in

دخلك بتعرف «حرب كرة القدم».. الحرب التي اندلعت بين بلدين بسبب مباراة كرة قدم

يقول مدرب نادي (ليفربول) الراحل الأسكتلندي (بيل شانكلي): ”البعض يظن أنّ كرة القدم مسألة حياة أو موت، أنا أؤكد لكم أنها أكثر جدية من ذلك“.

مباراة السلفادور والهندوراس الفاصلة.

في عام 1969 قابل المنتخب السلفادوري نظيره الهندوراسي في ثلاثة مباريات ضمن التصفيات المؤهلة لكأس العالم المُقام عام 1970، وقد أتت هذه المباريات في فترةٍ زمنية تشهد تصعّد التوتر بين البلدين بسبب نزاعاتٍ حدودية قديمة بسبب قضايا الهجرة والتعصب القومي.

شهدت هذه المباريات أعمال عنف بين المشجعين في الملعب وأعمال شغب خارج الملعب أيضاً، قبل أن تتصعد الأمور إلى حربٍ بين البلدين سببت موت الآلاف ونزوح مئات الآلاف من منازلهم، وكان لها تأثير دام لفترةٍ كبيرة من الزمن، فقد تم إغلاق الحدود بين البلدين، التي كان يتم من خلالها العديد من المبادلات التجارية مما ترك عبئاً ثقيلاً على اقتصاد البلدين، كما أنّ إعادة توطين من هجّرتهم الحرب ترك أثراً اجتماعياً واقتصادياً كان سبباً لاندلاع حرباً أهلية بعد مرور أقل من عقد، كما استمر تبادل التهديدات بالبت في عمليات عسكرية بين البلدين لعقودٍ من الزمن، وآخر هذه التهديدات كان في عام 2013.

عناوين الصحف الرئيسية خلال ”حرب كرة القدم“.
عناوين الصحف الرئيسية خلال ”حرب كرة القدم“.

خلفية النزاع:

على الرغم من أنّ هذه الحرب اندلعت ظاهرياً بسبب لعبة كرة قدم لكن هناك بالتأكيد أسباب أعمق من ذلك بكثير، فخلال ستينيات القرن الماضي كان هذا البلدان المتجاوران تحت حكم أنظمة عسكرية، وكان حكامهما يتشاركون في نفس القيم القمعية، مما أنشأ علاقةً جيدة بينهم على الرغم من المشاكل الحدودية القديمة بين البلدين، فكلا البلدان كان جزءاً من مجلس دفاع أمريكا الوسطى والذي كان يهدف لسحق الحركات اليسارية، كما كان كلا البلدين جزءاً من السوق المشتركة لأمريكا الوسطى التي سهلت التبادلات التجارية بينهما.

غير أن النمو السكاني الكبير شكل عبئاً على موارد واقتصاد ومجتمع كلا البلدين خاصةً السلفادور، حيث تبلغ مساحة السلفادور سُدس مساحة الهندوراس لكنها تملك تعداداً أكبر بـ40% من تعداد الهندوراس، ففي عام 1969 كان التعداد السكاني يبلغ 3.7 مليون نسمة في السلفادور مقابل 2.6 مليون نسمة في الهندوراس.

نتيجةً لهذا الأمر، قام العديد من الفلاحين السلفادوريين منذ أوائل القرن العشرين بعبور الحدود إلى الهندوراس حيث قاموا هناك بزراعة الأراضي الشاغرة، وبحلول عام 1969 كان هناك حوالي 300.000 فلاح سلفادوري في هندوراس، وهو ما يُعادل خُمس عدد الفلاحين الهندوراسيين.

قام العديد من الفلاحين السلفادوريين بزراعة وحصد المحاصيل في أراضِ هندوراسية عبر عدة أجيال دون امتلاكهم لملكية قانونية للأرض مما وضعهم في موقفٍ حرج، حيث أنّ معظم الأراضي في الهندوراس مملوكة من قبل فئةٍ صغيرة من الأشخاص مؤلفة من أغنياء محليين وشركات كبيرة متعددة الجنسيات، مثل شركة الفواكه المتحدة الأمريكية، وقد اعتمد ملاك الأراضي هؤلاء على الدكتاتور الحاكم لهندوراس (أوسفالدو لوبيز أريلانو) ليقوم بحماية مصالحهم.

جنود سلفادوريون في الـ15 يونيو يوجهون أسلحتهم ناحية الهندوراس.
جنود سلفادوريون في الـ15 يوليو يوجهون أسلحتهم ناحية الهندوراس.

