in

دخلك بتعرف قصة أعظم رحلة لجلب البيرة في التاريخ

جون دونوهو مع مجموعة من الجنود في فيتنام

نادرا ما تنتهي أفكار الثمالة نهاية سعيدة وتكون لها عواقب حميدة، لكن هنالك دائما استثناءات، تماما مثل تلك المرة في مدينة (نيويورك) في نهاية ستينات القرن الماضي، عندما قادت محادثة داخل حانة حول المحتجين ضد ما كان يحدث في ڤتنام، قادت واحداً من المحاربين القدامى إلى العزم بالخوض في رحلة، يقوم فيها بتقديم البيرة لأصدقائه على الجبهات هناك في أدغال آسيا.

تعود القصة لشهر نوفبر سنة 1967، حيث كان جندي البحرية الأمريكي السابق ذو الستة والعشرين ربيعاً الذي كان يدعى (جون تشيك دونوهو) يتسكع في حانة (دوغ فيدلر)، وهي واحدة من عدة حانات كانت تعج بها منطقة حي (إنوود) الذي كان آنذاك مقاطعة أمريكية آيرلندية بالقرب من جزيرة (مانهاتن)، وكان ساقي الحانة وهو (جون لينش) قد بدأ يتذمر من كل تلك الحركات المضادة والمناهضة للحرب التي بدأت تكتسح البلاد، فبالنسبة للكثير من المحاربين القدامى مثل (دونوهو)، لقد كانت تلك المسيرات المناهضة تسبب له صداعاً وألماً نفسيا كبيراً.

لذا عندما اقترح (لينش) أن يحمل أحدهم عدة زجاجات بيرة ويأخذها إلى ڤتنام من أجل تقديمها للجنود هناك كي يعلموا أنه لم يتم نسيانهم، تبرع (دونوهو) للقيام بذلك على الفور دون تردد، وهو الأمر الذي نجح في فعله بالتأكيد.

ما كان قد تلا تلك المحادثة هو ملحمة على طول 11 ألف كلم وأربعة أشهر من الزمن شق خلالها (دونوهو) طريقه عبر بلاد تمزقها الحرب، وتمكن فيها من إقناع كل من صادفهم من سائقي شاحنات نقل المؤونة وطياري الطائرات العسكرية بنقله واصطحابه معهم حتى يتمكن من الالتقاء بأصدقائه والشباب المحليين من حيّه، وأن يقدم لهم بضع زجاجات بيرة باردة.

قال (دونوهو) في محادثة له على شريط فيديو في سنة 2015: ”كان العديد من أصدقائي يؤدون فترة خدمتهم في ڤتنام، وكل ما رغبت في فعله هو الذهاب هناك وتقديم بعض البيرة لهم“، وفي نفس الفيديو يظهر (دونوهو) مع ثلاثة من الجنود الذين التقى بهم في ڤتنام خلال رحلته تلك ”أعظم رحلة لجلب البيرة في العالم“، وهم (بوبي باباس)، و(تومي كولينز)، و(ريكي دوغان).

صورة: من فيديو Pabst Blue Ribbon على يوتيوب

تحولت القصة إلى أسطورة محلية، وعلى الرغم من أن البعض واجه تصديقها بنوع من التشكيك، فإن معظم الناس كانوا يعيدون سردها بحماسة كبيرة، ومن أجل توضيح الأمور أكثر خاصة بالنسبة لكل أولئك المشككين، قام (دونوهو)، الذي يبلغ الآن من العمر 73 سنة، في الشهر الفارط بنشر كتابه المعنون: «أعظم رحلة لجلب البيرة على الإطلاق: قصة حقيقية لصداقة كانت أقوى من الحرب»، وهو الكتاب الذي يتضمن بين طياته قصته الملحمية ورحلته الأسطورية عبر ڤتنام التي كانت تحت وطأة الحرب، فسرد فيه بالتفاصيل كيف انتقل من حانة في (نيويورك) إلى جبهات الحرب الأمامية حاملا في يديه زجاجات البيرة الباردة.

(جون دونوهو) مع مجموعة من الجنود في ڤتنام، من بينهم صديقه (ريكي).

قام (دونهو) في بادئ الأمر بالحصول على وظيفة على متن السفينة التالية التي كانت متجهة إلى الحرب، والتي كان اسمها (درايك فيكتوري)، وقد كانت سفينة تجارية تنقل الذخيرة والمؤونة إلى الجنود في جبهات الحرب هناك من ميناء (نيويورك)، وقام كذلك بالحصول على أسماء وأسماء وحدات بضعة رجال من معارفه وأبناء حيه، وجلب معه كيسا كبيرا وقام بملئه بزجاجات بيرة واستقل السفينة.

