in

قصة Cosmos 954، القمر الصناعي النووي الذي سقط من الفضاء إلى الأرض

ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع.. تنطبق هذه الحكمة على الأقمار الصناعية أيضًا، التي تطوف حول مدار الأرض حاليًا.

قمر صناعي نووي

تقوم وكالات الفضاء المسؤولة عن الأقمار الصناعية بإعادتها إلى الأرض بعد أن تنتهي مهماتها، حيث ستحترق في غلافها الجوي على ارتفاعات شاهقة.

في الواقع، لا يصل منها أحياناً إلا أجزاء قليلة لترتطم بالأرض، وفي أحيان أخرى، تسقط بعض الأقمار الصناعية بشكل غير متوقع عائدة إلى الأرض، مما يشكل خطرا على البشر، والحياة البرية، والبيئة، والأمر يزداد سوءا إذا ما كان هذا القمر الصناعي يعمل بالطاقة النووية.

خلال حقبة الحرب الباردة، أطلقت كل من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي عشرات الأقمار الصناعية التي تعمل بالطاقة النووية إلى الفضاء. كان أول هذه الأقمار الصناعية Transit-4A، الذي أطلقته الولايات المتحدة الأمريكية في سنة 1961.

كان ذلك واحدا من عدة أقمار صناعية أطلقت بين سنة 1959 و1988 من أجل توفير خدمات الملاحة للبحرية الأمريكية، وكان ذلك أيضًا أول قمر صناعي يوفر خدمات الملاحة بالأقمار الصناعية قبل نظام تحديد المواقع العالمي GPS.

كان لنظام Transit في المجمل 41 قمرا صناعيا في مدار الأرض، والتي كان البعض منها يعمل بالطاقة النووية، ومازالت الكثير من هذه الأقمار الصناعية على الرغم من أنها خارج الخدمة تدور في مدار الأرض إلى يومنا هذا، ومازالت مفاعلاتها النووية سليمة.

بين سنتي 1964 و1978، أطلقت الولايات المتحدة 7 أقمار صناعية أخرى تعمل بالطاقة النووية تحت برنامج Nimbus. ساعدت أقمار Nimbus الصناعية علماء الأرصاد الجوية على دراسة أحوال طقس الأرض، وتغير مناخها، وطبقة الأوزون، والجليد في البحر وما إلى ذلك.

من بين أقمار Nimbus السبعة، مازال اثنان في مدار الأرض.

بدأ الاتحاد السوفييتي إطلاق الأقمار الصناعية التي تعمل بالطاقة النووية في الفضاء في سنة 1965، وعلى مدى السنوات الـ22 التي تلت ذلك أطلقوا أزيد من ثلاثين قمرًا صناعيًا من هذا النوع، حيث كان كل واحد منها يحمل مفاعلا نوويا صغيراً من أجل إمداده بالطاقة اللازمة للقيام بالمهمات المنوطة به.

كان معظم هذه الأقمار الصناعية ذا طبيعة استطلاعية، وكان المراد بها التجسس على البحرية الأمريكية وغواصاتها. استخدمت هذه الأقمار الصناعية أجهزة الرادار من أجل رصد حركة الملاحة البحرية لسلاح البحرية الأمريكي، ولأن أجهزة الرادار تفقد الإشارة بسرعة بفعل بعد المسافة، كان السوفييت يجعلون أقمارهم الصناعية للتجسس تدور حول مدار الأرض على ارتفاع منخفض نسبيًا.

منعت مقاومة الهواء استخدام ألواح الطاقة الشمسية ذات الحجم الكبير من أجل تغذية القمر الصناعي، مما جعل الطاقة النووية هي الحل البديل والأمثل آنذاك لمثل هذه المهمات.

كانت معظم هذه الأقمار الصناعية تحمل مفاعلات BES-5 النووية التي تشتغل باليورانيوم-235. وبسبب محدودية المساحة والوزن، كان يجب أن يتم تخصيب اليورانيوم الذي تشتغل به هذه الأقمار الصناعية بصورة عالية ليصل إلى مستوى الأسلحة، لذا كانت هذه المفاعلات سريعة، وذات كفاءة عالية، وصغيرة الحجم في نفس الوقت، ناهيك عن كونها قوية جدا.

كان مفاعل BES-5 النووي يزن أقل من 400 كلغ وكان ينتج 100 كيلواط من الطاقة الحرارية، والتي كانت 3 كيلواط منها تحول إلى طاقة كهربائية قابلة للاستخدام.

