in

اكتشاف قصر أثري مذهل داخل خزان كبير للمياه في العراق كان قد جفّ بفعل الظروف المناخية

حتى يومنا هذا، لا يُعرف الكثير عن إمبراطورية ميتاني، ولا تزال واحدة من أقل إمبراطوريات الشرق الأدنى القديم بحثاً.

تُعد امبراطورية ميتاني إحدى الحضارات القديمة، ولا توجد أبحاث كافية عنها. صورة: University of Tübingen.
تُعد امبراطورية ميتاني إحدى الحضارات القديمة، ولا توجد أبحاث كافية عنها. صورة: University of Tübingen

كان قصر كمون جزءاً من إمبراطورية ميتاني الغامضة التي حكمت سوريا وشمال بلاد مابين النهرين منذ آلاف السنين. ويعود عمر امبراطورية ميتاني إلى ما بين القرنين الرابع عشر والخامس عشر قبل الميلاد.

أما الميتانيون فهم هندو–آريون، والدلائل تشير إلى أنهم انتقلوا إلى كردستان في بداية الألف الثاني قبل الميلاد، وانصهروا بالشعب الخوري لتصبح اللغة الخورية لغتهم أيضاً. ومؤخراً، اكتشف علماء الآثار أنقاض قصر كمون بعد أن ضرب جفاف شديد كردستان العراق.

منظر من الجزء الجنوبي للقصر. صورة: University of Tübingen

لا جدال حول موضوع تغيّر المناخ وتأثيره السلبي على البيئة، ولكن على الرغم من ذلك، كان للتغير المناخي أيضاً بعض الجوانب الإيجابية بالنسبة للباحثين وعلماء الآثار في سعيهم نحو اكتشاف التاريخ.

كما ذكرت شبكة CNN، فإن الجفاف تسبب في انخفاض حاد في منسوب المياه في خزان سد الموصل على طول نهر دجلة، وبالتالي كشف عن قصر عمره 3400 عام تم دفنه تحت السد. يعمل الآن فريق من علماء الآثار الأكراد والألمان بعناية على اكتشاف أنقاض القصر من تحت الأرض.

أُرسلت عينات من هذا الموقع إلى ألمانيا لفحصها. صورة: University of Tübingen

قال عالم الآثار حسن أحمد قاسم في بيان صحفي عن الاكتشاف: ”إن هذا الاكتشاف هو أحد أهم الاكتشافات الأثرية في المنطقة في العقود الأخيرة“.

تم اكتشاف وجود القصر أسفل السد لأول مرة في عام 2010. ومع ذلك، فإن ارتفاع منسوب المياه، فضلاً عن وجود تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام ”داعش“، جعلا من الصعب مواصلة العمل في الموقع. لكن الجفاف الذي حدث هذا العام للمرة الأولى من نوعه، هو ما جعل الفرصة سانحة بقوة للخبراء للبدء بعمليات التنقيب.

صور تظهر الآثار المكتشفة
صورة: University of Tübingen

وفقاً لـ(إيفانا بولجيز) المشاركة في أعمال الحفر وعالمة الآثار من معهد دراسات الشرق الأدنى القديم بجامعة (توبنجن)؛ كانت سماكة جدران القصر حوالي المترين، وبلغ طولها أكثر من مترين. امتد القصر على الأقل على مساحة 1858 متر مربع تقريباً حسب التحليلات التي أجروها.

في العصور القديمة، كان قصر كمون يقع على قمة مرتفعة تطل على وادي دجلة على بعد 20 مترا فقط من الضفة الشرقية للنهر، وللمساعدة في تثبيت الهيكل على تضاريس الوادي المنحدرة؛ تم بناء جدار كبير مقابل الواجهة الغربية للقصر للحفاظ على ثباته.

