in

إن كنت تعتقد أن تجربة خوض الحرب كسائق دبابةٍ هو أمر شنيع.. إليك أسوأ 5 أدوار قتالية في تاريخ الحروب البشرية

لطالما كانت الحرب شكلًا من أشكال الجحيم بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، إلا أن بعض الأدوار أو المهام القتالية في المعارك كانت أسوأ من الجحيم نفسه بالنسبة لهؤلاء الأشخاص التي أُوكلت إليهم، فهي لم تكن خطرةً فقط، بل أيضًا مرعبةً وغايةً في الإرهاق.

لذا إن كنت تعتقد أن تجربة خوض الحرب كجندي مشاة أو سائق دبابةٍ هو أمر شنيع، إليك هذه الأدوار القتالية الخمسة التي تثبت لك وجود مهامٍ أشنع بكثير.

1. جرذان الأنفاق

رسم توضيحي لشبكة الأنفاق المعقدة والحياة الكاملة لبعض الجنود.

لجأت القوات الفيتنامية أثناء خوض حرب الاستقلال ضد فرنسا إلى حفر أنفاقٍ عميقةٍ تحت الأرض بهدف استخدامها كممراتٍ للهروب وأماكن للاختباء. وبعد مرور الوقت، وأثناء الحرب الفيتنامية مع القوات الأمريكية التي تتفوق عليها بالمعدات القتالية والتكنولوجيّة وتتمتع بدعمٍ أكبر، عمدت المقاومة الفيتنامية إلى توسيع شبكة الأنفاق حتى شكلت في نهاية المطاف متاهةً متشابكةً من الممرات الملتوية والغرف والمخازن الممتدة إلى آلاف الأميال.

كانت قوات المقاومة الفيتنامية تخرج من حصنها الأرضي للقيام بغاراتِ كرٍّ وفرّ خاطفةٍ وسريعةٍ جدًا ومن ثم العودةُ للاختباء في أنفاقها الآمنةِ نسبيًا قبل أن ينصبّ عليهم بأسَ وغضب آلة الحرب الأمريكية.

ولأن المقاومة الفيتنامية تدرك أنها ليست نداّ للقوات الأمريكية على الأرض المفتوحة ولا تملك أدنى فرصةٍ ضدها، أصبحت حرب العصابات تلك الاستراتيجية المفضلة لديها، كما مكّنت شبكة الأنفاق الهائلة من وصلِ قُرى تبعد أميالًا عن بعضها بل وحتى تصل محافظات كاملة، ومكنت قوات المقاومة الفيتنامية من التحرك خفيةً بين المواقع آمنين ومحميين من عمليات القصف الكثيف التي كان يجريها سلاح الجو الأمريكي.

لم تكن تلك الأنفاق مجرد وسيلةٍ للتنقل وحسب، بل أيضًا كانت مخازن للأسلحة والطعام والمؤن، كما احتوت على منقّياتٍ للهواء وأماكن للطبخ ومشافٍ ميدانيةٍ ومنصاتٍ للمسارح السياسية، وقد أمضى آلاف الجنود أعوامًا عدةَ فيها لا يخرجون منها إلا لتنفيذ المهام القتالية.

وللتغلب على هذا الخطر، حاولت القوات الأمريكية ملء الأنفاق بالماء لإغراق من فيها أو ضخ الغاز لقتلهم، إلا أن حجم شبكة الأنفاق الهائلة بالإضافة إلى الأقفال المائية البسيطة وغير المعقدة حالت دون تحقيق نجاحٍ فعلي لتلك الطرق. كانت شبكة الأنفاق تمتد على عدة مستوياتٍ أو طوابق، يفصل بين كلٍّ منها بابٌ سريٌّ متينً يمنع تسرب الماء والغاز إلى المستوى السفلي الذي يليه، كما كانت تحوي الأقسام المختلفة من نفس المستوى على طريقةٍ بسيطةٍ جدًا وفعالةٍ للحماية من الغاز نفس الوقت، حيث استخدمت نتوءاتٌ نازلةٌ كانت تُملأ بالماء عند الحاجة لمنع تسرب الغاز إلى باقي أقسام النفق.

حاول الجيش الأمريكي إرسال كلاب هجومٍ مدربةٌ إلى داخل الأنفاق لقتل جنود المقاومة الفيتنامية، إلا أن هذه الطريقة سرعان ما أثبت فشلها بسبب وقوع الكلاب ضحية الفخاخ العديدة الموجودة في ممراتٍ ضيقة. ارتأت القوات الامريكية بعد كل تلك المحاولات إلى أن الطريقة الوحيدة لتخلص من جنود المقاومة الفيتنامية الموجودين ضمن الأنفاق هي إرسال جنودٍ مختصين ومدرَّبين داخل الأنفاق لقتل من فيها وتفجيرها من الداخل نفقًا تلو الآخر، ومن هنا انبثقت فكرة جرذان الأنفاق.

