تاريخ

دخلك بتعرف قصة مدفع ”بابل الكبير“، مدفع صدام حسين الضخم

مدفع بابل الكبير

إذا أمعنت النظر في ”مجموعة الأسلحة الملكية“ في متحف Fort Nelson في Hampshire في إنجلترا سترى أنبوبين فولاذيين مرتبطين ببعض وموجهين عالياً نحو السماء، كبيرين جداً لدرجة يمكن أن يتسع أحدهما لرجل وهو في وضعية الاستلقاء.

هذان الأنبوبان الأسطوانيان هما من آخر القطع المتبقية والمتنافسة على لقب أكبر وأجرء القطع الهندسية التي سبق وأن اختُرعت في تاريخ البشرية؛ هذان الأنبوبان يشكلان مدفعاً خارقاً يسمى بمدفع ”بابل الكبير“، الذي كان بإمكانه أن يُطلق قمراً صناعياً لمداراه من سبطانته التي يبلغ طولها 156م.

مدفع بابل الكبير

كان المهندس والمخترع الكندي Gerald Bull –وهو واحد من رواد مجال المدافع– يأمل بأن هذا المدفع سوف يشكل ثورة في مجال إطلاق الأقمار الصناعية باتجاه الفضاء ويغني عن استعمال قواعد الإطلاق المتعارف عليها مع الصواريخ الحاملة للأقمار، يقول القيم على قسم المدافع في متحف ”الأسلحة الملكية“ واسمه Hall: ”كان Bull عالماً ومخترعاً عظيماً ذو شخصية جذابة جداً، وهذا المدفع هو عبارة عن تذكار عظيم من مهندس عظيم“.

لكن لم يُنجز هذا المدفع العظيم أبداً، ولم يقترب أحد منه من إنجازه منذ ذلك الحين، إذاً ما الذي حصل؟

الجواب هو حكاية تغطرس، حكاية طموحات مقتولة وأسرار عسكرية، ففي ذلك الوقت الذي كانت خبرة Bull فيه مطلوبةً بشكل كبير من قبل الدول العظمى حول العالم، قرر هذا المهندس صنع مدفعه الخارق لصالح الرئيس العراقي السابق صدام حسين، قراره هذا الذي انتهى به مقتولا.

ولكن السؤال الذي لا يزال محيراً إلى الآن: هل كان يمكن لمدفع هذا المهندس أن يعمل حقاً؟ وهل يمكن لهذه الفكرة التي ماتت معه أن تعود للظهور من جديد مع غيره؟

بدأ هذا المهندس الموهوب بالعمل مع الحكومة الكندية والأميركية في مجال البحث حول تكنولوجيا المدافع الكبيرة في ستينات القرن الماضي، في البداية استعمل مهندسون مختلفون تصاميم Bull لإجراء اختبارات تتعلق بالطائرات التي تخترق حاجز الصوت من دون الحاجة لاستخدام قواعد إطلاق هوائية عالية التكلفة، وذلك من خلال إطلاق نماذج أولية لمسافات قصيرة عبر سبطانة طويلة لمدفع ضخم جداً.

وعلى الرغم من أن الأمر قد انتهى بهذا المهندس العظيم بالقيام بأبحاث عسكرية لأسلحة مختلفة مدعومة من قبل حكومات متحاربة، فإنه كان يأمل بأن يتم استخدام تصاميمه لإطلاق الأقمار الصناعية إلى الفضاء عوضاً عن الصواريخ المدمرة والقاتلة.

يقول Andrew Higgins وهو بروفيسور في قسم الهندسة الميكانيكية في جامعة McGill University في كندا: ”كان الهدف هو تخفيف تكلفة عمليات الإطلاق، فعوضاً عن التخلص من صاروخ الإطلاق الذي نستخدمه في رفع القمر الصناعي إلى الفضاء يمكننا استخدام هذا المدفع لإطلاق الأقمار عدة مرات من نفس السبطانة، مما يوفر علينا الكثير من المال والقطع المادية“.

