in

دخلك بتعرف قصة استخدام الاتحاد السوفييتي الهندسة العكسية لصناعة قاذفة قنابل مقلدة عن قاذفات B-29 الأمريكية

قاذفة القنابل الأمريكية B-29

لو تسأل أي أحد عما كان السبب في تفوق الولايات المتحدة على اليابان وهزيمتها لها خلال الحرب العالمية الثانية سيجيبك بأن السر يكمن في القنبلة الذرية بدون منازع، لكن الحقيقة يجب أن تقال، وهي أن قاذفات القنابل الأمريكية B-29 هي ما قصمت ظهر اليابان قبل وقت طويل من استخدام القنبلة الذرية.

قبل أشهر من إلقاء طائرة Bockscar آخر قنبلة في الحرب العالمية الثانية، كانت المئات من طائرات B-29 قد حلقت عبر المحيط الأطلسي في آلاف الخرجات الجوية لتدمير المدن اليابانية وقدرة الشعب الياباني على القتال.

كانت قاذفة القنابل الأمريكية B-29 تمثل حلم كل أمة، وكانت الولايات المتحدة الأمريكية تُحسد عليها كثيرًا. لقد كانت في تلك الأزمنة أكثر الطائرات الحربية تطورا على جميع الأصعدة، حيث كانت مزودة بأحدث ما أنتجت التكنولوجيا، على شاكلة مدافع يتم التحكم فيها عن بعد، ومقصورات ذات ضغط جوي معدل، وثنائية العجلات، وعدة الهبوط ثلاثية العجلات، ناهيك عن محركاتها التي خرقت قوتها العادة والمألوف.

كان بإمكان قاذفة القنابل B-29 حمل ونقل 20.000 باوندًا من القنابل والإلقاء بها على أهداف تبعد 3000 ميل. كان بإمكانها التحليق بسرعة 350 ميل في الساعة وعلى ارتفاع 30.000 قدم بارتياح وبعيدا عن معظم الطائرات اليابانية ومدافعها المضادة للطائرات.

كانت قاذفات القنابل B-29 تتقدم بجيل عن طائرات (جانكرز جو 290) التابعة لسلاح الجوي الألماني النازي، كما تفوقت بأشواط حتى على طائرات بوينغ B-17 وبوينغ B-24.

لم تكن اليابان آنذاك تملك حتى قاذفة قنابل من العيار الثقيل، بينما كانت أكثر قاذفات القنابل تطورا في ترسانة الاتحاد السوفييتي تستخدم جنيحات مغطاة بأنسجة ثقيلة مقارنة بقاذفات قنابل B-29 التي كانت تتكون من الألمنيوم بشكل كلي.

طلب الزعيم السوفييتي (ستالين) عدة مرات من الرئيس الأمريكي (روزفلت) أن يمدّه ببعض من طائرات B-29 تحت برنامج المساعدة العسكرية الأمريكية، الذي كان اتفاقية سارية المفعول بين أمم الحلفاء والتي تقضي بضرورة مشاطرة الغذاء، والوقود، والمواد المختلفة بينها.

تحت هذا البرنامج، أرسلت الولايات المتحدة الأمريكية للاتحاد السوفييتي موادا بقيمة 11 مليار دولار، بما في ذلك أكثر من 400 ألف وحدة سيارة Jeep وشاحنة، وحوالي 12 ألف عربة مدرعة، و11.400 طائرة، وتقريبا 2000 قاطرة، و2.6 مليون طن من الوقود والنفط، و1.75 مليون طن من المواد الغذائية، وكان الغرض الوحيد الناقص من المساعدات الأمريكية هو قاذفة القنابل الثقيلة B-29.

الأمر وما فيه أن الاتحاد السوفييتي لم يكن في الواقع صديقا للولايات المتحدة الأمريكية، وكان السبب الوحيد الذي جعل الولايات المتحدة وبريطانيا على استعداد لتلبية طلباته وحاجاته لأن الثلاثة كانوا في مواجهة عدو مشترك.

أرسلت كل من الولايات المتحدة الأمركيية وبريطانيا مساعدات عسكرية هائلة للاتحاد السوفييتي من أجل مساعدتهما في الحرب العالمية الثانية، حيث كانوا يرغبون من جنود (ستالين) أن يقاتلوا النازيين على الجبهة الشرقية للحرب، حتى يبقوهم منشغلين عن القتال في القناة الإنجليزية ومنه تقويض أي محاولة غزو محتملة للأراضي البريطانية.

