in

حروب تاريخية حدثت لأسباب تافهة وغبية جداً

منذ أن تعلّم الإنسان كيفية صنع الأدوات لأول مرة وهو يستخدمها للنيل من أعدائه لمختلف الدوافع، ما جعل مسار التاريخ البشري يُخطّ عن طريق الحرب، وفقط من خلال المعارك؛ اكتسبت الدول استقلالها ووضعت الحدود بين الدول، وصعد الحكام إلى موقع الحكم ونالوا السلطان على مواقع جغرافية شاسعة.

رغم أن للحروب ما يبررها في بعض الأحيان، إلا أنه في بعض الحالات تصبح مصدرًا كبيرًا للعجب والاستغراب، فلم تخض كل الحروب لدوافع مُحقة أو حتى لأسباب عقلانية. ففي بعض الأحيان يخرج المنطق من الباب ويلقي بالعقل من النافذة.

إن التاريخ مليء بأمثلة للحكام الذين اعتبروا أصغر الأشياء إهانة لشخصهم أو للوطن، فيطلبون أو يُجبرون رجال هذا البلد أو ذاك على القتال من أجل ”شرفهم“. في أوقات أخرى، أثارت أتفه الأسباب غضب بلدان بأكملها، وتسببت في اشتباك دولتين في حرب عبثية راح ضحيتها أبرياء.

لذلك، سواء كان سبب الحروب لصون ماء الوجه أو لأسباب لا قيمة لها حقًا، فهناك حروب خيضت بشأن مسائل ستذهلك لمدى غباوتها، وستستغرب من وقوعها أصلًا. تابعوا معنا:

1. حرب البسوس

جمل في الصحراء العربية
إحدى أشهر الحروب في تاريخنا العربي هي حرب البسوس، والتي اندلعت من أجل ناقة. صورة: Wikipedia

اشتبكت قبيلتان من نجد في الجزيرة العربية قبل الحقبة الإسلامية دون هوادة على مدار أربعة عقود في حرب ضروس، قاتل المرء فيها ابن عمه، وسلبت الأراضي ونهبت الممتلكات ومات المئات، سبب الصراع؟.. ناقة.

فما بدأ كنزاع عائلي تافه، خرج عن نطاق السيطرة، وسرعان ما أصبحت حرب البسوس واحدة من النزاعات التي لا معنى لها على الإطلاق، وربما أكثرها سخافة في تاريخ البشرية.

وعلى عكس العديد من الحروب، التي تعتبر ذات أصول معقدة على أقل تقدير، فلا يوجد شك في المصدر والسبب الأولي لهذه الحرب، التي بدأت عندما ذهبت سيدة مسنة تنتمي إلى قبيلة بكر تدعى البسوس، لزيارة سيدة شابة اسمها جليلة بنت مراح وهي ابنة أختها، ومعها ابن شقيقتها جساس بن مُرّه، وجارها سعد بن شمس الجرمي القضاعي، والذي كانت له ناقة تسمى «سراب». أما جليلة كانت متزوجة من كليب زعيم قبيلة بني تغلب، وكما جرت العادة وصل الزائرون على ظهر الجمال، فسمحت السيدة العجوز للنوق بالرعي بعد أن حطّوا الرحال.

لكن كليب كان سيدًا لقبائل مَعد وملكا مفاخرًا عليهم يدعي حماية أراضيه وممتلكاته، لذا وعند رؤية ناقة غير معروفة بين قطعان جماله، حمل على الفور قوسه وقتلها. سرعان ما علمت البسوس بهذا الأمر ولم تكن سعيدة بما حدث على الإطلاق، بل استدعت ابن أختها جساس وطالبته بصون شرفها.

من المؤكد أن جساس استجاب لتعليمات خالته وقام دون تردد بقتل كليب الذي قتل الناقة. أدى ذلك إلى إطلاق سلسلة من الهجمات العنيفة بين القبائل المتنافسة، دون أن يكون لصلة الدم أي كُرمة كافية لتحقيق السلام.