في عام 1962 صدر قانون إصلاح زراعي قام بتوجيه الحكومة الهندوراسية لإعادة توزيع الأراضي على الفلاحين، لكن الدكتاتور الهندوراسي كان على علم بالانقلاب الذي نظمته الـCIA في البلد المجاور غواتيمالا، والذي أطاح بحكومةٍ منتخبة حاولت إصلاح الأراضي وتوزيعها على الفلاحين مما هدد أملاك واستثمارات شركة الفواكه المتحدة الأمريكية.

لذا تعلم (أريلانو) من هذه الحادثة ولم يُخاطر بحدوث انقلاب يزيله من الحكم بسبب محاولته إعادة توزيع الأراضي المملوكة من الأغنياء الهندوراسيين وشركة الفواكه المتحدة الأمريكية ولم يُطبق قانون الإصلاح الزراعي، عوضاً عن ذلك قامت السلطات الهندوراسية بقمع الفلاحين السلفادوريين الموجودين في الهندوراس وقامت بتوزيع الأراضي الصغيرة التي يقومون بزراعتها على الفلاحين الهندوراسيين.

تم الاستيلاء على الأراضي التي يقوم الفلاحون السلفادوريون بزراعتها بطريقةٍ تعسفية دون التمييز بين المستوطنين منهم وبين من يملك حقاً قانونياً الأرض، فعلى مر الأجيال تزوج العديد من هؤلاء السلفادوريين من هندوراسيين، والعديد من هؤلاء الذين يُعتبروا سلفادوريين وُلدو وعاشوا طوال حياتهم في الهندوراس ولهم أسلاف هندوراسيون.

كما أن المشاعر القومية المعادية للهجرة كانت في أوجها، مما قاد العديد من الهندوراسيين إلى تحويل السلفادوريين إلى كباش محرقة، حيث تمت معاملتهم بتمييزٍ واضح وقام البعض بمهاجمتهم حتى، وقد ازداد التوتر بين البلدين الجارين عندما تم طرد الآلاف من العاملين السلفادوريين من الهندوراس، بعضٌ منهم من المهاجرين والبعض الآخر من المستقرين هناك منذ زمنٍ طويل.

فريق السلفادور لكرة القدم قبيل المباراة الفاصلة مع الهندوراس في عاصمة المكسيك.
فريق السلفادور لكرة القدم قبيل المباراة الفاصلة مع الهندوراس في عاصمة المكسيك.

كرة القدم تُشعل الحرب:

بحلول عام 1969، كان التوتر في أوجه بين البلدين، وقد ازداد هذا التوتر عندما قام الرئيس السلفادوري (فيديل سانشيز هيرنانديز) بنشر صور تُظهر الاعتداءات وسوء المعاملة والهجمات التي تعرض لها السلفادوريون في الهندوراس، وفي هكذا أجواءٍ مشتعلة حان موعد مباراتي كرة القدم بين البلدين اللتان زادتا الأمور سوءاً.

في يونيو من عام 1969، لعب المنتخبان مباراتي ذهاب وإياب ضمن التصفيات المؤهلة لكأس العالم 1970 الذي سيُقام في المكسيك، وقد تحولت هاتان المباراتان إلى انعكاسٍ للعداء ما بين البلدين، وعوضاً أن تقوم بتخفيف بعض الضغط المتصاعد بين البلدين حدث العكس وتصعّدت الأمور أكثر وتحولت إلى حربٍ.

عُقدت المباراة الأولى في الثامن في يونيو في العاصمة الهندوراسية (تيغوسيغالبا) وانتهت بفوز الهندوراس بنتيجة 1-0، وشهدت المباراة أعمال شغب حيث تشاجر المشجعون، وبعد المباراة قامت فتاة سلفادورية شابة بإطلاق النار على نفسها حزناً على الخسارة، وتمت معاملتها كبطلةٍ قومية حيث تم بث جنازتها على التلفاز الوطني مما أشعل مشاعر السلفادوريين أكثر، وقاد إلى تصعّد العنف.

في مباراة الإياب التي لُعبت في 15 يونيو في السلفادور، تم قتل عدة مشجعين هندوراسيين كما اضطر لاعبو المنتخب الهندوراسي إلى التنقل باستخدام سيارة مصفحة، وقد تم الاعتداء على الفندق حيث يقطنون، كما تم رفع سجادةٍ عوضاً عن العلم الهندوراسي.

