اجتماعيات

في باكستان: إخفاء وإسكات النشطاء

في باكستان: إخفاء وإسكات النشطاء
صورة لـShahzaib Akber/EPA

ظهيرة السابع من يناير، كان أحمد رضا ناصر يجلس مع أخيه في متجرهم الذي يقع في قرية صغيرة تقع مباشرة خارج مركز مدينة نانكانا صاحب، عندما دخل رجل عادي إلى المتجر وهو يتكلم في جوال. أخذ الرجل وقته في تفقد البضاعة المعروضة للبيع – الجوالات في الغالب – قبل أن يسأل الأخوين عن اسميهما، ثم سأل من منهما يستخدم رقم جوال معين. عندما أجابه أحمد أن الرقم هو رقمه، طلب منه الرجل أن يقف. فوقف أحمد، البالغ من العمر 27 عام، بصعوبة – فقد أصيب بشلل الأطفال في جانبه الأيمن عندما كان طفلا.

ويقول طاهر، شقيق أحمد، أن ”الرجل طلب من أحمد أن يأخذ جواله ويأتي معه ليجلس في سيارة في الخارج مع ”صاحب“ (رجل مهم) يريد أن يسأله بعض الأسئلة.“ وأمر الرجل طاهر أن يبقى داخل المتجر. وكانت هذه أخر مرة رأى فيها أحمد أي فرد من عائلته.

كان أحمد رابع شخص يختفي في غضون عدة أيام في مختلف أرجاء إقليم البنجاب الباكستاني. ففي 4 يناير، اختُطف في شرق مدينة لاهور كل من وقاس جورايا، طالب يدرس في هولندا، وعاصم سعيد، مدير قسم تكنولوجيا المعلومات في سنغافورة. وفي 6 يناير، اختُطف الشاعر والناشط والمعلم سلمان حيدر قرب منزله في العاصمة إسلام اباد. وفي 7 يناير، اختفى الناشط سامر عباس أثناء زيارة للعاصمة، فوصل عدد المختفين بالكامل إلى 5.

اتهام النشطاء المخفيين يهدف إلى إسكات المعارضين للأبد

وعُرف أحمد عباس وحيدر بنشاطهم السياسي، وكانت لديهم مواقف تقدمية يسارية تنتقد الدولة الباكستانية وجيشها المتسلط، الذي يحكم باكستان لأكثر من نصف عمرها البالغ 69 عام، ويستمر في هيمنته على الحكم.

وعُرف أحمد بالتحديد بنشاطه في قضايا ”الأشخاص المختفون“، اللقب الذي أطلق على ضحايا ظاهرة الاختفاء القسري، وهي الوسيلة التي غالبا ما تتبعها أجهزة المخابرات الباكستانية ضمن حربها ضد الوطنيين المنتمين للعرق البلوشي وأخرين، بما في ذلك حركة طالبان الباكستانية.

وموضوع الاختفاء القسري ليس بالأمر الجديد في باكستان. حيث يزعم نشطاء حقوق الأنسان أن هنالك الألاف من الأشخاص الذين ”أخفتهم“ الدولة، كما لقي بعضهم حتفهم أثناء احتجازهم حسب هذه المزاعم. ففي ديسمبر، أفادت لجنة الاختفاء القسري التابعة للحكومة بأنه تم العثور في عام 2011 فقط على جثث 936 شخص مختطف في إقليم بلوتشستان.

وتنكر الحكومة ارتكابها لأي خطأ، وحسب تصريح وزارة الداخلية بشأن النشطاء الخمسة المفقودين حاليا، تقول ”أن الوزارة تبذل كل ما بوسعها من أجل عودتهم بسلام.“

وبالرغم من ذلك يواجه هؤلاء الناشطين والمواطنين وكذلك أولئك الذين يطالبون بإطلاق سراحهم خطرا أكبر الآن: فقد اتُهموا بالتجديف – الجريمة التي تحمل في طياتها عقوبة الإعدام وتعرض المتهمين بها بشكل متزايد إلى خطر القتل خارج نطاق القانون على يد أفراد أو جماعات قصاص أهلية.