حتى أن وساطة الغرباء لم تستطع الوصول بهذا النزاع إلى حلٍّ سلمي، بل على العكس، فتقول الحكاية أن حليفًا لقبيلة بكر أرسل ابنه للتفاهم مع قبيلة تغلب، حيث كان من المفترض أن يتم تقديم الأضاحي تماشياً مع العادات المحلية في ذلك الوقت لوقف سفك الدماء. لكن ما حدث كان له تأثير معاكس بالكامل، إذ قام بنو تغلب بقتل سفير السلام ما أدخل قبيلة ثالثة إلى الحرب، وتعهّد زعيمها بعدم الراحة حتى فناء بني تغلب من على الأرض، ربما هذا التعطش للانتقام هو الذي وضع حدًا نهائيًا لهذه الحرب التي لا معنى لها. فبعد وقت طويل فقدت الأطراف الثلاثة أعدادًا كبيرة من أهلها وسئمت جميعها القتال، وربما نسوا في المقام الأول لم كانوا يتقاتلون وعلى ماذا.

بما أنه لم يكن هناك فائز حقيقي، بل خاسرون فقط، فإن النزاع لم يدخل قائمة الحروب الكبرى، بل تبقى حرب البسوس ذات تاريخٍ معيبٍ كونها تجسيد لمعركة عديمة الجدوى، وهي درسٌ أخلاقي يريك أخطار السعي للانتقام الأعمى، واللجوء دائماً إلى الحلول الدبلوماسية.

2. حرب الخنزير (أو معركة جزيرة سان خوان)

خريطة حدودية
خريطة توضح الحدود بين الولايات المتحدة وكندا حول جزر سان خوان. صورة: Wikipedia

لا بد أنه كان هناك حالات لا حصر لها لجنود عبروا الحدود المتنازع عليها ليطلق عليهم العدو النار فتبدأ أزمة سياسية أو عسكرية، لكن خنزير يتسبب في حرب؟ حسنًا هناك مرة واحدة سُجّل فيها أن خنزيرًا متجولاً كان سببًا لقتال شامل بين دولتين عظيمتين، وقد حدث ذلك في جزر سان خوان في الركن الشمالي الغربي من الولايات المتحدة في بحر ساليش صيف عام 1859. في حين لم يُقتل أحد باستثناء الحيوان المسكين الذي تسبب موته بالأمر برمته، فقد عرّضت حرب الخنازير السلام الهش المتفق عليه بين البريطانيين والأمريكيين للخطر.

تعود جذور التوتر إلى معاهدة أوريغون، وهي اتفاقية تم وضعها بين البريطانيين والأمريكيين من أجل حل النزاع الحدودي ولاية أوريغون بتقسيم الولاية، حيث سيتم بموجب شروط الصفقة رسم الحدود بين البلدين على طول خط العرض 49. وعلى الرغم من أنها قد تبدو فكرة جيدة من الناحية النظرية، إلا أن الواقع العملي كان أقل وضوحًا وأكثر تعقيدًا في المنطقة الساحلية المحيطة بفانكوفر. هناك ستجد مجموعة جزر سان خوان، وعلى الرغم من أنه ليس هنالك ما هو قيّم في المكان، بيد أن موقعها على حافة خليج هدسون يعني أن كلاً من أمريكا وبريطانيا لهما مطامع فيها. لذلك جاء الناس من كلا البلدين للاستيطان في نفس الجزيرة، لكن ما الذي يمكن أن يحصل ويخرّب كل شيء؟

تقع هذه اللوحة في المنطقة التي تحارب فيها الإنجليز والأمريكان بسبب خنزير. صورة: Historic UK

لثلاثة عشرة عامًا لم يحدث أي شيء مريب أو خطير، فكان البريطانيون سعداء بتجفيف سمك السلمون وتربية الأغنام بينما كان جيرانهم الأمريكيون يستقرون على الأرض أيضًا بسلام. لكن ذات يوم تجول خنزير ينتمي إلى المستوطنين البريطانيين في أرض الأمريكي (ليمان كوتلار) وبدأ في تناول بعض ثمار البطاطا الثمينة. (كوتلار)، وهو مواطن أمريكي، لم يعجبه الأمر فأمسك بندقيته وأطلق النار على الخنزير، مما أثار إزعاج مالك الحيوان (تشارلز جريفين) العامل في شركة خليج هدسون. رفض الرجل البريطاني عرضًا قيمته 10 دولارات كتعويض عن خنزيره الميت، وبدلاً من ذلك أبلغ (كوتلار) سلطات شعبه وطالب باعتقال الجاني، أصيب الأميركيون في جزيرة سان خوان بصدمة من رد الفعل المفرط وطالبوا قواتهم العسكرية بالحماية سريعًا.