لأجل هذا السبب، قامت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا بإمداد (ستالين) بطائرات (لي إم 3) و(شيرمان إم 4)، إلى جانب المقاتلة النفاثة الأمريكية (آيركوبرا) ومقاتلات (هوريكان) البريطانية، لكن قاذفات القنابل الثقيلة التي كانت تستطيع التحليق عبر قارة بأكملها وعبر محيط كامل كانت تمثل أمرا آخرًا، حيث لم تكن الولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص تثق كثيرا في (ستالين) لدرجة أن تجهزه بتكنولوجيا قد يستخدمها لاحقا ضدها.

مقصورة قيادة طائرة B-29
مقصورة قيادة طائرة B-29. صورة: 900hp/Flickr

لحسن حظ (ستالين)، أُمرت طواقم الطيارين التي تشغل طائرات B-29 الأمريكية بالهبوط في روسيا في حالات الهبوط الاضطراري كلما اقتضت الضرورة ذلك، وفي صيف سنة 1944، جعل هبوط اضطراري ثلاثة طائرات B-29 أمريكية تحط في روسيا بعد مهمة قصف قادتها إلى اليابان.

هبطت الطائرات الثلاث، وهي (جنرال آيتش آيتش أرنولد سبيشل) و(دينغ هاو) و(رامب ترامب)، في (فلاديفوستوك)، وسرعان ما نقلها السوفييت بعيدا إلى منشأة عسكرية في موسكو. أرسل الاتحاد السوفييتي طواقم الطائرات الثلاثة عودة إلى موطنهم، وتجاهل دعوات يائسة من الولايات المتحدة لإرجاع الطائرات المنكوبة.

انطلاقا من هذه الطائرات الثلاثة، بدأ المهندسون السوفييت واحدا من أكثر مشاريع الهندسة العكسية — الهندسة العكسية هي آلية تعنى باكتشاف المبادئ التقنية لآلة أو نظام من خلال تحليل بنيته، ووظيفته وطريقة عمله. غالبا ما تتم هذه العملية بتحليل نظام ما (آلة ميكانيكية، برنامج حاسوبي، قطعة إلكترونية) إلى أجزاء أو محاولة إعادة تصنيع نظام مشابه له يقوم بنفس الوظيفة التي يقوم بها النظام الأصلي— جرأة وتعقيداً.

من بين الطائرات الثلاثة، تم تفكيك واحدة، ومن أجل الاحتفاظ بسجل عن الأجزاء التي تتكون منها والتي صارت تتراكم بعد التفكيك لم يفكك السوفييت الطائرة الثانية واحتفظوا بها كمرجع لهم يعودون إليه كلما اختلطت عليهم الأمور، بينما استخدمت الطائرة الثالثة لاختبار الطيران.

أمر (ستالين) شخصيا بأن يتم تقليد تصاميم طائرات B-29 بكامل تفاصيلها حتى الصغيرة منها، لكن هذا كان أصعب مما كان يتخيل، حيث لم يكن الاتحاد السوفييتي يحوز على القدرة الصناعية اللازمة لإنتاج العديد من قطع الغيار التي تتكون منها الطائرة.

على سبيل المثال: استُخدم في طائرة B-29 غلاف من الألومنيوم بسماكة 1/16 إنشًا، ولأن الاتحاد السوفييتي كان يستخدم النظام المتري فإن صفيحة ألومنيوم بذلك السمك المحدد لم تكن متاحة لمهندسيه المسؤولين عن المشروع.

انتهى الأمر بالمهندسين السوفييت باستخدام صفائح ألمنيوم بسمك مغاير، كما اضطر الاتحاد السوفييتي لإنتاج العديد من المكونات والمواد التي تشكلت منها الطائرة من الصفر، بالإضافة إلى إعادة هندسة بعض الأجزاء من أجل تعويض الاختلافات الطفيفة ثم السهر على أنها كانت ملائمة، والمفاجئ في الأمر أن المشروع كان ناجحًا.

كان يتعين عليهم كذلك التكيف مع الوضع الراهن، ومنه إجراء بعض التعديلات كلما اقتضت الحاجة ذلك، فعندما لم يكن بمقدور المهندسين السوفييت الإتيان بمدافع عيار 50 المستخدمة في طائرات B-29 الأصلية، استبدلوها بمدافع أخرى، أما بالنسبة للإطارات، فقد بحث هؤلاء بحثا حثيثا في فائض الجبهة الغربية للحرب حتى حصلوا عليها.

كان التحدي الأكبر الذي وقف في طريقهم هو إعادة صناعة نظام التحكم في إطلاق النار المركزي، ذلك أن طائرة B-29 استخدمت 5 أجهزة حواسيب تناظرية كهربائية من أجل التحكم في المدافع والرشاشات الخمسة المتواجدة في أنف وذيل الطائرة.