كان جرذان الأنفاق جنودًا متطوعين من الولايات المتحدة الامريكية وأستراليا ونيوزيلندا أُسندت إليهم مهمة النزول إلى الأنفاق الفيتنامية وقتل أو أسر الجنود أو الحصول على معلومات استخباراتية هامة أو تدمير الأنفاق و وضعها خارج الخدمة إذا كانا الأمر ممكنًا.

خضعت عملية اختيار الجرذان لشروطٍ معينة، كأن يكون الرجال نحافًا وصغار الحجم لزيادة سهولة تنقلهم ضمن الأنفاق وتخوم الممرات الضيقة، كما كانوا على مستوى عالٍ من التدريب في الالتحام القريب أو الاشتباك بالأيدي، وهي مهارةٍ كان يعتمد عليها كثيرًا كون المساحة الضيقة للممرات لا تسمع باستخدام الأسلحة الأكبر حجمًا.

عند اكتشاف فتحات الدخول إلى تلك الأنفاق، يقوم جرذان الأنفاق أولًا بتفقد المنطقة المحيطة والتأكد من خلوها من الألغام والفخاخ، يُرسل في البداية رجلٌ مزودٌ بمسدسٍ وحرابٍ وكشّافٍ ضوئيٍّ مهمته فقط هي البحث عن مناطق الفخاخ وإبطالها ليتبعه بعد ذلك رجلٌ آخر. يتقدم الرجل الأول في ظلام الأنفاق مُطفئا مصباحه كي لا ينبه الجنود المختبئين ويبحث عن الفخاخ التي قد تتواجد أحيانًا وإبطالها إن أمكن ذلك، فيما يقوم الرجل الثاني بتفخيخ النفق.

يمكن أن يكون أي شبر من النفق مميتًا، إذ يصعب التنبؤ بمكان الفخاخ التي وضعها المقاومون، والمؤلفة عادةٍ من أخشاب البامبو المكتنفة لأفاعٍ سامةً في جوفها يتم إطلاقها عند التعثر بسلكٍ مشدود، بالإضافة لفتحات الكمائن التي يختبؤون ويتربصون فيها لجرذان الأنفاق، مستعدين لطعنهم لحظة رؤيتهم، ولهذا يكون الجرذان على أهبة الاستعداد دائمًا مستنفرين حواسهم جميعها يبحثون بإرهاقٍ شديدٍ عن أي علامةٍ أو إشارةٍ تخبرهم أن الموت وشيك، سواء سماع صوت تنفس احد المقاومين الفيتناميين المتربصين أو حتى شم رائحة عرقهم.

جندي أمريكي من جرذ الأنفاق ناجي من الحرب

من الصعب تخيل الرعب الذي يتملك شخصًا محاصرًا في نفقٍ مظلمٍ وضيّق يعلم أن أيّ لحظةٍ تمر يمكن أن تكون الأخيرة. يزحف الجرذان في حرارة الأنفاق وقذارتها شبرًا تلو الآخر قاطعين عشرات وأحيانًا مئات الأمتار مستعدين للقتال من أجل نجاتهم. تستغرق عملية التنظيف والتلغيم بدءًا من عدة دقائق حتى عدة ساعاتٍ تبعًا لحجم الجزء من النفق وكمية المقاومة التي يلقونها في الداخل، إلا أن كل دقيقةٍ تمر عليهم وهم في الداخل أسوأ من 100 عام. لذا من غير المستغرب نجاة قلةً فقط منهم بعد نهاية الحرب.

2. مجذّفو السفن الشراعية

كانت تعتمد حركة السفن قبل اختراع المحرك البخاري على قوتي دفعٍ أساسيتين وحيدتين، الأولى هي القوة المجانية لكن غير الموثوقة للرياح، والثانية هي القوة البدنية للمجذّفين. وعلى الرغم من تسخير البحارة لقوة الرياح واستغلالها جيدًا، إلا أن هدوء الرياح لساعةٍ واحدةٍ يترك السفينة تحت رحمة البحر فيقودها كما يشاء، أما القوة البدنية المُتمثّلة بمجذفيّ السفن فهي على أهبة الاستعداد في شتى أنواع الظروف.

وعلى عكس المعتقدات الشائعة والخاطئة، لم يكن المجذفين القدماء عبيدًا، بل كانوا رجالًا أحرارًا محترمين ولهم مكانتهم واحترامهم، فقد كانت مهنة التجذيف تتطلب الكثير من المهارة ومستوى عالٍ من التدريب والتناسق بين كلّ مجذّفٍ وآخر، أما في أوقات المعارك، فقد كانت حياة جميع من على متن السفينة تعتمد على مهارة المجذفين وموهبتهم. ولهذا السبب، كان البحارة القدماء يتجنبون وضع حياتهم والأمل في نجاتهم بين يدي عبيدٍ غير مدربين ومشكوكٍ بمهارتهم. وبما أن هذه العمل كان شاقًا جدًا أيضًا، فقد اكتسب المجذفون مكانةً واحترامًا جيدين لدى الناس وكانوا يُعاملون معاملةً محترمةً وحسنة.