بدلاً من التراجع وحل الأمر سلميًا، أرسل الجنرال الأمريكي (ويليام هارني) 66 رجلاً إلى الجزيرة كقوة استعراضية، ما دفع حاكم كولومبيا البريطانية، (جيمس دوغلاس)، بدوره لنشر ثلاث سفن حربية في المنطقة. كما دعا (دوغلاس) القائد الأعلى للبحرية البريطانية في المحيط الهادئ، الأميرال (روبرت إل. باينز)، إلى العودة إلى الشاطئ ومحاربة القوات الأمريكية. كان الأميرال عقلانياً للغاية إذ رفض واشتهر بقوله أنه: ”لن يشارك في حرب دولتين عظيمتين لأجل خنزير“. لكن المسألة لم تقف هناك، حيث توصل المسؤولون في واشنطن ولندن، الذين حرصوا على منع إراقة الدماء ولكنهم لا يريدون فقدان ماء الوجه، إلى اتفاق مفاده أنه على كل دولة أن تمركز أكثر من 100 عسكري في جزيرة سان خوان في المستقبل المنظور.

بطُل العمل لهذا الاتفاق سنة 1872. ثم قام قيصر ألمانيا (فيلهلم الأول) –الذي كان دبلوماسيًا أكثر من نجله –بمجموعة من المحادثات التي منحت في نهاية المطاف جزيرة سان خوان بأكملها لأمريكا. تعتبر الجزيرة اليوم حديقة وطنية تاريخية مع وجود معسكرات لكلا الدولتين في المكان.

3. حرب الكلب الضال

اندلعت حرب حقيقية بين بلدين بسبب كلب شارد عبَر منطقة حدودية.

إن تسميتها ”واقعة بيتريتش“ تجعل الأمر ببدو وكأنه خرق خطير للبروتوكول الدبلوماسي وربما حتى سبب وجيه لقيام حرب بين دولتين. لكن اعرف اسمها الثاني -حرب الكلب الضال- والأكثر شعبية وستحصل على فكرة عن مدى غباء هذا الصراع بين بلغاريا واليونان في عشرينيات القرن العشرين. فما بدأ كخطأ بسيط تصاعد سريعًا بشكل مأساوي وأدى إلى خسائر في كلا الجانبين.

وقعت الحرب في عام 1925 عندما كان البلقان مرجلاً للسخط والعدوانية القومية، فقد أسفرت حرب البلقان الثانية عام 1913 ثم الحرب العالمية الأولى عن نتائج لم تكن مواتية للبلغاريين. على وجه الخصوص عملية منح منطقة مقدونيا (التي هي الآن دولة في حد ذاتها) إلى اليونان. وليس من الغريب أن بعض البلغاريين لم يكونوا مستعدين لقبول هذا الفعل، ليس أولئك القوم المتحالفين مع المنظمة الثورية المقدونية الداخلية IMRO على الأقل. لذا أقاموا، بحلول منتصف العشرينات، معقلًا في بلدة بيتريتش الحدودية، حتى أطلق البعض على هذه البلدة ”الدولة داخل الدولة“، وهو الموقع الذي كان اليونانيون حمقى لدخوله.

من المأساوي أن كلاب المنطقة لم تكن على دراية بسياسات العصر، وفي يوم 18 تشرين الأول أضاع كلب تابع لحارس يوناني طريقه عبر الحدود المتنازع عليها. وبناءً على حبه له، لحق صاحب الكلب بحيوانه الأليف ليُقتل بالرصاص من قبل الجنود البلغار، فأصبح المكان برميل بارود على شفا الاشتعال.

لتهدئة التوترات، اعترفت السلطات البلغارية بخطئها قائلة أن جنودها تصرفوا على عجل ونحوٍ خاطئ. كما وعدوا بأنهم سيعملون مع خصومهم اليونانيين للوصول إلى حل للقضية. لكن اليونان لم تكن سعيدة بذلك وطالبوا بتعويض مالي، بالإضافة إلى اعتذار رسمي ومحاسبة الرجال المسؤولين. وما زاد الطين بلة هو إرسال القادة اليونانيين قوات إلى بيتريتش للتأكد من تلبية مطالبهم.