في عام 1961، بدأ Bull العمل على مشروع رفيع المستوى يدعى بـHarp اختصارا لـ”مشروع الأبحاث على الارتفاعات العالية“، وهو عبارة عن مشروع مشترك بين الحكومتين الأميركية والكندية، يهدف هذا المشروع إلى استخدام مدافع معدّلة لإطلاق مسابر إلى مدارات فرعية لمعرفة حالة الطقس، ولكن الأمر الملفت بهذا أن هذه المسابر كان من المفروض أن تتمتع بخاصية العودة من المدار أيضاً!

ولكن تم تعليق هذا المشروع في عام 1967 نتيجة الحرب الفيتنامية المكلفة والمثيرة للجدل التي حصلت في تلك الفترة، أي أنه تم تعليقه قبل أن يتم إطلاق أي مسبار جوّي إلى مداره، ولكن هذا الأمر دفع وحمس Bull وجعله يفكر في إمكانية استخدام مثل هكذا مدفع في إطلاق الأقمار الصناعية إلى الفضاء وجعله يفكر بتصميم المدفع العظيم الذي نتحدث عنه.

راقت هذه الفكرة لـBull لأنها كانت لتنهي عملية الإطلاق التي كانت تتطلب انفصال الصواريخ الدافعة في كل مرحلة من أجل إعطاء دفع نفاث أكبر للقمر الصناعي ليصل إلى مداره، فالمرحلة الأولى من الإطلاق التقليدي تتطلب كمية كبيرة من الطاقة لكي يتمكن الصاروخ من التحرك بالنظر لكتلته الهائلة، مما يدفعنا لملئه بشكل كبير جداً بالوقود اللازم والمكلف لكي يتمكن من تجاوز أثخن طبقة جوية قبل أن يتمكن من إكمال مهمته، بالإضافة لكون المحركات الصاروخية باهظة الثمن.

يمكن لمدافع إطلاق مشروع Harp أن تطلق قذائف (في حالتنا هذه مسابر) بسرعة 2 كم في الثانية الواحدة كما يشرح Higgins، وإن استخدمنا الغاز من أجل تزويد هذه المقذوفات بالطاقة فبإمكانها أن تنطلق بسرعة أكبر من 2 كم في الثانية، فيقول: ”إن هذه المدافع تستبدل فعلاً أكثر من نصف مرحلة عملية الإطلاق التقليدية بعملية إطلاق غير تقليدية وأكثر اقتصادية“.

قد تظن بأنه لا يمكن لأي قمر صناعي أن ينجو من قوة الجاذبية والتسارع التي يتعرض لها أثناء حركته السريعة جداً باتجاه مداره عندما يتم إطلاقه من مثل هكذا مدفع، ولكن هذا الأمر مبالغ فيه تبعاً لـHiggins، فقذائف المدافع العسكرية في أيامنا هذه تملك أنظمة GPS وألياف ليزرية موجّهة وشرائح إلكترونية التي بإمكانها تحمل هذه القوى الناجمة عن التسارع، إذاً يمكن أن يتم إنجاز مثل هكذا مشروع. يقول Higgins: ”يمكن أن يولد تجاوز أخفض طبقة من طبقات الغلاف الجوي (الطبقة الأكثف) بسرعة هائلة مشكلة نقل حراري كبيرة، ولكن الأطلية المغلفة الموجودة حالياً والدروع الحرارية التي تغطي رأس القذيفة يمكنها تولي الأمر بشكل جيد“، تبقى بضعة أمور سلبية ألا وهي صوت الانفجار المدوي الناجم عن هذا الإطلاق، والتأثير السيء على البيئة، وحتى يمكن أن يصل لحدوث مشاكل سياسية بين الدول.

كان Bull مقتنعاً بأن مدفعه الخارق سيكون هو مستقبل هذه الصناعات ولكن جل ما كان ينقصه هو التمويل الكافي لإنجازه، ولكي يوفر Bull التمويل الكافي عمد إلى بيع الأسلحة واستمر في تطوير مدفعه الخارق كمشروع جانبي، وقام بتأسيس شركة خاصة باسم ”Quebec للأبحاث الفضائية“، وسرعان ما بدأ ببيع الأسلحة لحكومة جنوب أفريقيا.

