in

محاكمة علماء آثار بتهمة تزوير أقدم تصوير لصلب المسيح

يواجه ثلاثة من علماء الآثار الإسبان عقوبة صارمة بالسجن، بعد اكتشاف لجنة ممولة من قبل الحكومة أن ما لا يقل عن 476 قطعة أثرية من اكتشافهم كانت إما مزيفة كلياً، أو متلاعب بها.

في عام 2006، ذُهِلَ المجتمع الأكاديمي العالمي عندما قدم عالم الآثار (إليسيو جيل) قطع أثرية تعود إلى القرن الثالث الميلادي، إذ لم يقتصر الأمر على النقوش الجدارية القديمة على قطع الفخار التي كشف النقاب عنها، والتي تحتوي على واحد من أقدم الأمثلة على لغة الباسك المكتوبة، إنما أيضًا كشف عن أقدم تصوير يمثل صلب المسيح.

لكن للأسف فإن هذه الاكتشافات الأثرية المذهلة التي ادّعى (جيل) أنها ”ستعيد صياغة كتب التاريخ“ أصبحت مدانةً بجناية التزييف، كما يواجه هذا الباحث المزور عقوبة السجن الآن بتهمة تزوير هذه الآثار، والتي ادّعى اكتشافها في مستوطنة رومانية في إسبانيا، كما تم توجيه الاتهام إلى زميلين سابقين له.

وجد الخبراء أن هذه الصورة التي تمثل صلب المسيح قد صُنِعت بعد مئات الأعوام من التاريخ المزعوم لها
وجد الخبراء أن هذه الصورة التي تمثل صلب المسيح قد صُنِعت بعد مئات الأعوام من التاريخ المزعوم لها. صورة: Zephyrus

وحتى بعد بدء محاكمتهم في محكمة (فيتوريا غاستيز) الجنائية يوم الاثنين، يصر المتهمون الثلاثة على أن الكتابات على قطع الفخار والزجاج والطوب التي وجدوها كانت حقيقية.

أثارت هذه التحف مجتمع علوم الآثار كاملاً، ذلك بسبب الارتباط الذي شكلته هذه التحف بين الثقافات المسيحية الرومانية المبكرة والمصرية القديمة، وثقافات الباسك. وقد تم الاشتباه بأن هذه القطع الأثرية مزورة بعد الإشارة إلى أن قواعد اللغة اللاتينية الموجودة عليها مشوبة بأخطاء تاريخية، إذ أنها لا تنتمي إلى الحقبة الصحيحة، بالإضافة إلى بعض الأخطاء المماثلة الأخرى.

في حالة إدانته، سيواجه (إليسيو جيل) عقوبة السجن لمدة خمس سنوات ونصف، كما سيتم استبعاده نهائياً من العمل في المواقع الأثرية في المستقبل.

في حين قد يعتقد المرء أن تزوير قطعة أثرية تاريخية ستكون أكثر من مجرد انتحار مهني بالنسبة إلى عالم آثار، فإن (جيل) وعالم الجيولوجيا (إسكار إسكريبانو) ومحلل المواد (روبن سيردان) يواجهون عواقب قانونية جادة، إذ تزعم لجنة علمية تابعة لحكومة المقاطعة حيث تم اكتشاف هذه القطع الأثرية أن الثلاثة قاموا بتزوير أو تحريف أو تلفيق 476 قطعة أثرية على الأقل ابتداءً من عام 2008.

وخلص تقرير اللجنة إلى أن الخبراء الثلاثة قد ”ارتكبوا عملية احتيال متقنة“، وعند هذه النقطة منعت الحكومة الباحثين من مواصلة عمليات التنقيب في (إيرونيا فييليا) ووجهت إليهم تهم الاحتيال الجنائي و”إتلاف مواد التراث“.

لقطات لجيل وزملاؤه في المحكمة.

بدأ هذا الاحتيال في الانكشاف في عام 2017 حين نشر (رودريغيز تيمينو)، من حكومة إقليم الأندلس، دراسة في المجلة الأثرية Zephyrus تضمنت تفاصيل التزوير الذي قام به جيل وزملاؤه. ومع بدء المحاكمة الآن، سيتم النظر في النقاط الرئيسية المتعلقة بهذا الادعاء.

واحد من أكثر الأدلة إثارة للدهشة ضد علماء الآثار هو اسم الملكة المصرية نفرتيتي المخربش على إحدى القطع الأثرية. من المؤكد أن اللغة الهيروغليفية المكتوبة كانت دقيقة، ولكن هناك مشكلة رئيسية واحدة: أن أحداً لم يكن يعرف اسم الملكة المصرية الشهيرة قبل اكتشاف قبرها في القرن العشرين.