بمجرد أن دخل الجنود اليونانيون بيتريتش بدأ القتال، حيث أقام البلغاريون مواقع دفاعية يديرها متطوعون من بينهم قدامى المحاربين في الحرب العالمية الأولى. استعد اليونانيون لشن هجومهم شامل والاستيلاء على المدينة، لكن قبل بدء الهجوم، تدخلت عصبة الأمم وأمرت كلا الجانبين بإيقاف النار، كما أمروا اليونان بسحب قواتها ودفع 45000 جنيه إسترليني كتعويض لأعدائها البلغاريين، وهي صفقة يعتبرها الجانبان مُرْضية. تشير التقديرات إلى وفاة حوالي 50 شخصًا كنتيجة مباشرة لحادثة الكلب الضال، جلّهم من المدنيين.

4. حرب المعجنات

الاستيلاء على قلعة San Juan de Ulua
لوحة تجسد الاستيلاء على قلعة San Juan de Ulua. صورة: Getty Images

قد يبدو الاسم وكأنه مسابقة خبز متلفزة، لكن حرب المعجنات (أو حرب الكعك) كانت حربًا حقيقية بين المكسيك وفرنسا وقعت لعدة أشهر في ثلاثينيات القرن التاسع عشر. ونعم إنها تنطوي على المعجنات، كون الفاتورة غير المدفوعة كتعويض لأحد المخابز كانت القشة الأخيرة التي أشعلت التوترات الصاخبة بين البلدين. وعلى الرغم من أنها قد تكون واحدة من أسخف النزاعات المعروفة في تاريخ الحروب، إلا أن اسمها كان ملطخًا بالدماء. في الواقع وبحلول الوقت الذي انتهت فيه، كانت حرب المعجنات قد أودت بحياة أكثر من 300 شخص وكان لها تأثير كبير على تطور الجمهورية المكسيكية الفتية.

على الرغم من أنها تمكنت من نيل استقلالها عن إسبانيا في عام 1821، فإن الجمهورية المكسيكية الجديدة كانت بعيدة كل البعد عن النعيم. خلال السنوات القليلة الأولى من وجودها كانت الأمة الناشئة بقعة ساخنة للصراعات الكبيرة والصغيرة. حرص المتمردون على الحصول على نصيب جيد لأنفسهم في ظل النظام الجديد فخاضوا معارك مع الحكومة المكسيكية، وغالبًا ما قاموا بأعمال شغب في الشوارع ونهبوا كل مكان يحلوا لهم. وفي عام 1832 مرت هذه الاضطرابات بضاحية طاكوبويا، إحدى الضواحي على حواف مدينة مكسيكو، واستهدفت متجر معجنات للخباز (مونسنيور ريمونتيل).

في حين أن المواطن المكسيكي العادي لم يكن لديه مكان يلجأ إليه إذا تعرضت ممتلكاته للإضرار أثناء أعمال الشغب، تمكن الأجانب عادةً من الحصول على تعويض من الحكومة المكسيكية. ولهذا ذهب الخباز الفرنسي المتضرر إلى السلطات للمطالبة بالتعويض. وعندما لم يكن هنالك نتيجة، نقل شكواه مباشرةً إلى (لويس فيليب) ملك فرنسا قائلاً إنه مدين له بمبلغ ضخم قدره 60.000 بيزو، على الرغم من أنه قد تم تقدير متجره بمبلغ 1000 بيزو فقط. لكن تلك لم تكن الشكوى الوحيدة التي تلقاها الملك الفرنسي، فقد جرى إرسال العشرات من هذه الشكاوى من العديد من المواطنين الفرنسيين الذين يعيشون في المكسيك إلى باريس في الأشهر والسنوات بعد عام 1821، فاضطر الملك إلى التصرف.

