بسبب نسبهما إلى الملك (إدوارد الثالث).

بدأ التنافس على العرش في عام 1399 عندما خُلع الملك (ريتشارد الثاني) عن العرش على يد ابن عمه (هنري بولينجبروك) دوق لانكستر، لكن الحروب الفعلية لم تندلع حتى عام 1455 عندما هزم (ريتشارد)، دوق يورك، آلـ(لانكستر) في معركة سانت ألبانز الأولى وقتل عددًا من الأشخاص البارزين في الأسرة. انتهت الحروب بجمع الملك (هنري السابع) للعائلتين مؤسساً سلالة (تيودو)، ووحّد رمزا الورود البيضاء والحمراء لإنشاء (وردة تيودو)، يقدر عدد الضحايا ما بين 35.000 إلى 50.000 شخص.

10. تمرد لوشان 755–763

صورة: Wikimedia Commons

غالبًا ما يتم غض النظر عن هذه الحرب وتجاهلها، وهي بالتأكيد حرب أهلية تود الصين نسيانها، لكنها تبقى حتى يومنا هذا أشد الحروب الأهلية دموية في تاريخ العالم. تجاوز عدد القتلى تمرد تايبينغ، ولم يوازيه سوى حربان منذ ذلك الحين، إحداهما هي الحرب العالمية الثانية.

وقع تمرد (آن شي)، كما كان معروفًا أيضًا، خلال عهد أسرة (تانغ)، من 755 إلى 763م، وامتد لفترة حكم ثلاثة من أباطرة الأسرة حينما أعلن الجنرال (آن لوشان) نفسه امبراطوراً في شمال الصين، مؤسساً بذلك أسرة (يان) المنافسة. ولحسن حظ آلـ (تانغ)، سرعان ما بدأت أسرة (يان) في التفكك من الداخل.

في كانون الثاني من عام 757، ازداد استياء ابن (لوشان) من تهديدات والده ضد أصدقائه فقتلوه. بعد ذلك بوقت قصير قُتل الابن بدوره على يد (شي آن مينغ)، صديق (آن لوشان) القديم. حاول هذا الصديق مواصلة التمرد، لكن انتهى به الأمر أن قُتل على يد ابنه في عام 761. على الرغم من أن عائلة (تانغ) قد هزمت التمرد إلا أن الحرب تركت الإمبراطورية أضعف من أي وقت مضى، وقُدّر أن أكثر من خمسة وثلاثين مليون شخص فقدوا حياتهم خلال حمام الدم الفظيع هذا.

جاري التحميل…

0