إلا أن حياة مجذفي السفن تغيرت بشكلٍ كبيرٍ في العصور الوسطى مقارنةً بما كانت عليه سابقًا، ففي أوائل القرن السادس عشر، كان عدد السفن الفردية وأساطيل السفن أكبر بكثيرٍ من السابق مما يعني زيادة الحاجة للرجال المجذفين لتلبية احتياجات أساطيل السفن البحرية المتنامية للدول الأوربية. وبسبب عدم توفر العدد الكافي من الرجالٍ المدربين، ومع إيجاد تقنياتٍ جديدةٍ تُقلل المهارة المطلوبةً لأداء هذه المهمة، ولدت فكرة استغلال العبيد لأداء المهام الشاقة على متن السفن، حيث كانت القوات البحرية تبحث عن أي عبدٍ أو أسير لاستغلال قوته على متن السفينة.

مجذفو سفن مصريون قدماء

أصبحت عملية الاستغلال تلك شائعة التطبيق خصوصًا في فرنسا، حيث طلب الملك من القضاة استبدال حكم الإعدام بإرسال المحكوم عليهم ليعملوا كمجذفين في الأسطول البحري، كما أصبحت عقوبة العديد من الجرائم المختلفة 10 سنينٍ من العمل في الأسطول البحري، حيث اعتُبر هذا الحكم بمثابة حكم بالإعدام على المجرمين كونه من غير المرجح نجاتهم من المعارك التي سيخوضونها أو الحياة السيئة التي سيعيشونها، وحتى لو تمكن رجلٌ من النجاة طوال تلك المدة، من النادر أن يهتم أحدٌ لأمره أو يكترث إن أنهى مدة حكمه أو لا، والنتيجة هي إمضاء الكثير من الرجال مدة عقوبةٍ أطول من مدة حكمهم الفعلي.

في الواقع، أصبحت عملية تسخير المساجين والأسرى شائعة الاستخدام لدرجةٍ أن السجلات تتحدث عن أن أكثر من 60 ألف رجلٍ أُرسلوا للعمل في السفن الفرنسية خلال الفترة الممتدة بين 1680 و1748. وعلى الرغم من أن الرجال المُرسلين للعمل كمجذّفين في السفن كانوا قد سمعوا عن المشقة والعذاب الذي سيصبح جزءًا من حياتهم اليومية، إلا أنهم لم يدركوا -على الأرجح- مدى البؤس الذي ستتحول إليه حياتهم.

كان الرجال يمضون ما تبقى من حياتهم القصيرة البائسة مقيدين بسلاسلٍ إلى مقعد التجذيف غير قادرين على الاغتسال أو حتى استخدام المراحيض لقضاء حاجاتهم، وحتى قيل إنه كان بالإمكان شمّ رائحة السفينة قبل رؤيتها، فكانت الرياح تحمل الرائحة الكريهة إلى الشاطئ. أما الجروح الناتجة عن احتكاك السلاسل بجسد الرجال المقيدين غير القادرين على الحراك فكانت غالبًا ما تلتهب وتتقرّح بفعل الوسط غير النظيف المتواجدين فيه ولعدم وجود أي وسيلةٍ لمعالجتها وهذا ما زاد نسبةَ الوفياتٍ بينهم. إلا أن ذلك لم يعنِ شيئًا للمسؤولين عنهم، فالمجذفون بنظرهم لم يكونوا سوى أدواتٍ قابلةٍ للرمي والاستبدال، فدائمًا ما توفر المزيد من المساجين وأسرى الحرب الذي يمكن تسخيرهم للعمل.

أما إذا ما تمكن الرجال من النجاة من كل تلك الظروف السيئة، بقي أمامهم الخطر الأكبر المتمثل في معارك المياه المفتوحة. وعند احتدام المعارك، لم يكن الرجال يجذفون بكل طاقتهم بهدف الانتصار في المعركة، بل بهدف النجاة بحياتهم، لأن حياتهم كانت مرتبطةً بنجاة السفينة، أما إن غرقت فسيغرق معها الرجال المقيدون غير القادرين على الهرب أو الإفلات من مصيرهم المحتوم، ولهذا كانت عملية تقييد الرجال في المعارك هي أفضل طريقةٍ لتشجيعهم ودفعهم لبذل أقصى ما يملكون من الجهد، فالنصر هو سبيلهم الوحيد للحياة.

وعلى الرغم من أن الوقوع في أسر الأعداء الذي يبدو فرصتهم الوحيدة للحصول على حريتهم، إلا أن المصير الذي ينتظرهم بعد وقوعهم في الأسر سيكون أكثر سوءًا. كان القراصنة البربريون المتواجدين شمال إفريقيا أكثر الأعداء رهبةً، حيث يتحول أي رجلٍ يقع في أسرهم إلى عبدٍ طوال حياته ليخسر حريته للأبد.