في ربيع عام 1838 دعا (لويس فيليب) الرئيس المكسيكي (أناستاسيو بوستامينتي) إلى دفع 600.000 بيزو كتعويض لفرنسا، وعندما لم يستجب الرئيس له، أرسل الملك قواته البحرية لإغلاق جميع موانئ المكسيك الأطلسية. بعد أن شعر أنه أمام طريق مسدود، أمر الزعيم المكسيكي بتعبئة عامة لجميع الرجال القادرين على القتال، وفي 27 تشرين الثاني عام 1838 أعلن الحرب على فرنسا. على الرغم من إظهار القوة والبأس هذا، سرعان ما تلقت المكسيك هزيمة موجعة مع استيلاء البحارة الفرنسيون بسهولة على ميناء فيراكروز المهم. لكن المكسيكيين لم يخضعوا بسرعة، إذ عاد الأسطورة العسكرية (أنطونيو لوبيز دي سانتا آنا) من التقاعد وحارب الفرنسيين في فيراكروز. وعلى الرغم من أن المطاف انتهى به بفقدان ساقه في القتال إلا خسارته لم تذهب سدى، حيث جرى إجبار الفرنسيين على طاولة المفاوضات على الانسحاب وتم توقيع معاهدة سلام في 9 آذار 1839.

بموجب شروط الصفقة وافقت المكسيك على دفع مبلغ 600.000 بيزو، غير أن إرسال الأموال إلى باريس فعليًا كان قصة مختلفة تمامًا. وسواء حصل (مونسنيور ريمونتيل) على تعويض عن متجر المعجنات المدمر أو لم يفعل فإنه أمرٌ لم نعرفه أبدًا.

5. حرب سارية العلم

حرب أخرى تظهر كمية الغباء البشري، فبدلاً من لجوء البريطانيين إلى السلام، قرروا خوض حرب مع شعب الماوري من أجل العلم البريطاني. صورة: Pinterest/JonRavenclaw

على الرغم من أن حرب سارية العلم (أو كما تعرف بتمرد هون هيكي) ليست حرب بلا معنى –خاصةً بالنسبة للنيوزيلنديين الأصليين –إلا أنها مثال حقيقي على الصراعات التي كان من الممكن تجنبها بسهولة مع بعض العقلانية ولمسة من الدبلوماسية، وبقليل من الهدوء الحذر ربما كان يمكن تجنيب بلدة كوروريكا الصغيرة القتال الدامي الذي حلّ عليها في أربعينيات القرن التاسع عشر، وإنقاذ ما يصل إلى 200 شخص وتحسين العلاقات بين البريطانيين والماوريين الذين تحدوا سلطة المستعمرين.

بالتأكيد كان للسكان الأصليين الماوريين الذين يعيشون في منطقة خليج الجزر في نيوزيلندا سبب للشعور بالضيق. فبعدما وافق بعض قادتهم، بمن فيهم الزعيم القبلي المعروف (هون هيكي)، مبدئيًا على الوجود البريطاني في خليج الجزر، فإنهم سيصبحون أقل رضا بشكل ملحوظ بعد توقيع معاهدة وايتانغي في عام 1840. إذ كان لهذا الاتفاق تأثير هائل على الاقتصاد المحلي بعدما أبقى سفن صيد الحيتان بعيدة عن مدينة كوروريكا وخليج الجزر بشكل عام. وصلت التوترات الحادة بين البريطانيين وشعب الماوري إلى ذروتها في عام 1844 وفي شهر تموز من ذلك العام قرر (هون هيكي) إرسال إشارة واضحة عن المشاعر المحلية بإنزال العلم البريطاني في المدينة عن ساريته.

بدلاً من تقبل الأمر وجعله يمر بسلام لمنع أراقة الدماء أطلقت القوات البريطانية هجومًا على البلدة شمل بعض أعمال التخريب ورفعت بسرعة علمًا جديدًا. عاد (هون هيكي) إلى المدينة وقام بإنزال هذا العلم أيضًا، ليتم رفع علم ثالث ويجري إنزاله بدوره من جديد. ثم وضع علم رابع لكن هذه المرة محصن بالحديد، وبناءً على أوامر من لندن، حذر البريطانيون (هون هيكي) ومؤيديه من أن أي أعمال تخريب أخرى لن تمر دون عقاب. مثل هذه الكلمات كانت صعبة على الماوريين وفشلًا رائعًا للديمقراطية، لذا بدلًا من تهدئة التوترات زاد الأمر سوءًا، وفي 11 آذار 1845، ما بدأ كخلاف جانبي بسيط أصبح شيئًا أكثر خطورة بكثير.