تم إلقاء القبض عليه في جنوب أفريقيا في عام 1976 لخرقه قانون حظر توريد الأسلحة المفروض من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وأمضى فترة 6 أشهر في سجون الولايات المتحدة الامريكية كعقاب له على فعلته هذه، وعندما تم الإفراج عنه عاد مجدداً لبيع الأسلحة لحكومة جنوب أفريقيا وغرّم هذه المرة بـ55,000 دولار بتهمة تجارة الأسلحة دولياً، وهنا سئم المهندس الموهوب من تدخل كندا والولايات المتحدة الأمريكية في عمله وانتقل إلى (بروكسل) في (بلجيكا) وبدأ العمل عن طريق شركة أوروبية أسسها هناك.

لم يكن صعباً العمل مع Bull على حد تعبير Hall، ولكن شخصيته بدأت تتسم ببعض السواد مع نهاية مشواره المهني، كما أخذ يبتعد تدريجياً عن العالم الغربي وقيمه.

في عام 1981 تواصلت الحكومة العراقية مع Bull بغرض تصميم مدفع لها لاستخدامه في الحرب العراقية الإيرانية، وفي تلك الفترة كان صدام حسين لا يزال وزيراً للدفاع، ولكنه كان معجباً بـBull وبتصاميمه وخاصةً بعد أن أثبتت مدى فعاليتها خلال الحروب.

يقول Hall: ”كان صدام حسين مهتماً به لاعتقاده أن بإمكانه مساعدة الحكومة العراقية في عملية تصميم مدافع جبارة وقادرة على هزيمة إيران، وفي تلك الفترة لم يكن العمل مع صدام يشكل أي مشكلة ولم يكن قراراً غريباً لأنه لم يكن يشكّل أي تهديد على المجتمع الغربي آنذاك، فصدام حسين كان يريد أن يصبح قائداً للعالم العربي بأكمله وأن يُظهر نجاحه بوجود مثل هكذا تقنيات عسكرية بين يديه، كما أنه كان يرغب ببعض النشاطات الفضائية وهذا كان من شأنه أن يجذب Bull إليه، لقد كان هذا المهندس صيداً جميلاً لصدام حسين“، ويضيف: ”أراد صدام حسين أن يصبح قائداً للعالم العربي بأكمله وأن يظهر تفوقه العسكري من خلال تكنولوجيا المدافع المتقدمة تلك“.

وأخيراً وفي عام 1988 دفعت الحكومة العراقية للمهندس 25 مليون دولار من أجل البدء بمشروع بابل –أول مشروع مدفع فضائي حقيقي– ولكن بشرط أن يتابع العمل على مدافع العراق العسكرية أيضاً.

بدأ هذا المشروع على شكل ثلاث مدافع خارقة: إثنان منها كانا بالحجم الكامل بقطر داخلي يبلغ متراً لكل منهما عرفا باسم ”مدافع بابل الكبيرة“ Big Babylon، وآخر عبارة عن نموذج أولي بحجم غير كامل بقطر 35 سم وسمي بـ”بابل الصغير“ Baby Babylon. كانت سبطانة مدفع بابل الكبير بطول 156م مع قطر داخلي يبلغ متراً واحداً تقريباً، وكان وزن المدفع الكبير يبلغ تقريباً 1510 طن، وهو وزن يجعل هذا المدفع غير قابل للنقل نهائياً، كما تم تصميمه وتركيبه وتوجيهه بزاوية 45 درجة ضمن سفح تلة.

طغى حجم مدافع بابل الكبيرة على أي تصاميم سابقة لمدافع عملاقة في التاريخ، ويتضمن هذا الأمر المدافع التي تم بناؤها لأغراض عسكرية كالمدافع الألمانية التي تم استخدامها في الحرب العالمية الأولى والثانية. باستخدام قوة المدفع الدافعة التي تبلغ 9 طن بإمكان مدفع بابل الكبير نظرياً إطلاق قذيفة بوزن 600 كغ لمسافة 1000 كيلومتر، وهذا يضع الكويت وإيران في مرماه تماما، كما بإمكانه إطلاق قذيفة وزنها 2000 كغ حاملة لقمر صناعي وزنه 200 كغ!