التجديف كسلاح

قال عبد الله جيما، ضيف على برنامج تلفزيون مشهور في 12 يناير، أن ”صفحات (فيسبوك) هذه… مسيئة جدا إلى الرسول، والقران، والله، والإسلام. فهم يجعلون كل ما سبق مادة للسخرية.“ واتهم جيما الناشط المختطف وقاس جورايا بإدارة تلك الصفحات، بينما تنكر عائلة وقاس هذه التهمة.

وبتشجيع من أوريا مقبول جان، مضيف البرنامج وكاتب وصحفي معروف، يتابع جيما حديثه ويقول إن ”مساندة مجرمين مثل هؤلاء هي جريمة بحد ذاتها.“

وقال خادم حسين رضوى، قيادي مسلم معروف، في خطبة مرفوعة على اليوتيوب يوم 13 يناير أن ”هؤلاء المجدفين الذين وقعوا في الأسر، أي كان من أسرهم، فليبارك الله بهؤلاء الناس.“

ويقول أمير لياقات، مضيف أحد أكثر البرامج الحوارية شهرة، في 16 يناير أن ”اختفاء المدونين هو قضية بحد ذاتها. وعلى من اختطفهم أن يطلق سراحهم بالتأكيد، ولكن يجب ألا يحاول أحد أن يخفي جرائمهم، فهي شنيعة لدرجة أنه يجب ألا يقول أحد… أنهم تعرضوا للظلم.“

وفي نفس الوقت، أخذت صفحات الفيسبوك المساندة للجيش وأجهزة الاستخبارات بالعزف على نفس المنوال. فقالت صفحة دفاع باكستان في منشور حديث أنه ”هُزمت… مجموعة الملحدين المجدفين على الفيسبوك.“ ودفاع باكستان صفحة مؤيدة للجيش ولديها 7.5 مليون متابع ويديرها أشخاص مجهولين.

تصل عقوبة الإساءة إلى رسول الإسلام إلى الإعدام في باكستان، بينما تصل عقوبة تدنيس القرآن الى السجن مدى الحياة. وتقول منظمات حقوق الإنسان أن تهمة التجديف تستخدم غالبا في استهداف الأقليات وتصفية حسابات شخصية. وحسب المفوضية الأمريكية للحريات الدينية الدولية، يوجد حاليا 40 شخص بين محكوم عليهم بالإعدام أو بالسجن مدى الحياة في باكستان.

وما يبعث على القلق هو أنه، حسب إحصائية الجزيرة الإنجليزية، لقي 68 شخص اتهموا بالتجديف حتفهم على يد أفراد أو حشود قصاص أهلية منذ 1990 على الأقل، ويتضمن هذا العدد متهمين بالتجديف، ومحاميهم، وأقربائهم، وقضاة كانوا يترأسون جلسات محاكمهم وأفراد من مجتمعهم المحلي (PDF).

تعتبر زهرة يوسف، رئيسة لجنة حقوق الإنسان في باكستان أن ”أي شخص يتهم بالتجديف يحكم عليه بالإعدام فعليا، حتى إذا (أطلق سراحه).“ وأعربت عن ”انزعاج“ تحذير منظمتها من الاتهامات الموجهة ضد المختطفين وضد من يطالبون بإطلاق سراحهم.

وترى جول بخاري، ناشطة حقوق إنسان في لاهور، أن هذه الاتهامات تأتي في إطار حملة تهدف لإسكات المطالبين بإطلاق سراح المختطفين، فتقول إن ”الناس بدأت تلاحظ نمطا، فعنما لا تستطيع أن توجه تهمة رسمية وتضطر لإخفاء الناس، ثم يخرج من يحتج على هذا الفعل، يحاولون أن يسكتوا المحتجين بتفعيل لواء التجديف، (ويشكل هذا الأمر) خطرا لأنه يبدو أن الدولة تستخدم (تهمة) التجديف كسلاح، ويبدو أن الدولة تستخدم هذا السلاح لإسكات المعارضين.“

ويصف شهزاد أحمد، رئيس منظمة ”بايتس فور اول“ لحقوق الإنسان، هذا العدد الكبير من اتهامات التجديف على الإنترنت في هذا الوقت بحملة ”منسقة“ و”منظمة“، وتختص ”بايتس فور اول“ بقضايا الرقابة وحرية التعبير وقامت بدراسة وفحص مثل هذه الحملات من قبل.