انتهت مباراة الإياب بفوز منتخب السلفادور بنتيجة 3-0 وقد انتقم الهندوراسيون من الخسارة ومن أعمال العنف التي تعرضوا لها في السلفادور عن طريق تصعيد الهجمات على المهاجرين السلفادوريين، لكن فارق الأهداف لم يكن يُحدد الفائز حينها، عوضاً عن ذلك تم تحديد مباراة ثالثة بهدف تحديد الفائز، لُعبت المباراة في العاصمة المكسيكية في السابع والعشرين من يونيو وانتهت بفوز السلفادور بنتيجة 3-2 بعد الأشواط الإضافية، بعد المباراة قام الهندوراسيون بمهاجمة المهاجرين السلفادوريين مجدداً.

مباراة السلفادور والهندوراس الفاصلة.
مباراة السلفادور والهندوراس الفاصلة.

في نفس اليوم، قامت حكومة السلفادور بقطع العلاقات الدبلوماسية مع الهندوراس كرد فعلٍ على سوء معاملة المهاجرين السلفادوريين وفشلت الحكومة الهندوراسية بالتدخل لإيقاف سوء المعاملة هذه، وقد أعلنت الحكومة السلفادورية أنّه في الأيام العشر التالية للخامس عشر من يونيو اضطر 12.000 سلفادورياً الهرب من الهندوراس بينما وقفت الحكومة الهندوراسية مكتوفة الأيدي، لذا قالت الحكومة السلفادورية أنّه لا داعي لإبقاء العلاقات الدبلوماسية حيث أنّ الحكومة الهندوراسية: ”لم تقم بشيء لمنع قتل واضطهاد واغتصاب وسرقة وترحيل السلفادوريين، حيث لم تتخذ حكومة هندوراس أي إجراءات فعالة لمعاقبة الجرائم التي ترتقي إلى إبادةٍ جماعية، كما لم تقدم أي ضماناتٍ لتعويض السلفادوريين عن الأضرار التي تعرضوا لها“.

بدأت الحرب بعدها بأسبوعين في الرابع عشر من يوليو عندما قامت القوات الجوية السلفادورية بضرب أهدافٍ ضمن الأراضي الهندوراسية.

الحرب وتبعاتها:

طائرات F4-U Corsairs العسكرية التي استخدمت في الحرب.
طائرات F4-U Corsairs العسكرية التي استخدمت في الحرب.

في الرابع عشر من يوليو من عام 1969، أُخذ الهندوراسيون على حين غرةٍ، فبهدف مفاجأة العدو استخدم السلفادوريون طائراتٍ مدنية لتنفيذ الغارات الجوية حيث قاموا بوضع القنابل على أطرافها، كان الهدف الأول هو مطار (تونكونتين) الدولي الذي يبعد مسافةً قصيرة عن مركز عاصمة الهندوراس، والذي كان يُعد أيضاً القاعدة الجوية الأساسية للجيش الهندوراسي.

أثّرت الأضرار الجسيمة التي سببتها هذه الضربة للقوة الجوية الهندوراسية المجهزة بشكلٍ أفضل على قدرتها على الرد بشكلٍ سريع على الهجوم البري الذي شنته السلفادور بعد الهجمات الجوية فوراً.

كانت القوة الجوية لكلا البلدين تتكون من طائراتٍ أمريكية من فترة الحرب العالمية الثانية مثل Vought F4-U Corsairs وNorth American P-51 Mustangs وغيرهما، في السابع عشر من يوليو تواجهت الطائرات الحربية لكلا البلدين وتمكن طيار هندوراسي من إسقاط طائرتين سلفادوريتين.

في ذات الوقت، تمكن الجيش السلفادوري الأكبر حجماً من التوغل في الهندوراس عن طريق المشاة المدعومين بشكل جيد بالقوة المدفعية المؤلفة من مدافع (هاوتزر) الأمريكية، كما استخدموا مركباتٍ قتالية مدرعة من فترة الحرب العالمية الثانية أيضاً مؤلفة بشكلٍ رئيسي من الدبابة الأمريكية M3 Stuart.

بحلول مساء الخامس عشر من يوليو، كانت القوات السلفادورية قد حققت نجاحاً سريعاً، فقد تمكنت من السيطرة على 9 مدن هندوراسية وأصبحت العاصمة الهندوراسية (تيغوسيغالبا) ضمن مجال نيران القوات السلفادورية قبل أن يفقد الهجوم زخمه، ففي اليوم التالي كانت القوات الهندوراسية الجوية المجهزة -كما ذكرنا- بشكل أفضل قد استعادت فعاليتها بعد الهجوم المفاجئ الذي تعرضت له وبدأت بالرد.