كان يتم تركيب المفاعل النووي داخل وحدة منفصلة حتى يكون بالإمكان قذفه بعيدا في الفضاء في مدار أعلى بمجرد أن يصل القمر الصناعي لفترة انتهاء صلاحيته. وبهذه الطريقة، كان بإمكان القمر الصناعي منتهي الصلاحية العودة إلى الأرض بأمان دون تلويث الغلاف الجوي بالإشعاعات النووية.

لكن الأمر هنا يتعلق بمهمات رحلات الفضاء، ومنه من الطبيعي أن لا تسير الأمور وفق المخطط دائماً.

القمر الصناعي Cosmos 954

أُطلق القمر الصناعي Cosmos 954 في الثامن عشر من سبتمبر سنة 1977 من محطة بايكونور الفضائية في كازخستان، ولم يمض وقت طويل حتى دخل في مدار الأرض. على متن هذا القمر الصناعي، كان هناك محوّل ثرميوني (حراري) يشغله مفاعل نووي يتضمن حوالي 50 كيلوغراما من اليورانيوم-235 عالي التخصيب.

في غضون أسابيع من إطلاقه، أصبح مدار هذا القمر الصناعي متقلبًا وغير مستقر بشكل كبير مما جعل السوفييت يدركون جيدا أن فترة خدمته ستكون قصيرة جدا. وبينما كافح المشرفون على المهمة من أجل التحكم في هذا القمر الصناعي المضطرب، أدركوا في نهاية المطاف أن Cosmos 954 سيسقط عائدا إلى الأرض في القريب العاجل.

وما زاد الطين بلة، هو أن النظام الذي كان من المفترض به أن يقذف بالمفاعل النووي بعيدا في الفضاء في حال فشل القمر الصناعي كان لا يعمل أيضًا بسبب عطل ما.

في خطوة تنم عن حسّ مسؤولية نادر وقلما اتصف به الاتحاد السوفييتي، قام مسؤولون سوفييت بإخطار الولايات المتحدة إلى جانب الدول التي كانت تقبع مباشرة تحت مدار القمر الصناعي المتضرر، وأعلموهم باحتمال سقوطه في أراضيهم مما قد يسفر عنه إشعاعات نووية.

في سلسلة من الاجتماعات السرية مع مسؤولين أمريكيين، وفّر مسؤولون في الاتحاد السوفييتي بعض المعلومات المفصّلة حول المفاعل النووي الذي يعمل به قمر Cosmos 954 الصناعي، وبدورها، أخطرت الولايات المتحدة الأمريكية شركاءها في حلف الناتو بأن هذا القمر الصناعي من المتوقع جدا أن يسقط، وعرضت عليهم مساعدتها في تنظيف أي تلوث نووي إشعاعي قد يسفر عنه الأمر.

مخطط مفاعل BES-5 النووي الذي كان على متن قمر Cosmos 954 الصناعي السوفييتي.
مخطط مفاعل BES-5 النووي الذي كان على متن قمر Cosmos 954 الصناعي السوفييتي.

في الرابع والعشرين من يناير سنة 1978، وقبل دقائق من شروق الشمس، دخل القمر الصناعي Cosmos 954 الغلاف الجوي للأرض وتحطم فوق كندا. وقعت شظايا من هذا القمر الصناعي على طول 600 كيلومتر امتدت من بحيرة (غريت سلايف) إلى بحيرة (بايك).

كلفت عمليات البحث والتنظيف الخزينة الكندية 14 مليون دولار كندي، بينما أنفقت الولايات المتحدة حوالي 2.5 مليون دولار أمريكي في نفس الغرض. أصدرت كندا لاحقًا فاتورة للاتحاد السوفييتي للتعويض عن الخسائر التي تكبدتها بقيمة 6 ملايين دولار كندي، والتي لم يدفع منها الاتحاد السوفييتي سوى النصف.

يُعتقد أن القمر الصناعي كان يزن بين 4 أو 5 أطنان، ولم يتم استعادة سوى 65 كيلوغراما من الحطام، الذي كان كله مشعًا.