هناك قطعة فخارية أخرى تحمل شعارًا لاتينيًا كان قد تم تصميمه في عام 1913 أثناء إجراءات المحكمة الدولية في لاهاي.

تم استخدام الحروف الكبيرة والصغيرة على هذه القطعة. لم يتم تنفيذ هذه الممارسة إلا بعد القرن الثامن.
تم استخدام الحروف الكبيرة والصغيرة على هذه القطعة. لم يتم اتباع هذه الممارسة إلا بعد القرن الثامن. صورة: Zephyrus

قال أستاذ اللغات الهندو-أوروبية في جامعة الباسك (خواكين غوروتشاتيغي): ”في البداية فوجئت جدًا، كانت نقوش الباسك أقدم من غيرها من النقوش بنحو 600 سنة، لذلك كان مذهلاً، لكنني لم أكن أعتقد على الفور أنها كانت خاطئة“.

استذكر (غوروتشاتيغي) عرضًا تقديميًا قدمه (جيل) زعم خلاله أن القطع الفخارية تابعة للمدرسة الرومانية، وجادل بأنها كانت من شرق البحر المتوسط ​​وأخبر تلاميذه عن مصر القديمة ومناطق أخرى، بحيث كان هناك الكثير من الأخطاء تمنع (غوروتشاتيغي) من قبول هذا الطرح، يقول ”كانت اللاتينية مبتذلة جدا، لم أستطع أن أصدق عيني حين تم عرض الشرائح على الشاشة“.

على سبيل المثال، تم كتابة اسم Eneas بدلاً من Aenae. أيضًا تم كتابة فاصلة حديثة على إحدى القطع، فشعر (غوروتشاتيغي) بمسؤولية دفعته لمشاركة شكوكه مع مدير متحف (فيتوريا) الأثري بشأن أكثر من 400 قطعة أثرية اكتشفها (جيل).

أدى ذلك إلى تشكيل لجنة تحقيق مع خبراء من مختلف المجالات لتسوية الأمر، وخلصت تلك اللجنة إلى أن (جيل) قد زور عن عمد اكتشافاته الاستثنائية المزعومة.

استخدام الفواصل الحديثة هنا ينطوي على خطأ تاريخي، ويضاف إلى الشكوك في التزوير.
استخدام الفواصل الحديثة هنا ينطوي على خطأ تاريخي، ويضاف إلى الشكوك في التزوير. صورة: Zephyrus

يواجه (جيل) و(إسكريبانو) الآن عقوبة السجن مدة خمس سنوات ونصف، بينما يواجه (سيردان) سنتين ونصف، فيما يرغب مكتب المدعي العام في طلب أكثر من 313 ألف دولار كتعويضات بالإضافة إلى مطالبته لاستبعاد المتهمين الثلاثة من العمل في المواقع الأثرية بشكل نهائي في المستقبل.

يوافق بعض علماء الآثار على أن القطع الأثرية مزيفة، إلا أنهم ليسوا متأكدين تماماً مما إذا كان (جيل) وزملاؤه هم المسؤولين فعلاً.

يقول الدكتور (إدوارد هاريس)، الذي أصبحت مصفوفته (هاريس ماتريكس) المعيار الذهبي لقياس التسلسل الطبقي في مواقع الحفر: ”إذا أُدينوا، فسيكون هذا صورة زائفة للعدالة. أقول إنهم قاموا بعمل رائع في التنقيب. إن التفكير في مثل هذه الأشياء –تصنيع القطع ووضعها في الحفر– يتجاوز حدود الواقع“.

تم اكتشاف القطع الأثرية في موقع التنقيب هذا في إيرونيا فييليا والمستوطنة الرومانية في إسبانيا.
تم اكتشاف القطع الأثرية في موقع التنقيب هذا في إيرونيا فييليا والمستوطنة الرومانية في إسبانيا. صورة: Jabi Zabala/Flickr

فيما كان البعض الآخر أقل ثقة، فعلى سبيل المثال لم يتم توحيد استخدام الأحرف الكبيرة والصغيرة حتى بعد القرن الثامن.

حقيقة أن الخبراء قد قدروا بأن الصورة التي تمثل صلب المسيح قد صُنِعَت بعد مئات الأعوام من التاريخ المزعوم لها لا يفي بالغرض كذلك. وفي الوقت نفسه، وصف (جيل) مأزقه خلال المؤتمر الصحفي الأخير في عام 2015 بأنه ”تعذيب“، ورفض منذ ذلك الحين التعليق على الموضوع.

نأمل أن يتم الفصل من قبل المحكمة الجنائية عما إذا كان (جيل) وزملاؤه قد ارتكبوا عن قصد الاحتيال المزعوم، لكن يبدو أن القصة التي ترويها القطع الأثرية مختلفة عما يرويه المتهمون.