in

دخلك بتعرف ”جنة الأهوار“ التي دمرها صدام حسين!

في بقعة جغرافية قلّ نظيرها في العالم، لا بل إنها الوحيدة والفريدة بما تجمعه من سحر وخيال.. ”جنة الله على الأرض“ هكذا يصفها كل من يزورها، ويشاهد طبيعتها الجذابة.. إليها التجأ (جلجامش) بحثاً عن الخلود، وفيها أخبره (أوتنابشتيم) عن الطوفان.

ما إن تدوسها قدميك حتى تعتقد أن الطوفان قد حدث منذ برهة، فالمستنقعات المائية على مد النظر تغطي أجزاؤها قصب السكر والبردى، وفي عُرضها بنى المقيمون بيوتهم من الطين والقصب، يعيش أهلها على صيد السمك وزراعة قصب السكر والأرز.

الأهوار العراقية:

هي مجموعة من المسطحات المائية تغطي الأراضي المنخفضة الواقعة في جنوبي السهل الرسوبي العراقي، وتقع مدن العمارة والناصرية والبصرة على رؤوس المثلت الذي يشكله السهل.

تتسع مساحة الأراضي المغطاة بالمياه وقت الفيضان في أواخر الشتاء وخلال الربيع، وتتقلص أيام الصيهود –شدة الحر–.

أهوار العراق
أهوار العراق.

تُعتبر مناطق الأهوار تراثاً إنسانياً، وحضارياً، وقد كانت موطناً للسكان الأصليين منذ آلاف السنين. قَدّر الباحث (غافن يونغ) عُمْرَ هذا المجتمع بخمسة آلاف سنة، كما تتمتع بأكبر نظام بيئي من نوعه في الشرق الأوسط وغربي آسيا.

وقف عتبة بن غزوان على حافة منابت القصب، أي الأهوار، بشمال البصرة قائلاً لجيشه: ”ليست هذه من منازل العرب“، فاستبدال الحصان والجمل بزورق الهور الرشيق، والخيمة بصريفة القصب ليس بالأمر الهيّن، وبهذه الكلمة عبر عتبة عن قدم جغرافيا الأهوار وأهلها.

شاهد الفيديو للتعرف على الطبيعة الساحرة التي تتمع بها المنطقة:

كانت في زمن الخلافات الإسلامية ملجأً للمعارضين والهاربين من بطش الحكام نظراً لمساحتها الشاسعة، وصعوبة الولوج إليها، بالإضافة إلى القدرة على التخفي بين أهلها لكثرة المتاهات في طبيعتها، إلى أن جاء زمن صدام حسين الذي لم يتوانَ عن تدميرها وتحويلها من أرض خصبة تعج بالحياة إلى أرض قاحلة هَجَرَها أهلها، فمنهم من قُتل، ومنهم من استحالت عودته لإنقطاع مصدر رزقه، فالماء وقصب السكر وصيد الأسماك من أساسيات الحياة هناك.

كيف بدأت القصة؟

في عام 1985 بدأ نظام الحكم في العراق باتباع الخطوات الرامية لتجفيف منطقة الأهوار التي احتضنت الجنود الإيرانيين خلال الحرب الخليجية الأولى، وفي عام 1991 اندلعت شرارة الانتفاضة العراقية، أو كما يطلق عليها الانتفاضة الشعبانية، ضد نظام حكم صدام حسين آنذاك، بسبب التداعيات الإقتصادية والسياسية والظروف المعيشية الصعبة، فاستنفر أركان النظام العراقي وجمعوا قواهم ضد الاحتجاجات لإخمادها، ونجحوا في القضاء على الانتفاضة في كل المدن إلّا منطقة الأهوار، التي استعصت عليهم نظراً لطبيعتها الجغرافية، وبقيت هائجة، ومنتفضة في وجه النظام وتحولت فيما بعد إلى ملجأ لإيواء المعارضين، والهاربين من بطش السلطات.

وإذا أمكننا مقاربة الماضي بالحاضر، فإن ماحدث في الأهوار هو شبيهٌ إلى حدٍّ ما بما يحدث في مدينة إدلب السورية التي يجتمع فيها غالبية المعارضين، والتي استعصت على النظام لسنوات لعديدة بسبب مساحتها الجغرافية الريفية الكبيرة.