قام الهندوراسيون بقصف مطار (إيلوبانغو) الدولي الذي يُعد القاعدة العسكرية الجوية الرئيسية للجيش السلفادوري، كما قامت بقصف منشآت نفطٍ كبيرة وصغيرة، وبنهاية السادس عشر من يوليو كان الدخان يتصاعد من الخط الساحلي للسلفادور بأكمله نتيجة احتراق منشآت ومستودعات النفط.

بعد اندلاع الحرب، عقدت منظمة الدول الأمريكية OAS اجتماعاً عاجلاً في الخامس عشر من يوليو ودعت إلى وقفٍ فوري لإطلاق النار وسحب كامل القوات السلفادورية من الهندوراس، رفض السلفادوريون هذا الأمر في البدء وطالبوا بتقديم تعويضات وضمان سلامة السلفادوريين المقيمين في الهندوراس، لكن في النهاية استسلموا ووافقوا على إيقاف إطلاق النار في الثامن عشر من يوليو مما أنهى حرباً استمرت قرابة 100 ساعة فقط.

نتيجةً لهذه الحرب؛ فقد 900 مواطن سلفادوري حياته معظمهم من المدنيين، بينما تُوفي 250 عسكرياً هندوراسياً وقرابة 2000 مدني، وتهجّر ما يقارب 300.000 سلفادوري، حيث هرب معظمهم من الهندوراس إلى السلفادور، لكن الحكومة السلفادورية التي كانت تعاني في الأصل من الاكتظاظ السكاني لم تقم بمساعدة النازحين، واضطر هؤلاء لتحمل ظروفٍ معيشية سيئة جداً وفقرٍ مدقع.

سببت معاناة النازحين هذه اضطراباً في المجتمع، مما أدى في النهاية إلى نشوء حربٍ أهلية في عام 1979 استمرت لمدة 12 عاماً وسببت موت 80.000 شخص ونزوح أكثر من مليون سلفادوري.

لاجئون هندوراسيون يتجهون ناحية الحدود الغواتيمالية.
لاجئون هندوراسيون يتجهون ناحية الحدود الغواتيمالية.

في عام 1980؛ قامت حكومتا السلفادور والهندوراس بتوقيع اتفاقية سلام، واتفقتا على وضع مشاكل الحدود المستمرة بينهما بيد محكمة العدل الدولية التي قامت بالنهاية بإصدار حكمٍ نهائي في عام 1992، لكن التوتر استمر ما بين البلدين حتى مؤخراً، فالخلافات حول ما عناه حكم محكمة العدل الدولية أدى لتبادل تهديداتٍ عسكرية بين البلدين المتجاورين آخرها في شهر مارس من عام 2013.

أما فيما يخص كرة القدم، فبعد الفوز على منتخب هندوراس تمكن المنتخب السلفادوري من هزيمة منتخب هاييتي والوصول إلى نهائيات كأس العالم 1970، لكنه خسر في النهاية مباريات دور المجموعات الثلاث بعد تلقيه 9 أهداف دون أن ينجح بتسجيل أي هدف.

عُرفت هذه الحرب لاحقاً باسم ”حرب كرة القدم“، وعلى الرغم من أن الأسباب التي أدت إلى الحرب أعمق من كرة القدم بكثير لكن تبقى كرة القدم هي الشرارة التي أشعلت هذه الحرب، وحتى يومنا هذا مازالت كرة القدم هي الرياضة الأكثر شعبية في العالم، ومازال هناك العديد من المشجعين المُتعصبين المستعدين لخوض معارك من أجل الفريق الذي يقومون بتشجيعه، آخر الأمثلة على ذلك هو أعمال العنف التي ميّزت نهائي (كوبا ليبرتادوريس) هذا العام الذي كان أطرافه لأول مرة الفريقين الأرجنتينيين العدوّين (بوكا جونيورز) و(ريفر بلايت).

فقد أدت أعمال العنف التي اندلعت في مباراة الإياب، والتي سادتها اشتباكاتٍ بين الجماهير واعتداء جماهير نادي (ريفر بليت) على الحافلة التي تقوم بنقل لاعبي فريق (بوكا جونيرز)، إلى تأجيل المباراة عدة مرات حتى أُجريت أخيراً خارج القارة الأمريكية بأكملها في ملعب نادي ريال مدريد (سانتياغو بيرنابيو) في إسبانيا، وذلك بسبب فشل القوات الأمنية في السيطرة على الجماهير الأرجنتينية في أرضها.

جاري التحميل…

0