ولكن لا بد أن يكون لتصميم هذا المدفع ضريبة ما، يقول Hall: ”أحد أبرز المشاكل التقنية التي تواجه مدفعاً عملاقاً كهذا هو كيفية إيصال القذيفة بعد الإطلاق إلى آخر السبطانة بالنظر لعوامل الاحتكاك التي سوف تتعرض لها وغيرها من المقاومات لتخرج بسرعتها المثالية، هذا يعني وجوب إيجاد حلول لهذه المشكلة المعقدة التي قد لا تواجه غيره من المدافع الصغيرة“، ولكنه يعتقد أن Bull كان قادراً على التغلب على هذه العقبة.

هل كان Bull قادراً على تخطي هذه العقبات من أجل إنجاح هذا المدفع؟

إحدى قطع تركيب مدفع بابل الكبير في متحف الأسلحة الملكية في (هامشاير)

إحدى قطع تركيب مدفع بابل الكبير في متحف الأسلحة الملكية في (هامشاير)

لو نجح في ذلك لكان ذلك المدفع أحد أرخص وسائل إطلاق الأقمار الصناعية إلى الفضاء بكلفة إطلاق الكيلوغرام الواحد إلى مدار الأرض الخارجي لا تتجاوز 1,727 دولار مقارنة بتكلفة الـ22,000 دولار للكيلوغرام في عملية إطلاق الأقمار الصناعية التقليدية باستخدام صواريخ الإطلاق المعروفة، طبعاً ذلك حسب تقديرات ناسا لتكلفة إطلاق الصواريخ الحالية.

لم يكن Bull هو الوحيد الذي رأى تلك الطاقة الكامنة الموجودة في المدافع الخارقة، ففي نفس الفترة كانت هناك تجارب أخرى تجري في مناطق مختلفة من العالم تدعم فكرة إمكانية وجود مثل هكذا مدفع قادر على إطلاق مثل هذه القذائف، ففي ثمانينات القرن الماضي وفي مخبر Lawrence Livermore الوطني الأميركي كان هناك عالم يدعى John Hunter وهو عالم ذو خلفية قوية في أمور المدافع المغناطيسية، حيث بدأ العمل على مدفع خارق يعمل بالغاز بتمويل لم يتحاوز بعضة ملايين من الدولارات وكان اسم هذا المشروع هو Super Harp أو Sharp كنوع من التكريم لجهود Bull المبذولة سابقاً.

يعمل مدفع Harp البارودي بنفس طريقة عمل مدفع Sharp الغازي، فكلاهما يعتمد على مبدأ توسع الغازات، وكلما كانت جزيئات الغاز أخف كلما زادت نسبه توسعه في الهواء، علما أن الوزن الجزيئي للبارود هو 22 وهو أقل بقليل من متوسط الوزن الجزيئي لغازات الهواء بشكل عام التي تُقدّر بـ28، ولكن البارود المشتعل يمتاز بحرارة مرتفعة جداً ولذلك هو يتوسع ويتمدد في الهواء بسرعة كبيرة جداً، بينما يبغ الوزن الجزيئي للهيدروجين المستخدم في مدافع الغاز 2 فقط لذلك فهو يتمدد بسرعة هائلة في الجو.