يُعتقد أن هذا الاكتشاف المذهل كان جزءاً من إمبراطورية ميتاني التي حكمت ذات يوم أجزاء من سوريا وشمال بلاد ما بين النهرين من القرن الرابع عشر إلى القرن الخامس عشر قبل الميلاد. استناداً إلى النصوص القديمة الموجودة في المواقع الأثرية في مصر الحالية، كان ملوك إمبراطورية ميتاني متساوون بالعظمة والقوّة مع الفراعنة المصريين والملوك الحيثيين وملوك بابل.

حتى يومنا هذا، لا يُعرف الكثير عن إمبراطورية ميتاني، ولا تزال واحدة من أقل إمبراطوريات الشرق الأدنى القديم بحثاً. وقالت (بولجيز): ”حتى عاصمة إمبراطورية ميتاني لم يتم تحديد هويتها“.

جُمعت المعلومات الوحيدة حول هذه الامبراطورية المفقودة من أنقاض تل براك في سوريا، وهي واحدة من أوائل المدن في العالم التي قامت بعمل تصميم حضري معقّد من أوائل الألفية الرابعة قبل الميلاد.

وكشف الخبراء أيضاً عن أشياء أخرى من مدينتي نوزي وألالاخ (واسمها تل العطشانة اليوم)، وكلاهما يقعان على هامش حكم الإمبراطورية. يأمل الباحثون أن تساعد أنقاض القصر القديم في معرفة المزيد عن إمبراطورية ميتاني المفقودة منذ فترة طويلة.

يعطي العرض الجوّي للموقع الأثري باستخدام الطائرات الجديدة بدون طيار لمحةً عن شكل واجهة القصر القديم، لكن الباحثين اكتشفوا نتائج أكثر إثارة للإهتمام عند العمل من داخل الموقع. فحتى الآن، وجد الفريق طوباً كبيراً محروقاً كان يستخدم كألواح أرضية في بعض أجزاء القصر. كما كان للمبنى القديم غرف مختلفة وجدران وزخارف مجصّمة، مثل الجداريات المكونة من ظلال مشرقة من اللونين الأحمر والأزرق. ولم يتم العثور على زخارف فنيّة كهذه محفوظة بطريقة جيّدة ومحافَظ عليها بهذه الطريقة، لذا فهي ذات أهمية كبيرة بالتساوي مع اكتشاف القصر بحد ذاته.

أوضحت (بولجيز): ”في الألفية الثانية قبل الميلاد، ربما كانت الجداريات سمة نموذجية للقصور في الشرق الأدنى القديم، ولكن نادراً ما نجدها محفوظة. يُعد اكتشاف اللوحات الجدارية في كمون اكتشافاً أثرياً حساساً“. فهذه السنة هي المرة الأولى التي يجف فيها السد بما يكفي للباحثين لبدء التنقيب عن الموقع. وقد عثر الفريق أيضاً على عشرة أقراص طينية مكتوبة باللغة المسمارية القديمة. ويجري حالياً تحليل الأقراص في ألمانيا من أجل ترجمة معانيها.

في بعض الحالات مثل هذه، سمح التغير الشديد في الطقس لفرق البحث بحفر المواقع الأثرية التي لم يكن الوصول إليها ممكناً في السابق. ولكن بشكل عام، يحدث تغير المناخ أضراراً أكبر بكثير من نفعه للمواقع التاريخية كموقعنا هذا.

في عام 2017، وجدت دراسة أن ما يقرب من 20000 موقع أثري مسجل على طول الساحل الأمريكي من ولاية ماريلاند إلى ولاية لويزيانا في عرضة لخطر التدمير بسبب ارتفاع منسوب مياه البحر. وقال عالم الآثار (ماثيو ميريديث وليامز)، الذي شارك في تأليف الدراسة: ”بينما توجد العديد من الدلالات السلبية للغاية عن ارتفاع مستوى سطح البحر بالنسبة للمجتمع العالمي عموماً، فإن للقضية آثار شديدة على التراث الثقافي في جميع أنحاء العالم“.

جاري التحميل…

0