في الواقع، ازدهرت تجارة العبيد بشكلٍ عام في الساحل شمال الأفريقي بين عالمي 1500 و1800، حيث أرهب القراصنة شمال أفريقيا والمجتمعات الساحلية المتوسطية والسفن التجارية، بل وحتى قاموا بشن الغزوات البرية بهدف الحصول على المزيد من الناس لبيعهم عبيدًا، والذي قضى منهم الكثيرون بفعل ظروف الحياة الجهنّمية المماثلة لتلك التي عاشها مجذّفو السفن.

3. حاملو قواذف اللهب

جندي بقاذف لهب

سعى الانسان منذ اكتشافه للنار منذ آلاف السنين إلى تسخيرها كأداةِ نجاةٍ وأداة حربٍ على حد سواء، حيث استخدم اليونانيون القدماء في القرن الأول بعد الميلاد قاذف لهبٍ على شكل مضخةٍ يدويةٍ على سفنهم الحربية لمنحهم نقطة تفوقٍ على خصومهم، أما في القرن التاسع الميلادي فقد طور الصينيون قاذف لهبِ مزودٍ بمكبس يستخدم مادة اشتعالٍ شبيهةً بالبنزين.

أما قاذف اللهب الحديث والمميت المُصمم لنفث سيلٍ من المواد المحترقة بدقةٍ لمسافةٍ بعيدة فلم يُستخدم بفعاليةٍ حتى اندلاع الحربين العالميتين الأولى والثانية. استخدمت تلك الأسلحة كحلٍ مثاليٍّ لكسر الجمود الذي تفرضه حرب الخنادق إما من خلال احراق جنود العدو المختبئين داخل الخنادق المحصنة أو بدفعهم للفرار من اللهب مما يسهل عملية اصطيادهم واحدًا تلو الآخر بعد خروجهم من الخنادق إلى مكانٍ مفتوح ومكشوف.

شاع استخدام قواذف اللهب في الحرب العالمية الثانية كسلاحٍ هجومٍ فعالٍ على المواقع شديدة التحصين كمخازن الأسلحة والمعاقل المحصنة كون السائل المستعمل قابلٌ للانتشار بعد اصطدامه بالجدران والأسقف وبالتالي الوصول إلى النقاط العمياء والتي يصعب تغطيتها بالرصاص وإحراق جنود العدو المتحصنين في الداخل وبالتالي لم يكن هنالك أي مهربٍ من قواذف اللهب.

قاذف اللهب كوسيلة فعالة في خرق التحصينات
قاذف اللهب كوسيلة فعالة في خرق التحصينات

لم تُكسب قواذف الهب الفريق الذي يستخدمها تفوقًا عسكريًا فقط، بل أيضًا تفوقًا نفسيًا، حيث يدفع الجنود الأعداء إلى التفكير بالمصير المروع الذي سيلقاهم مما يحبطهم ويقلل من عزيمتهم. ففي حملة المحيط الهادئ، أُرجع الفضل في انتصار الحلفاء إلى قاذفي اللهب، حيث تمكنوا من التغلب على الجنود اليابانيين المختبئين في الكهوف العميقة والمستودعات والمعاقل المحصنة عن بعد إما بحرقهم أحياء أو خنق جميع من لم تمسسه النار باستهلاك كامل الاوكسجين الموجود في الداخل.

في الجهة المقابلة لم تكن مهمة قاذف اللهب كغيره من الجنود الموجودين في الحرب ولم تكن الأمور تسير دائمًا في صالحه، بل كانت تنضوي على خطرٍ ومسؤوليةٍ ورهابٍ نفسيٍّ أكبر، كما ارتبطت بها العديد من المخاطر المميتة. كانت المعدات بحد ذاتها ثقيلة مما يعيق حركة حامل القاذف ويبطئ تنقله في ساحة المعركة. يملك القاذف زمن احتراقٍ قصير، أي أن الوقود سريع النفاذ وبالتالي عدم إصابة الهدف سيترك حامل القاذف مكشوفًا أمام العدو الذي لن يكون مسرورًا بفكرة إحراقه حيًّا ولن يظهر أي ترددٍ أو رحمة في التعامل معه وسيكون احتمال أخذه أسيرًا صغيرًا جدًا.

لم تنته مساوئ قاذف اللهب بعد، فالمعدات ذاتها كانت كبيرة الحجم ومرئيةً بسهولةٍ مما يجعلها هدفًا سهلًا لجنود الأعداء وخاصةً القناصين منهم. وفي حال أخفق القناص في إصابة حامل القاذف، فاحتمال إصابة خزانات الوقود القابل للاشتعال شبه مؤكد مسببًا اشتعال حامل القاذف والجنود رفاقه القريبين منه بنفس الطريقة المروعة التي كان يقتل فيها الأعداء.