يقول Higgins: ”كان مدفع Harp يستخدم البارود لإيصال سرعة القذيفة إلى 2 كم في الثانية وبعدها كان الصاروخ المثبت في أسفل القذيفة (قمر صناعي) يتولى مهمة إيصال السرعة إلى 8 كيلومتر في الثانية، وهي السرعة الملائمة للوصول إلى مدار الأرض الجوي، بينما أثبتت مدافع الغاز كمدفع Sharp أنها بإمكانها إيصال القذيفة لسرعة 6 كيلومتر في الثانية لوحدها“، لذلك فإن القذيفة تنطلق بسرعة أقرب للسرعة الملائمة للدخول إلى المدار. تكمن المنفعة من وراء هذا بتوفير المزيد من المساحة داخل القمر الصناعي بسبب تخلي التصميم عن الصاروخ الذي يقبع أسفل القمر والذي ذكرنا بأنه يرفع سرعة القذيفة، مما يوفر مزيداً من المساحة للأقمار الصناعية أو لملء مساحات أكبر بالوقود أو مواد البناء أو المعدات التكنولوجية لإرسالها لمحطة الفضاء الدولية على سبيل المثال.

أما في خصوص احتمال استخدام الحكومة العراقية لمدفع ”بابل الكبير“ لأغراض عسكرية:

قطع تركيب مدفع بابل الكبير التي حجزت عليها الأمم المتحدة

قطع تركيب مدفع بابل الكبير التي حجزت عليها الأمم المتحدة

يقول Hall: ”لم يكن Bull جاهلاً بإمكانية استخدام العراق تقنية مدفعه الخارق لإطلاق الصواريخ ولكنه برر فعلته بالإشارة إلى أنه كان ليكون سلاحاً غير فعال“، فحجم هذا المدفع لم يكن ليسمح بنقله من مكانه أو توجيهه بمجرد ما تم بناؤه في منطقة أو اتجاه ما فهو يشير فقط إلى اتجاه واحد، كما كانت لتكون فترة تجهيز إطلاق القذيفة طويلةً جداً، وكان من السهل تحديد موقعه مما يسمح بتدميره بسهولة: كان الكل ليعرف مكانه لأن طاقة ارتداد إطلاق قذيفة منه ستتسبب في حدوث زلزال فعلي قوي تسجله جميع أجهزة الرصد حول العالم.

يقول Hall: ”كان هذا المدفع ليكون عرضةً للهجمات الجوية بسهولة، فمن غير الممكن أن تحركه من مكانه، ولكن عند تفكيرنا بأن من سيمتلك مثل هذه التقنية هو صدام حسين، ندرك مقدار الخطر والتهديد العسكري الذي كان يحوم في الجوار“.

من الممكن بالطبع أن تكون الحكومة العراقية قد أرادت أن تمتلك هذا السلاح بغض النظر عن نقاط ضعفه، يقول العميد حسين كامل الماجد الذي خدم في برنامج تطوير الأسلحة العراقية: ”كان الهدف منه هو استخدامه في الهجمات بعيدة المدى وإعماء وتشويش أقمار التجسس الصناعية“. طبعاً، انشق هذا العميد عن القوات العراقية ولجأ للأردن للعمل مع منظمة الأمم المتحدة هناك وقال: ”كان علماء العراق يعملون بجدية على هذا المدفع من أجل إطلاق قذائف تنفجر قرب القمر الصناعي في الفضاء مطلقة بعض المواد التي من شأنها التشويش عليه“.

وفعلاً في شهر مايو من عام 1989 تم الانتهاء من بناء مدفع بابل الصغير وتم تركيبه على أحد التلال وبدأت بعدها الاختبارات عليه، حيث كان ينبغي أن يكون هذا المدفع الصغير قادراً على إيصال قذيفة لبعد 750 كيلومتراً.

تمت صناعة مكونات مدفع بابل الكبير في كل من بريطانيا العظمى وألمانيا وفرنسا وإسبانيا وسويسرا وإيطاليا، فأنابيب الفولاذ العملاقة الموجودة في متحف ومعرض الأسلحة الملكية الموجود في Fort Nelson كانت قد تمت صناعتها في المملكة المتحدة (بريطانيا) من قبل شركة Sheffield Forgemasters المعروفة بتصنيعها لفولاذ عالي الجودة.