سرعان ما انتشرت المخاوف من أن قسما كبيرا بما فيه الكفاية من مفاعل Cosmos 954 النووي قد يكون نجى من التحطم وشق طريقه عبر الجليد البحري إلى قاع البحر، حيث قد يصبح خطيرًا للغاية. والسبب في ذلك هو أن المياه تلعب دور المهدئ، حيث تبطئ حركة النيوترونات مما يسمح لسلسلة التفاعلات بالبدء من جديد.

أجرى الخبراء بعض الحسابات ووجدوا أن ما قدره 22 كلغ فقط من اليورانيوم عالي التخصيب قد يصبح مصدر خطر كبير في مثل هذه الظروف.

على الرغم من أعمال البحث المطولة والحثيثة، لم يتم العثور على المفاعل النووي أبدا. وصل الباحثون والخبراء إلى استنتاج بأن المفاعل النووي قد تفكك بشكل كلي تقريبا وصار خامدًا.

في دراسة بحثية نشرت في شهر أغسطس سنة 1984 في مجلة Health Physics، خلص الباحثون إلى أن ربع المفاعل النووي (أي بين 7 إلى 8 كيلوغرامات) على الأقل قد سقط على شكل جزيئات لا يزيد قطرها عن 1 ملم، والتي سقطت على الأرض على على شكل ضباب بطيء غير مرئي على المناطق الشمالية الغربية لكندا وعلى الأراضي الجرداء القطبية وتحت القطبية. بينما تبخرت الأرباع الثلاثة المتبقية لتتحول إلى ضباب رفيع وبقيت معلقة في الغلاف الجوي لسنوات، قبل أن تنزل ببطء إلى سطح الأرض.

بحلول هذا الوقت، كان التحلل الإشعاعي ليتطور بما فيه الكفاية لزوال معظم النويدات المشعة مما يمثل خطرا أقل على الصحة.

أما فيما يتعلق بالجزيئات المشعة التي يبلغ قطرها 1 ملم، فقد أشار الباحثون إلى أنه في حالة ما ابتلعها شخص ما عن طريق الخطأ فإنها ستعبر مساره الهضمي لتخرج من جسمه دون أي ضرر يذكر بعد 48 ساعة، وكانت آثارها على صحته لتكون كمن أجرى مسحا بالأشعة السينية.

البحث عن الحطام المشع.
البحث عن الحطام المشع. صورة: Nevada National Security

مما يثير الاهتمام، أن القمر الصناعي Cosmos 954 لم يكن أول قمر صناعي يعمل بالطاقة النووية يسقط من الفضاء، حيث في سنة 1973، تسبب فشل في إطلاق قمر صناعي آخر من هذا النوع في سقوط المفاعل النووي في المحيط الهادي شمال اليابان.

وقع خلل في قمر صناعي سوفييتي آخر للتجسس وهو Cosmos 1402 وسقط في المحيط الهندي في سنة 1983.

فشل مرة أخرى نظام القذف في قذف المفاعل النووي إلى مدار أعلى مما جعله يسقط بشكل منفصل عن القمر الصناعي الذي يحمله بعد بضعة أيام فوق المحيط الأطلسي.

والأسوأ من هذا كله، أن هناك احتمالا كبيرا في أن يحدث أمر كهذا في المستقبل، حيث مازالت الكثير من الأقمار الصناعية التي تعمل بالطاقة النووية والتي تم إطلاقها إلى مدار الأرض في حقبة الحرب الباردة هناك تدور في مدار الأرض. وعلى الرغم من أن مداراتها أعلى نسبيا وأنها مستقرة نوعا ما، فإن ارتطامها بأي من الحطام والنفايات الفضائية قد يجعلها تحيد عن مساراتها لتسقط على الأرض.

مازالت الطاقة النووية تستخدم في استكشاف الفضاء، فهي مازالت تستخدم على عربات وآليات استكشافية واستطلاعية على شكل Mars Rover التي تتواجد في المريخ الآن لتجمع معلومات عنه، لكنها لم تعد تستخدم لتشغيل الأقمار الصناعية التي تدور في مدار الأرض، ذلك أن الخطر الذي قد ينجم عنها يفوق المنافع التي قد تجنى من ورائها.

قطعة من قمر صناعي وسط الثلج.
قطعة من قمر صناعي وسط الثلج. صورة: Library and Archives Canada
شظايا وحطام القمر الصناعي Cosmos 954 في متحف العلوم والتنولوجيا في كندا.
شظايا وحطام القمر الصناعي Cosmos 954 في متحف العلوم والتنولوجيا في كندا. صورة: Canada Science and Technology Museum