وإذا لم يكن ذلك سيئًا بما فيه الكفاية، فمدى قذف اللهب كان قصيرًا نسبيًا مقارنةً مع مدى البندقية مما يتطلب اقتراب القاذف أكثر من هدفه لتحقيق إصابةٍ مباشرة، وهذا يزيد بدوره خطر إصابة القاذف برصاص الجنود الأعداء. وبالرغم من أن خطر اشتعال الوقود الموجود في الخزانات بسبب رصاصةٍ ليس سيئًا كما تصوره لنا الأفلام الهوليوودية بفضل خليط الوقود المستخدم، إلا أن الخطر مازال قائمًا يطارد القاذف مسببًا له حالةَ توترٍ ويفرض عليه قلقًا دائمًا من مصيره المجهول.

جندي أمريكي حامل لقاذف اللهب يُلهب سيجارته

عادةً ما يسبب هذا الضغط الهائل اضطراباتٍ نفسيةً لدى حاملي قواذف اللهب، حيث تبقى صورة ما اقترفته يداهم تطاردهم حتى بعد نجاتهم معركةً تلو الأخرى، صور أناسٍ يشتعلون باللهب صارخين من الألم ويموتون ببطءٍ وعذابٍ، عارفين أنهم أنفسهم من تسببوا بالألم والمعاناة. ومما لا شك فيه أن رؤية العدد الهائل من الجثث المتفحمة ورائحة اللحم المحترق بالإضافة إلى الخطر الكبير المرتبط بمهمته له تأثير نفسيّ كبيرٌ على حاملي قواذف اللهب.

سرعان ما وُضع سلاح قاذف اللهب خارج الخدمة بسبب المخاطر الكبيرة والمساوئ المرتبطة به، كما ظهرت بعض الحلول التي يمكنها التخلص من العديد من مساوئه كتركيب القاذف على دبابةٍ أو عربةٍ مدرعة. وقد استغنت القوات الأمريكية عن استخدام قواذف الهب منذ عام 1979 وأخرجته من ترسانة أسلحتها ولم تستخدمه منذ ذلك الحين.

بينت دراسةٌ أجريت على وحدة قاذفات لهبٍ تنتمي إلى فيلق القوات البحرية الأمريكية تم انزالها في إيو جيما Iwo Jima أن نسبة الخسائر في صفوف حوامل قاذفات اللهب وصلت إلى 92%، كما قدر أحد الخبراء الإحصائيين العسكريين المدة الوسطية التي يقضيها حامل قاذف اللهب في المعركة قبل موته هي 4 دقائق فقط.

4. طواقم غواصات U-Boat

غواصة يو بوت الألمانية
غواصة يو بوت الألمانية. صورة: J.P. Mallmann Showell

ظهرت غواصات U-Boat في الحربين العالميتين الأولى والثانية كأداة تدميرٍ مهابةٍ استخدمها طاقمها بمهارةٍ عاليةٍ لشن هجماتٍ على سفن الحلفاء والسفن التجارية الغافلةِ التي كانت تزود القوات البريطانية بالإمدادات. في الواقع، كانت تلك الغواصات عالية الفعالية في أداء المهام الموكلة إليها لدرجةِ أنها كادت أن تقلب الموازين لصالح الألمان عن طريق خنق البريطانيين ومنع الإمدادات القادمة من كندا إلى الأراضي البريطانية خلال الحرب الأطلسية. إلا أن فترة سيطرة غواصات U-boat على أعالي البحار وصلت إلى نهايتها بعد تطوير أجهزة سونار أفضل والتقدم السريع في صناعة الأسلحة المضادة للغواصات والتي جعلت مهمة اكتشاف وتدمير غواصات U-Boat أكثر سهولةً.

أختيرت طواقم الغواصات من بين نخبة الجنود المتقدمين ثم خاضوا عملياتٍ فحصٍ دقيقٍ قبل منحهم الموافقة النهائية، وعادةً كان الرجال المُختارون شبّانًا يتمتعون بالذكاء والمهارة. كان الشبان يتباهون باختيارهم كطواقمٍ ويرتدون زيهم الرسمي بفخر غير عارفين على الأرجح الحال الذي ستكون عليه حياتهم تحت الماء.

امتدت مدة كل دوريّةٍ إلى 6 أشهر أحيانًا، لا يستطيع الطاقم خلالها الاستحمام أو الحلاقة أو حتى تغيير ملابسهم لمحدودية كمية الماء العذب المتوافرة على متن الغواصة، وبالرغم من توافر مزيل الرائحة في ذلك الوقت إلا أنه ليس من الصعب تخيل رائحة الهواء النتن مع جود عشرات الرجال غير القادرين على الاستحمام والمتواجدين في مكانٍ ضيّقٍ ومغلق.