على أي حال، كل هذه الحكاية انتهت خلال فترة بسيطة لم تتجاوز السنة، ففي 22 مارس من عام 1990 اغتيل Bull بثلاث رصاصات اثنتان منهما في الرأس وواحدة في الظهر بينما كان يشرع في دخول شقته في بروكسل، لم يعلم أحد تبعيات هذه الجريمة: فالمسدس كان مزوداً بكاتم صوت ولم تُعرف هوية القاتل أبداً، وفي الشهور التي سبقت حادثة القتل هذه تم اقتحام شقة Bull في عدّة مناسبات، وذكرت صحيفة (نيويورك تايمز) أن رجال الشرطة وجدوا في مكان الجريمة أن المفتاح لا يزال في باب الشقة، كما عثروا على مبلغ 20,000 دولار في حقيبته التي لم تكن مفتوحة عندما وصلوا.

لم تُحدد هوية المسؤول عن عملية الاغتيال بالتحديد ولكن هناك اتهامات توجه نحو الموساد الإسرائيلي، ليس بسبب المدفع فقط ولكن لأن التقنيات التي كان يعمل عليها Bull مع حكومة العراق كانت تتضمن مشاريعاً متعلقة بالصواريخ الباليستية، كما اتُهمت استخبارات الولايات المتحدة الأمريكية بتدبيرها لهذا الاغتيال إضافة لأجهزة الاستخبارات البريطانية أيضاً وجنوب أفريقيا.

بعد مقتل Bull تم تجميد هذا المشروع، كما حجزت السلطات البريطانية على مكونات المدفع الخارق التي كانت على وشك مغادرة ميناء Teesport نحو العراق، وبعد ذلك بفترة قصيرة غزا صدام حسين الكويت وبذلك انتهت أي عملية تعاون كانت تجري بين الدول الغربية والعراق.

هل يمكن أن يعود مثل هذا المشروع للظهور مستقبلا؟

في الحقيقة، حاول البعض مواصلة هذا المشروع، ففي عام 2009 بدأ Hunter وشريكان اثنان مشروعاً جديداً على خلفية مشروع Sharp، وتم تسميه هذا المشروع Quicklaunch، وكان يأمل بأن يتم استخدام المدافع الغازية والمعتمدة على البارود أيضاً لإطلاق شحنات من الوقود وإرسالها إلى المحطات الفضائية في مدار الأرض.

كان تصميم مدفع هذا المشروع ليكون بطول 1,100 متر ويطفو على سطح البحر تقريباً حيث كانت سبطانته لترتفع لـ3 أمتار فوق البحر والباقي يكون تحت سطح المياه، الأفضلية التي يمنحه إياها تواجده في البحر هي إمكانية تحريكه لعدة اتجاهات وزوايا مما يتيح إطلاق عدة قذائف يومياً لعدة مدارات، حتى أن Hunter كان قد قال في معرض Google Tech Talk 2009 أن هذا المدفع بإمكانه إطلاق قذيفة كل ساعتين، ولكن لم يبدأ هذا المشروع بسبب مشاكل داخلية وفقاً لما ذكره Hunter، كما كانت هناك بعض مشاكل حقوق الملكية الفكرية التي انفصل طاقم العمل على إثرها في النهاية.

لا يبدو بأن هناك أملاً لعودة مثل هذه المشاريع نظراً لما حققته شركة SpaceX في مجال استخدام الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام والقابلة للعودة لمنصاتها، يقول Hunter: ”مع كل ما يفعله (أيلون موسك) في شركته SpaceX لا يوجد مجال لمشروع مثل مشروع Quicklaunch، ولكنني سعيد جداً لـ(إيلون) لأنه كان قد رفع عن ظهري عبئاً ثقيلاً في مجال الإطلاقات الفضائية“.

بإمكان شخص بقدرات (أيلون موسك) المالية الاطلاع على فكرة مشاريع المدافع الخارقة والاستثمار فيها ولكنه لن يفعل ذلك لأنه غير مهتم سوى بأمور الصواريخ، يقول Hunter: ”(أيلون) هو رجل أعمال ذكي جداً، فهو يعلم أنه في حال اعتماده على طريقة أقل إقناعاً في إرسال الأقمار إلى الفضاء كطريقة المدفع مثلاً فهو سيخسر كل الدعم المادي والمعنوي الذي يعتمد عليه في إكمال مشاريعه، فمن الصعب أن يدعم (أيلون) مشاريع المدافع حتى وإن علم بأن فيزياء تصميم هذا المدفع صحيحة ويمكنها النجاح“.