إذاً ماهي خطة صدام حسين للقضاء على المعارضين له؟

عزة الدوري
عزة الدوري

كلّف صدام حسين عزة الدوري الذي كان آنذاك النائب العام للقوات المسلحة بتسلم الهجوم على المنطقة والتخلص من المحتجين، وإعادة السيطرة عليها. بدوره كلف الدوري ضابطين لتسلم الهجوم الذي قسمه جغرافيا إلى اثنين.

بدأ الجيش العراقي هجومه من خلال مكبرات الصوت ذائعاً بأنه سيقصف منطقة العمارة بالطائرات المحملة بالغازات الكيميائية، ومنطقة العمارة تتصل أهوارها بإيران من جهة وبمدينة الناصرية من جهة أخرى، نتج عن ذلك هجرة أكثر من مئة ألف شاب إلى مناطق الأهوار.

أما في منطقة الأهوار، فقد خاض الجيش العراقي حرباً ضروساً مع المنتفضين الذين دافعوا بضرواة عن مناطقهم، ولكن الكفة رجحت للذي يملك السلاح الأثقل، فكانت النتيجة اختفاء أكثر من 50 ألف شاب بين قتيل ومسجون وهارب من الأهوار، وبذلك تم القضاء على الثورة بشكل كامل، ولكن الأمر لم ينته هنا.

تجفيف الأهوار:

صدام حسين
صدام حسين.

بخطة مُحكمة كلف بها صدام حسين مجموعة من المهندسين لتجفيف أهوار العراق من الماء وتقليص مساحتها تدريجياً، وكان الدكتور (جيمس برازنكتون)، الأكاديمي في قسم الجغرافيا بجامعة (كامبريدج)، قد نبه في مقابلة صحفية مع جريدة الشرق الأوسط عام 2001: ”إلى أن أعمالا هندسية جديدة تجري في مناطق أهوار الحويزة المتاخمة للحدود العراقية-الإيرانية لتجفيف وسحب المياه المتبقية هناك عن طريق نهر أم المعارك الذي شقته السلطات العراقية“.

واعتمد الدكتور (برازنكتون) على صور فضائية التقطتها وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، وقال أن هذه الصور التي توضح جفاف أكثر من 90٪ من حياة الأهوار بدأ في التقاطها منذ عام 1977، وهي توضح بدقة متناهية نسب جفاف مياه الأهوار في جنوب العراق، وفي ذات السياق قالت البارونة (إيما نيكلسون) أن نظام صدام حسين هجّر أكثر من 95 ألفاً من سكان الجنوب إلى المخيمات الإيرانية، وعرّض أكثر من مليون شخص من سكان الأهوار لمخاطر المجاعة والمرض والموت.

الكوارث البيئية والاجتماعية والبشرية الناتجة عن التجفيف:

اعتبرت الأمم المتحدة أن عمليات تجفيف الأهوار العراقية من أكبر الكوارث البيئية في القرن العشرين، وقارنتها بما حدث من قطع للأشجار في حوض الأمازون، فقد انخفض عدد السكان من 500 ألف إلى 22 ألفاً فقط تزامناً مع تحول 90٪ من أراضي الأهوار إلى صحراء قاحلة انعدمت فيها الحياة.

وتزامناً مع ما جرى، فقد تراجعت الحالة البيئية في المنطقة وتعرضت الأسماك إلى خطر الانقراض، ومن بين أربعين نوعاً من الطيور التي كانت تأويها المنطقةة انقرضت سبعة أنواع، وهاجر ما تبقى منها، بالإضافة إلى نفوق أعداد هائلة من الجاموس البري.

الجدير بالذكر أن أهل الأهواز يعيشون حالة اقتصادية صعبة بالرغم من أنهم يعيشون في منطقة يتواجد فيها كنز نفطي هائل، فمن المتوقع أنها تحتوي على أغنى احتياط نفطي في الشرق الأوسط.

أهوار العراق

انطلاقاً من أهمية هذه المناطق أدرجتها اليونسيكو في عام 2016 على لائحة التراث العالمي لإعادة الإهتمام بها وإرجاعها لسابق عهدها، كما سعت السلطات العراقية بعد سقوط صدام حسين لإيجاد الحلول لإعادة الحياة للمنطقة، وذلك بالتعاون مع المنظمات الدولية، وكان إدراج المنطقة ضمن لائحة التراث العالمي قيمة مضافة للتأكيد على أهمية المنطقة وضرورة إعادتها كسابق عهدها.

أخيراً، هل مازلت تعتقد أن صدام حسين ”بطلاً“ عربيا لا يتكرر؟

جاري التحميل…

0