مقصورة النوم في الغواصة
مقصورة النوم في الغواصة

كانت المساحة الضيقة و وقت الراحة القليل يفرض الكثير من القيود على الطاقم، حيث تناوب الرجال  على أسرة المبيت الحارّة وخلدوا إليها فور شغورها لنيل قسطٍ من الراحة، كما أن حركة الرجال الآخرين جيئةً وذهابًا إلى المقصورة جعل من النوم العميق غايةً صعبة المنال. أما أبسط الممارسات اليومية متل التمطيط أو القيام ببعض التمارين الرياضية فكانت مستحيلةٍ بسبب الضيق الخانق، كما كان الرجال أحيانًا يمضون أسابيعًا دون الصعود إلى السطح للحصول على القليل من أشعة الشمس أو حتى تنشّق الهواء النقي.

قُسّم اليوم إلى ثلاث مناوباتٍ كلٌّ منها 8 ساعات، واحدةٌ للنوم والثانية للمهام العادية، والأخيرة للمهامٍ متفرقة إلا أن العمل كان رتيبًا وأحيانًا يخدر العقول من شدة ارهاقه. كان مخزون الطعام العادي ينفذ بسرعة، لذا توجب على الرجال البقاء على حميةٍ غذائيةٍ تتألف من الطعام المعلب كلّ يومٍ لمدة أشهر.

إلا أن ظروف الحياة القاسية التي عايشها أولئك الرجال كانت بسيطةً مقارنةٍ بالرعب الذي يعيشونه خلال المهام القتالية وهم مدركين أن أي لحظةٍ ممكن أن تكون الأخيرة وأن احتمال الموت المرعب قائمٌ في أي ثانية. ومع استمرار الحرب، وزيادة قدرة قوات الحلفاء على رصد وتدمير غواصات U-Boat، انخفضت فرص نجاة طاقمها بشكلٍ كبير، وقد قَدّرت بعض الإحصاءات أن نسبة الضحايا من طاقم غواصات U-Boat ارتفعت كثيرًا حتى وصلت إلى 75%، بينما انخفض متوسط عمر الطاقم إلى 3 أشهرٍ.

ومع تقلص عدد الغواصات التي تعود سليمةً من أداء مهامها، توصل الطاقم إلى نتيجةٍ مفادها أن المطاف يمكن أن ينتهي بهم مدفونين في الغواصة التي عاشوا وعملوا فيها طوال تلك الفترة إما غرقًا بفعل تدفق مياه البحر الباردة من بدن الغواصةِ نتيجة تعرضها للثقب، أو اختناقًا في قاع المحيط بسبب نفاذ الأوكسجين بعد فقدان الغواصة القدرة على العوم أو الطفو نتيجة تعرضها للضرر، أو احتراقًا نتيجة انفجارها. بغض النظر عن جميع طرق الموت البطيئةً والمؤلمة تلك، ففكرة الموت لوحدها فكرةٌ مرعبةٌ كان على الرجال التأقلم والعيش معها.

وبعد أن تحول الصياد إلى فريسة، بقيت الغواصات تحت سطح الماء لمدة تقارب 24 ساعة يومية خوفًا من اكتشافها من قبل قوات الحلفاء التي تبحث بلا هوادةٍ عن أي غواصة U-Boat كامنةٍ في المياه. وأصبحت حياة الطاقم أشبه برعبٍ دائمٍ من احتمال اكتشاف وجودهم وبالتالي موتهم جميعًا، فكل ما يحيط بهم هو مياه المحيط الباردة حد التجمد، أما السطح، فهو مليءٌ بالسفن الحربية المعادية وكأن العالم بأسره يبحث عن أي فرصةٍ لقتلهم. تلك الحالة النفسية التي عاشوا فيها كانت مرهقة لدرجةٍ لا تُحتمل.

وعلى الأرجح، فإن آخر ما شهده الكثير من طواقم غواصات U-Boat هو صوت رنين جهاز السونار يتبعه انفجاراتٌ متسلسلةٍ تحت سطح الماء تقترب أكثر فأكثر حتى تطبق عليهم الجدران الفولاذية وتتدفق المياه الأعماق الباردة حد التجمّد وتدفنهم في قاع المحيط للأبد.

5. الكتائب العسكرية الجزائية

كتائب جزائية في الحروب الفونية
كتائب جزائية في الحروب الفونية

لطالما استُخدم المجرمون وأفراد المجتمع الآخرين غير المرغوب فيهم ككبش فداءٍ في الحروب والمعارك على مر التاريخ، وكان الرجال عديمو القيمة يُستخدمون لأداء مهامٍ خطرةٍ أو تنفيذ أوامرٍ بغيضةٍ بدلًا عن الجنود العاديين. وللاستغلال قوتهم، نُظم هؤلاء الرجال ضمن كتائب سميت بالكتائب الجزائية حيث كانت حياتهم فيها بائسةً وقصيرةٍ مليئةً بالعذاب والمعاناة وكانت تنتهي في أغلب الأحيان بالموت على خطوط الجبهة الأولى.