فيقول إنه ”توجد بعض الصفحات (على الفيسبوك) التي تقود هذه الحملات، وتصنع الميمات، وتشارك بالصور، ما يؤدي إلى انتشارها من قبل الاخرين، وبعضها يصل إلى وسائط الإعلام الرئيسية. ما يدفعنا إلى الاعتقاد بأنها منسقة جدا، أو بإمكانك أن تصفها بأنها منظمة.“

أما بالنسبة لعائلات الناشطين المختفين، فقد نفوا تلك الاتهامات بشكل قاطع، فالرسالة واضحة. فتقول تالات سعيد، زوجة عاصم سعيد الذي كان بين المختطفين في مدينة لاهور، أن ”الهدف هو ثني الناس عن مساندته وتأليبهم ضده.“

وفي بيان مكتوب صدر يوم الأربعاء لأقارب جورايا وحيدر، يقولون ”أن بعض العناصر تحاول أن تشهر بأفراد عائلاتنا المختطفين، فتنعتهم بالمناهضين للدولة والمناهضين للدين، وتحرض الناس على اقتراف أعمال عنف ضدهم وضد عائلاتنا.“

وقد بدأت الاعتداءات بالفعل. ففي مظاهرة في مدينة كراشي، قذف قياديون متدينون من اليمين السياسي الحجار على متظاهرين سلميين يطالبون بإطلاق سراح النشطاء. وصرخ أحد القياديين المتدينين أنه ”طالما هنالك مسلم سني واحد في باكستان يتمسك بإيديولوجية ممتاز قادري، أقسم بالله أننا لن نترك من يسيء إلى الرسول على قيد الحياة!“ وممتاز قادري هو رجل يلقى احترام العديد من الناس لاغتياله السياسي الباكستاني سلمان تيسير في 2011 بسبب اتهامات التجديف.

تكاسل الحكومة

ويقول نشطاء باكستانيون أنه كان للتداعيات – الناتجة عن اختطاف النشطاء وحملة اتهامهم بالتجديف التي تلتها – أثر تقشعر له الأبدان. يقول يوسف، من لجنة حقوق الانسان في باكستان، أن ”الأمر مخيف للغاية لأنهم دخلوا العالم الرقمي ومن الواضح أن وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة، توفر مساحة أوسع ليعبر الناس عن أنفسهم. والرسالة التي يتم ارسالها هي أن الجيش لن يتسامح مع أي انتقادات له أو لمن لهم علاقة به.“

ومع ارتفاع معدل الخطورة يقول مهفيش أحمد، وهو صحفي ومؤسس مجلة ”تنقيد“، ”قليل من الناشطين من سيتجرأ على الانتقاد خوفا على حياتهم. اختفاء الناس يعني اختفاء الأصوات – واختفاء حلم سياسي بديل ومعارض لما يمكن لباكستان أن تكون. فما عليهم ألا أن يختطفوا بضعة نشطاء، كما فعلوا، ليخيفوا ويسكتوا الجميع.“

بالنسبة للآخرين، فإن تقاعس الحكومة في إيجاد المختفين منح المسؤولين عن اختطافهم القدرة على الإفلات من العقاب. فتقول مديحة طاهر، صحفية واكاديمية من نيويورك، تقول أنه ”يبدو أن الحكومة غير قادرة أو لا تريد أن تجدهم، وسينتج عن انعدام كفاءتها الجسيم تأثير ستقشعر له الأبدان في مجال حرية التعبير عن الآراء المعارضة في باكستان، فلم تكن هذه المساحة كبيرة جدا منذ البداية، وهي في خطر الأن بالتأكيد.“

في نفس الوقت، وبالنسبة لعائلات النشطاء المختفين، فموضوع انحسار مساحة النقاش في المجال العام هو أمر أكاديمي. فما يعنيهم حقا هو مصيبة أنهم لا يعرفون أين أقاربهم، وما هو حالهم، وما إذا كانوا بالفعل على قيد الحياة. فيقول طاهر ناصر أن ”لدي العديد من الأسئلة الأن التي لا جواب لها. وأرجو أن يعود (أخي) قريبا لأسأله بنفسي عنها، لأعرف على الأقل ما هو الموضوع بالكامل.“

مقال من إعداد

mm

إبراهيم صوان

فلسطيني كندي، ماجستير دراسات الترجمة، مهتم بالقضايا الاجتماعية والسياسية، العلمانية هي الحل.

عدد القراءات: 525