كما أن هناك حقيقةً لا تخفى على أحد هي أن Bull كان قد أعطى طابعاً سيئاً لمدافعه العملاقة بسبب خياراته السياسية وداعميه من الرؤساء، يقول Hall: ”هناك نوع من الحساسية التي تحيط بهذه المدافع، مما يجعل مجرد ذكرها يجلب شعوراً بأنها مشاريع مدمرة أكثر من كونها مساعدة، فقد تعلق اسم هذه المدافع بالدمار والمشاريع العسكرية الهادفة للغزو أكثر من كونها مشاريع لاستكشاف الفضاء، مما جعل إعادة تصميمها حالياً أمراً غير مرغوب“.

رغم كل هذا، فـHunter متفائل بشأن المستقبل ويقول: ”أعتقد أننا سنرى مدافع خارقة في المستقبل وهناك فرصة بأنني سوف أعود لأضع جهودي في هذا الأمر في حال توقف (إيلون موسك) عن مشاريعه الصاروخية، ولكننا في الوقت الحالي نحتاج لمعجزة لنحظى بالتأييد اللازم لمثل هذه المشاريع“.

على كل حال، لا يزال هناك من يستخدم بعض التقنيات التي كانت تُستخدم في المدافع العملاقة من قبل العديد من الجامعات والمنشآت العلمية في عملية الهندسة الجوية وفي عملية قياس أثر ارتطام الحطام الفضائي على طبقة الحماية الموجودة على الأقمار الصناعية.

تظهر هذه الصورة المتحركة أثر اصطدام قذيقة من الألمنيوم بقطر 1 سم بدرع قمر صناعي مصنوع من الألمنيوم سماكته 3 ملم -نفس نظام الحماية يُستخدم في محطة الفضاء الدولية- بسرعة 6,5 كيلومتر بالثانية.

يقول Higgins: ”أنا أعمل على مدفع صغير في مختبري في جامعة McGill بإمكانه إطلاق قذيفة بسرعة 11 كيلومتر في الثانية وهي سرعة قريبة جداً من سرعة الهروب من مجال الجاذبية الأرضية“.

هناك أيضاً خطط لإنشاء مدافع قادرة على إيصال سرعة القذيفة لـ15 كيلومتر في الثانية، فهناك سرعات كبيرة يجب علينا تجربتها لاختبار ما يمكن أن يحصل عندما تصطدم قطع صغيرة من الحطام الفضائي بالطبقة الحامية للأقمار الصناعية، فبينما لم يتم إطلاق أي قمر صناعي بتقنية مدفع Bull فنحن يمكننا أن نستخدم هذه التقنية في عملية حماية الأقمار الصناعية التي تم إطلاقها مسبقاً في الفضاء عبر طريقة الإطلاق الصاروخي.

تقبع أجزاء مدافع بابل اليوم في المخازن الحربية أو في المتاحف والمعارض الحربية أو العسكرية، فبنهاية الحرب على العراق حجزت الأمم المتحدة على نموذج مدفع بابل الصغير وقامت بتدميره بالإضافة إلى القطع المكونة لمدفعي بابل الكبيرين.

نجت بعض القطع من هذا التدمير وهي تلك التي استولت عليها المخابرات البريطانية، يقول Hall: ”لم يعد هناك من داع لاستخدام هذه القطع الباقية كدليل، فتم ترتيب منح بعض منها للمتاحف واحتفظت وزارة الدفاع البريطانية ببعضها“.

لا يمكن للعين البشرية تمييز الأسطوانتين العملاقتين الموجودتين في متحف Royal Armoury عن كونهما أكثر من أنابيب لنقل النفط ولكن هذه القطع هي قطع من إرث المهندس Bull: الرجل والمهندس والحالم الذي لطالما نظراً عالياً ووضع أهدافاً حلقت في الفضاء.

المصادر

عدد القراءات: 7٬372