استخدمت فيالقٌ في زمن الدولة الرومانية تتألف من المجرمين والعبيد وحتى الأشخاص الغارقين في ديونٍ ماليةٍ لمواجهة جيش (هنيبعل القرطاجي) الغازي خلال الحرب البونية الثانية، حيث وُعدَ الرجال المُدانون بالحصول على حريتهم بعد تحقيق النصر في حرب البقاء التي كانت تخوضها الدولة الرومانية.

وحتى بعد عقودٍ من الزمن، استخدم نابليون الوحدات العسكرية الجزائية في معاركه كوسيلةٍ للتعامل مع مشاكل الانضباط في صفوف مجنديه الإلزاميين، فكان أي رجلٍ يعصي الأوامر أو يرفض تنفيذها يُحوّل إلى كتائب العقاب حيث يعامل بقسوةٍ ويرسل في مهام هجوميةٍ انتحاريةٍ ومهام أخرى فرص النجاة فيها قليلة وأخطر من أن تُكلّفَ إلى جنديٍ عادي. وبسبب النقص المتزايد في عدد الجنود في السنوات الأخيرة من حرب نابليون، تم تجنيد الكثير من المجرمين بشكلٍ الزاميٍّ بهدف تعزيز قدرات الجيوش القتالية.

كتائب جزائية سوفيتية
كتائب جزائية سوفيتية

استخدمت القوات الألمانية والسوفييتية الكتائب الجزائية في الحرب العالمية الثانية، ونشروهم على الجبهة الشرقية بأعدادٍ هائلةٍ بمعركةٍ كانت أشبه بمطحنة عظام. استخدم الألمان قبل بدء الحرب جنودًا محكومين بالإخلال بالأخلاق العامةِ لكنهم مازالوا ضمن الخدمة العسكرية ضمن وحداتٍ جزائيّةٍ خاصة، لكن بعد انقلاب الحرب ضدهم، استخدموا جميع أنواع السجناء والمجندين الاجباريين وحتى المجرمين في محاولةٍ يائسةٍ منهم لدرء الهزيمة، وأوكل إليهم تنفيذ مهام شديدة الخطورة وأخرى شاقة على أمل السماح لهم بالالتحاق بوحدات الجيش النظامي كمكافئةٍ على شجاعتهم. في الواقع لم يكن بيد الرجال أي خيارٍ آخر، فرفض تنفيذ المهمة الانتحارية سيكون عاقبته الإعدام بدون محاكمةٍ، ووحده الاستمرار في القتال سيمنحهم بصيص أملٍ في النجاة.

كانت توكل للرجال المُدانون أصعب المهام وأكثرها مشقةً وخطرًا فور التحاقهم بوحداتهم القتالية كتنظيف حقول الألغام أو مهاجمة معاقل ومواقع العدو شديدة التحصين لإرهاق جنود العدو أو تخفيف دفاعاتهم ليتثنى بعدها للجنود النظاميين الموجودين خلفهم بالهجوم، أو يتركون ككبش فداءٍ للدفاع عن موقع معينٍ حيث يضحون بأنفسهم لكسب المزيد من الوقت ريثما تنسحب كتائب الجنود النظاميين قبل سيطرة العدو على الموقع.

في الواقع، كانت احتمالات نجاة أولئك الرجال في أداء المهمات ضئيلةً لدرجةٍ أدت إلى انتشار دعاباتٍ سوداءٍ مفادها أن تلك المهمات بمثابة رحلةٍ إلى الجنة، وهذا ما يمثل كيفية نظر الرجال لاحتمال عودتهم أحياء من المهام الموكلة إليهم.

بينت تقارير الحرب أن تلك الوحدة أبدت سلوكًا قتاليًا مختلطًا في أداء مهامها يجمع بين الرغبة في تحقيق النصر لاستعادة حقوقهم المَدنية كمواطنين واليأس أحيانًا أخرى بسبب المواقف التي يجدون أنفسهم فيها. كان الرجال يدافعون ببسالةٍ أحيانًا للوصول إلى نهايةٍ أفضل، غير أنه وأثناء القتال في أي مكانٍ آخر عدا الجبهة الشرقية، كان الرجال يميلون إلى الاستسلام المباشر عند أول فرصة تسنح لهم بذلك. تمتع هؤلاء بالقليل من التدريب فقط، تدريبٌ كافي للتعامل مع المدنيين غير المسلحين أو المحاربين غير المدربين جيدًا، إلا أنهم لم يملكوا أدنى فرصةٍ أمام جنود الجيش الأحمر المتمرّسين.

كانت وحدة رماة القنابل 36 من فرقة waffen-ss من أشهر الوحدات التي تم تشكليها من الصيادين المُدانين المختارين لبراعتهم في عبور الغابات وكانت مهمتهم تصيّد مقاتلي العدو في المناطق المُستولى عليها. سرعان ما نمت تلك الفرقة لتضم مجرمين من جميع أنحاء ألمانيا بهدف تسليح أخطر المجرمين وإطلاقهم في الأراضي الشرقية المسيطر عليها.