سمحت أجهزة التحكم المترابطة هذه لرجل واحد فقط بتشغيل جميع مدافع الطائرة الخمسة عن بعد وبشكل متزامن، حيث كان بالإمكان توجيه جميع الأسلحة على متن الطائرة بصريا وكانت أجهزة الحواسيب المجهزة بها تقوم برصد وتتبع الأهداف مع الأخذ بعين الاعتبار سرعة الطائرة، والجاذبية، ودرجة حرارة الجو، والرطوبة، مما جعل الأسلحة دقيقة للغاية في التصويب.

كان هذا النظام معقدا للغاية لدرجة أن (آندري تيبوليف)، وهو رئيس المهندسين القائمين على المشروع، تفاجأ عندما تمكن مهندسوه من إعادة محاكاته.

طائرة Tupolev Tu-4 في متحف (مونينو) المركزي للقوة الجوية بموسكو.
طائرة Tupolev Tu-4 في متحف (مونينو) المركزي للقوة الجوية بموسكو. صورة: Andrey Korchagin/Flickr

في أقل من سنتين، كانت طائرة Superfortress Tupolev Tu-4 السوفييتية جاهزة. على الرغم من الصعوبات الكبيرة والعديدة التي واجهت المهندسين القائمين على المشروع، فإن النموذج الأولي من هذه الطائرة كان أثقل بـ340 كلغ فقط من طائرة B-29 الأصلية، أي بنسبة أقل من 1 في المائة.

لقد بدت طائرة Superfortress Tupolev Tu-4 مطابقة حرفيا لطائرة B-29 الأصلية، حيث كان لها نفس عرض الجناحين، ونفس طول الهيكل، كما كانت لها نفس سرعتها، ونفس مداها، وكانت قادرة على نقل نفس الشحنة التي تنقلها طائرة B-29 الأصلية.

كان (تيبوليف) وفريقه من المهندسين دقيقين للغاية في مهمتهم المتمثلة في تقليد طائرة B-29 لدرجة أنهم قاموا حتى بتقليد لون الهيكل وترقيعه. حامت بعض الشائعات حول المشروع التي قالت بأن المهندسين قاموا حتى بتقليد بعض الأضرار الحاصلة في أحد الجناحين بالإضافة إلى خطأ مطبعي على أحد مكوناتها، والذي صار متواجدا في كل نسخة سوفييتية عن الطائرة.

بينما قد يكون بعض مما قيل في هذا الصدد مجرد شائعات مبالغا فيها، فإن هذا لا ينفي كون الأمر غير صحيح برمته، وفقا لـ(ليونيد كيربر)، وهو مهندس عمل إلى جانب (تيبوليف) في مشروع Superfortress Tupolev Tu-4، فإن هذا الأخير كان خائفا جدا من (ستالين) و(لافرينتي بيريا) رئيس الشرطة السرية السوفييتية لدرجة أنه سهر على تقليد أدنى التفاصيل الصغيرة، حتى لا يتم اتهامه فيما بعد بتجاهل تعليمات الزعيم (ستالين).

خرجت أول دفعة من طائرات Tupolev Tu-4 من خط الإنتاج والتركيب في سنة 1947 وطارت لأول مرة في التاسع عشر من مايو سنة 1947.

في الثالث من أغسطس سنة 1947، أقام الاتحاد السوفييتي ”يومًا للطيران“ في مطار (توشينو) العسكري في الشمال الغربي لموسكو. حضر هذا الاحتفال ممثلو القوات الجوية عن معظم الدول الكبرى. بينما وقف الديبلوماسيون الأمريكيون يشاهدون العرض، سمعوا دندنة مألوفة، وعندما نظروا إلى السماء رأوا ما بدا وكأنه طائرات B-29 المنكوبة التي أسرها السوفييت ورفضوا إرجاعها للولايات المتحدة قبل سنوات، وفقط عندما ظهرت الطائرة الرابعة أدرك العالم بأن السوفييت قد نجحوا في تقليد طائرات B-29 الأمريكية التي أطلقوا عليها اسم Tupolev Tu-4.

في نهاية المطاف، تم إنتاج طائرات Tupolev Tu-4 على نطاق واسع، وبحلول سنة 1952 وبانتهاء عملية الإنتاج، كان الاتحاد السوفييتي قد صنع أكثر من 850 من قاذفات القنابل الثقيلة هذه.

سمحت التجربة والخبرة القيمة التي حصدها السوفييت خلال هذا التصميم وهذا المشروع من إطلاق برنامج القصف الإستراتيجي السوفييتي، وبحلول أوائل الستينيات، تم سحب طائرات Tupolev Tu-4 من الميدان، وتم استبدالها بطائرات أكثر تطورا وحداثة، وهي نسخة محدثة عنها أطلق عليها اسم Tu-4A، والتي استخدمت لنقل وإطلاق أولى القنابل النووية السوفييتية.

مقالات إعلانية