كردة فعل قد لا تكون محسوبة انطلق (هون هيكي) مع قبيلته إلى المدينة وقتل سكانها الأبرياء، كما تعرضت الحامية البريطانية للهجوم وسرعان ما تم اجتياحها، في المجموع قُتل ما يقدر بـ164 محاربًا من الماوري إلى جانب 94 بريطانيًا، فما نجم مباشرة عن إنزال بعض الأعلام أشعل حربًا لمدة عشرة أشهر صعبة، ربما شعر البريطانيون في ذلك الوقت أن فرض هيبة الإمبراطورية على سكان جزيرة صغيرة كان أمرًا يستحق كل هذا العناء، ليجري قمع التمرد وإحباط أي أعمال مستقبلية مشابهة. ومع ذلك لم يرفع البريطانيون علمهم مرة أخرى في بلدة كوروريكا، حيث قدموا ذلك كانتصار رمزي إلى شعب الماوري.

6. حرب المقعد الذهبي

لوحة تجسد الحرب بين البريطانيين وشعب الأشانتي
لوحة بعنوان “هزيمة الأشانتي على يد القوات البريطانية بقيادة Sutherland في الحادي عشر من يوليو عام 1824”. صورة: Wikipedia

من المفترض أن يُظهر الدبلوماسيون الحقيقيون براعة وحسًا جيدًا في جميع الأوقات، ولكن للأسف غالبًا ما يكونون أناساً عاديين في المكان غير المناسب، وكُتُب التاريخ مليئة بأمثلة عن السفراء وغيرهم من كبار الشخصيات الذين ارتكبوا أخطاء غير حكمية غبية ومهينة. ولكن يمكن القول إنه لم يكن هناك أي دبلوماسيين تصرفوا بغباء جسيم مثل ذلك الذي ارتكبه السير (فريدريك ميتشل هودجسون) في آذار 1900. لقد أدى ذلك الضعف الهائل في الدبلوماسية إلى ما يعرف الآن باسم حرب المقعد الذهبي والتي تسببت مع نهايتها بحوالي 3000 ضحية. ونعم، فإن الحادثة التي بدأت الحرب شملت بالفعل مقعداً ذهبياً.

ولكن ليس أي مقعد ذهبي، فبالنسبة لإمبراطورية آشانتي في غرب إفريقيا (دولة غانا الحالية) كان المقعد يمثل شعوبهم، بل أنه يتوسط علمهم. وعلى الرغم من أن ملكهم، (بريفي الأول)، قد نُفي مع قدوم البريطانيين، إلا أن المقعد الفخم لم يكن يُجسِّد سلطته الدائمة فقط، ولكن أيضًا سلطة وقوة الحكّام الذين أتوا قبله وأولئك الذين سيلحقون به. باختصار، لم يكن هناك شيء مقدس بالنسبة لشعب الآشانتي أكثر من المقعد الذهبي، وكان ليدرك أي دبلوماسي عاقل هذا التفصيل، لكن للأسف ليس السير (فريدريك).

بعد نجاح القوات البريطانية في إخماد الانتفاضات والمناوشات الصغيرة مع شعب الآشانتي الأفريقي، كُلف السير (فريدريك) بقيادة وفد صغير من الجنود وكبار الشخصيات بزيارة مدينة كوماسي. بدا أن الزيارة في البداية تسير على خير ما يرام، فغنى الأطفال المحليون النشيد الوطني البريطاني للسير وزوجته وتجمع قادة الآشانتي لسماع ما سيتلوه ممثل الإمبراطورية. ولكن بعد ذلك، سارت الأمور على نحو خاطئ بالكامل، فلم يقتصر الأمر على طلب السير (فريدريك) منحه المقعد الذهبي ليجلس عليه في ذلك اليوم، بل أنه طلب أيضًا نقله إلى الملكة (فيكتوريا) في لندن.