اكتسبت تلك الفرقة سمعةً سيئةً بسبب وحشيتها المفرطة تحت قيادة Oskar Dirlewanger المتّهم بالتحرش بالأطفال، والتي أبدى القادة الآخرون في فرقة SS استياءهم من الفظائع التي كان يرتكبها. وبالرغم من تجنيد المجرمين قساة القلب ضمن الفرق، إلا أن أغلب جنود الوحدة البالغ عددها 50 ألفًا كانوا مجرمين صغارًا كالجنود الذين أبدوا عدم رغبتهم للقتال أو الآخرون سيئوا الحظ المدانون لأسبابٍ مختلفة.

تبدوا الأرقام التي استخدمها الألمان في الكتائب الجزائية صغيرةً جدًا مقارنةً مع تلك التي جندها الاتحاد السوفييتي، حيث تشير التقديرات إلى استخدام الاتحاد السوفييتي ما يقارب 430 ألف رجلٍ في الكتائب الجزائية. أصدر ستالين عام 1942 الأمر 227 الذي أدى إلى زيادةٍ كبيرةٍ في عدد الكتائب الجزائية في الجيش الأحمر بهدف إعادةِ ضبط النفس وإيقاف انسحاب القوات عن خطوط الجبهة بفعل العدوان الألماني على الاتحاد السوفييتي. عُرف هذا الأمر فيما بعد باسم قرار «ولا خطوةً إلى الوراء» والذي مُنع فيه استخدام الانسحاب ضمن التكتيكات العسكرية، كما نزلت أقسى العقوبات في أي شخصٍ يتراجع من موقعه بما فيها الإعدام الميداني.

جنود سوفييت يخوضوع معركة «لا خطوة إلى الوراء».

وجد الجنود الهاربون من المعارك أنفسهم في الكتائب الجزائية للجيش الأحمر، فيما خُفضت رتبة الضباط الأوائل الذين عارضو ذلك الأمر إلى أدنى رتبةٍ وأُرسلوا إلى خطوط الجبهة الأمامية على نهر الفولغا لمواجهة الألمان. ومن أصل 929 رجلٍ أرسلوا إلى المعركة في ذلك اليوم لم يبق منهم في اليوم الثالث سوى 300 رجلٍ فقط، مما يعطي لمحةً عن الخسائر الفادحة التي ستعاني منها هذه الوحدات في السنوات القادمة.

من المفترض أن يكون عقاب أولئك الجنود تعيسو الحظ مؤقتًا، ويمكنهم استعادة حريتهم نتيجةَ عملٍ بطوليٍّ يقومون به أو التعرض لإصابةِ حرب. لكن في الواقع لم تكن تلك الوعود سوى حبرٍ على ورقٍ لتفادي قيام الجنود بعصيانٍ مفتوح. كان الرجال يرسلون إلى حتفهم المحتوم دون وجود أدنى فرصةٍ للنجاة. كانت وحدات «الشرطة السرية لمفوضية الشعب للشؤون الداخلية» والتي تدير الكتائب الجزائية تنظر إلى الرجال الموجودين فيها كأكباش فداء يمكن استهلاكها في المعارك.

أُرسل هؤلاء الجنود دائمًا إلى جبهات القتال الأشرس تحت حراسةِ وحداتٍ مسلحةٍ دون الحصول على الأسلحة إلا في اللحظات الأخيرة قبل تلقي الأمر بالتقدم والهجوم. كانوا يرسلون عادةٍ لمهاجمة المواقع الألمانية شديدة التحصين لإضعافها ولتمكين وحدات الجيش النظامية من اقتحامها، أو يرسلون على شكل مجموعاتٍ كبيرةٍ لتحديد قدرة العدو ومعرفة أماكن قوتها وضعفها. كما تكلمت بعض التقارير عن تزويدهم ببدلاتٍ سوداء عوضًا عن ثياب التمويه الثلجي للفت النظر عن جنود الجيش الأحمر النظامي.

ومع انعدام الفرصة في النجاة، تبدو فكرة الانسحاب من المعركةِ أمرًا منطقيًا جدًا، لكن خلف صفوف الكتائب الجزائية يوجد جنود الحواجز، وهم جنود قواتٍ خاصةٍ مهمتهم إطلاق النار على أي رجلٍ يقرر الانسحاب أو الفرار من أرض المعركة، وبالتالي لا خيار أمام الرجال سوى التقدم نحو اجلهم المحتوم.

وحتى في حال نجاة الجنود في معركةٍ ما، فهناك العديد من المعارك التالية، والكثير من المهام الواجب تنفيذها، ولهذا السبب، ليس مفاجأةٍ إذا قلنا إن أغلب الكتائب الجزائيةَ كانت تُمسح حتى آخر جندي فيها في هجومٍ واحد. ولم ينج سوا القليل من أصل ما يقارب نصف مليون رجلٍ خدموا فيها.