جون تشيك دونوهو
جون تشيك دونوهو.

بعد شهرين لاحقاً، في أوائل سنة 1968، وصل إلى ڤتنام أخيراً في نفس الوقت الذي بدأت فيه قوات الأعداء هجومها ضد وحدات القوات الأمريكية ووحدات قوات ڤتنام الجنوبية، وكان مخزون البيرة التي جلبها (دونوهو) معه قد نفذ خلال رحلته تلك لكنه أعاد التزود بها بمجرد وصوله إلى ميناء (كي نهون)، فصرح لجريدة الـ(نيويروك تايمز): ”استغرقني الأمر شهرين كاملين للوصول إلى هناك، لذا كنت قد استهلكت كل البيرة التي جلبتها معي“.

بعد وقت قصير من وصوله إلى الميناء، لاحظ (دونوهو) شارة الوحدة على مجموعة من ضباط الشرطة العسكرية التي أوعزت لها مهمة تفتيش ومراقبة السفينة التي جاء على متنها، كان هؤلاء الضباط ينتمون إلى الفوج 127 للشرطة العسكرية وهي نفس الوحدة التي كان ينتمي إليها أحد الأشخاص الذين حمل معه أسماءهم وهو (تومي كولينز)، قام (دونوهو)، الذي كان يعرف عنه أنه متحدث سلس ولبق، بالتقرب من أحد ضباط الشرطة العسكرية، وسرد عليه قصة سريعة حول كونه يبحث عن نسيبه وقام بإعطائه اسم (كولينز)، ثم انتظر لبرهة، وبعد مدة قصيرة قدم (كولينز).

(جون دونوهو) مع أحد أبناء حيّه في فيتنام.
(جون دونوهو) مع أحد أبناء حيّه.

قال (كولينز) لصحيفة الـ(تايمز): ”لقد قلت له: ’(تشيكي دونوهو) ماذا تفعل هنا بحق الجحيم‘“، وأضاف: ”فأجابني: ’لأقتني لك بعض البيرة‘“، وبعد تناول بضع زجاجات مع (كولينز)، شد (دونوهو) الرحال مجددا للعثور على بقية الأسماء الأخرى على لائحته، فانتقل من (كي نهون) إلى (كي نسان) ثم إلى (سايغون)، وكان في كل مرة يلتقي بأبناء حيه وأصدقائه ويقدم لهم البيرة ويتبادل معهم أطراف الحديث ويستحضرون معا الأيام الخوالي، ثم يعيد التزود بالبيرة ويمضي في سبيله.

تمكن (دونوهو) بفضل سلاسته وأسلوبه اللبق من إقناع القوافل العسكرية، وطائرات البريد العسكرية، والطائرات العمودية العسكرية بنقله معها عبر ڤتنام المتناحرة، كما أنه في إحدى المرات، علق في اشتباك ناري مع القوات المتحاربة، كما تم تخليفه في إحدى المرات وبقي عالقا بعد أن غاردت السفينة التي كان من المفترض أن يسافر على متنها الميناء من دونه، لذا ظل يتسكع هناك والتقى ببعض الأصدقاء على الجبهات الأمامية.

بحلول شهر مارس سنة 1968، شق (دونوهو) طريقه عائدا إلى حي (إنوود) حيث أصبحت بسرعة البرق قصة رحلته تلك أسطورة محلية يتم تداولها.

بالكاد كانت البيرة هي محور الموضوع، فعلى الرغم من أنه بالنسبة لبعض الأشخاص مثل (باباس) الذي كان يعاني فترة عصيبة بعد أن علم أن معظم أصدقاءه سقطوا في ساحات المعارك، فقد كانت رؤية (دونوهو) حاملا زجاجات البيرة في يده آنذاك بمثابة دفعة نوعية نحو الأمام، حيث يقول: ”قد منحني ذلك الكثير من التشجيع وجعلني أؤمن بأنني أستطيع تحقيق الأمر والعودة سالماً إلى الديار“.

أصبح (دونوهو) أسطورة محلية وأصبحت قصته متداولة تقريبا في جميع أنحاء نيويورك، حتى المشككين في صحتها كانوا دائما سعداء بمكافأته كلٌّ على طريقته، يقول (دونوهو): ”لم أعد أضطر لشراء البيرة على الإطلاق، لأن الناس كانوا يدفعون ثمنها من أجلي في كل مرة“.

جاري التحميل…

0