لم يمض دقائق على نطق السفير لهذه الكلمات حتى جُمعت الحشود وبدأت في التمرد بعد أن أسرع زعيم محلي إلى منزله وجمع ثلة من الرجال المستعدين لمحاربة البريطانيين. تراجع البريطانيون إلى حصنهم، وكون الآشانتي غير قادرين على مجابهة البريطانيين على المستوى العسكري، فحاولوا تجويع خصومهم. نجحت الخطة عندما بدأ البريطانيون يستسلمون للجوع والمرض، حينها أدرك السير أن البقاء يعني الفناء، فحاول هو وزوجته وحوالي 100 شخص الهرب، ليجدوا الطريق ويتمكنوا من الحصول على المساعدة.

اختار البريطانيون الانتقام، فتعرض العديد من المتمردين للاضطهاد وضُمت مدينة كوماسي بالفعل للبريطانيين وأصبحت جزءًا من الإمبراطورية، لكنهم لم يسيئوا معاملة سكانها، فقد تمتع شعب الآشانتي بحرية أكثر بكثير من معظم البلدان الأخرى الواقعة تحت الحكم الإمبراطوري البريطاني، والأهم من ذلك أن البريطانيين لم يضعوا أيديهم على المقعد الذهبي، ما يعني أن شعب الآشانتي قد خسر المعركة إلا أنهم حافظوا على كرامتهم واستحقوا النصر المعنوي بخسائر تقدر بألفين من شعبهم وألف جندي بريطاني.

7. قرية ليخار في مواجهة فرنسا

الملك ألفونسو الثاني عشر
الملك ألفونسو الثاني عشر. صورة: Wikipedia

في تشرين الثاني من عام 1983 انتهت أخيرًا الحرب التي اندلعت قبل 100 عام. ورغم أنه دام طويلًا جدًا فقد كان صراعًا تعداد الخسائر البشرية فيه هي صفر بالضبط، وهي أصلًا حرب بالكاد يعرف أي شخص أنها وقعت في المقام الأول. أتعلم من هم المتحاربون؟ أمة فرنسا ضد بلدة (ليخار) الإسبانية الصغيرة. فكانت هذه حقًا أشبه بتجسد لقصة داود ضد الملك جالوت، على الرغم من أن داود لم يضطر أبدًا إلى إثبات شجاعته في أي قتال حقيقي.

بدأت هذه الحلقة الغريبة من التاريخ في تشرين الأول من عام 1883 عندما زار ملك إسبانيا (ألفونسو الثاني عشر) باريس، وصل الخبر إلى إسبانيا بأن ملكهم قد تعرض للإهانة من قبل حشد غاضب أثناء وجوده في العاصمة الفرنسية، فصدمت الأمة وشعرت بالإساءة. لكن الملك (ألفونسو) نفسه لم يكن يريد القيام بأي فعل خارج عن النطاق الدبلوماسي، لم يرضَ أهل (ليخار)، وهي بلدة صغيرة في مقاطعة الميريا جنوب إسبانيا، بذلك. إذ شعر عمدة البلدة (ميغيل غارسيا) أنه يتعين عليه اتخاذ موقف مشرف، لذلك أعلن الحرب على فرنسا.

وبسبب بسالة أهل البلدة في مقاومة نابليون قبل قرن من الزمان أعلن العمدة أن قريته الصغيرة ”تساوي أكثر من 10000 جندي فرنسي“. متأثرًا بخطابه، وافق شعب (ليخار) مع زعيمهم وصوتوا بالإجماع على دعم إعلان الحرب، فأخبروا الحكومة الإسبانية بقرارهم وطلبوا من مدريد إبلاغ نظرائهم في باريس.

مسألة ما إذا كانت الرسالة قد نُقلت إلى الزعماء الفرنسيين مسألة لا نعلمها، لكن لا يبدو أنها أزعجت فرنسا بالتأكيد. وعلى مر السنين لم يتم إطلاق رصاصة أو أسر شخص واحد من كلا الجانبين. في الواقع لم يُبقِ الحرب على قيد الحياة سوى نقل الحكاية من الآباء إلى الأبناء ما بين شعب بلدة (ليخار) عبر السنين. ومع ذلك وبعد 100 عام من بدايتها قرر سكان المدينة حمل غصن الزيتون والدعوة إلى وقف إطلاق النار بالإجماع. والآن يمكن لفرنسا مرة أخرى تنفس الصعداء وأن تشعر بالأمان بعد علمها أن مجتمعًا يضم 580 شخصًا فقط ليس لديه أي نية لغزوها.

جاري التحميل…

0