in

هل سرق الفاتيكان ما يقال أنه ”قلفة“ ذكر يسوع من أجل سد باب الأقاويل حولها؟

في سنة 1983، وبينما راح سكان (كالكاتا)، وهي بلدة صغيرة تبعد 50 كيلومتر عن روما، يتحضرون لموكبهم السنوي الذي اعتادوا إقامته لتكريم أحد الآثار المقدسة؛ خرج لهم قس الأبرشية بإعلان وتصريح مدوي جعلهم في حيرة من أمرهم، حيث قال: ”هذه السنة، لن يتم عرض الكنز المقدس على المؤمنين المخلصين.. لقد اختفى.. لقد قام اللصوص المدنسون بسرقته من منزلي“.

منذ العصور الوسطى، الزمن الذي كانت فيه الذخائر المقدسة وبقايا أجساد الشخصيات المقدسة تباع وتشترى وتسرق، لم يحصل أي غرض على الزخم الإعلامي الذي حصل عليه هذا الغرض المقدس، لكن الاختفاء الغامض لكنز (كالكاتا) المقدس مختلف تماما.

مدينة كالكاتا العتيقة. صورة: JuanCladeRamon/Twitter

لم يكن هذا من بقايا أي عضو من أعضاء أي إنسان مقدس في التاريخ، حيث يتعلق الأمر هنا بقلفة ذكر يسوع المسيح، وهو ما يزعمون أنه الجزء الوحيد من جسمه الذي تركه هنا على الأرض!

ما الذي كانت قلفة اليسوع تفعله في بيت القس داخل علبة أحذية في خلفية خزانة ملابسه؟ ولماذا وكيف اختفت من هناك؟ تبقى هذه أسئلة طاف حولها الكثير من الجدل منذ اختفائها.

يشكك البعض في أن قس البلدة باع القلفة مقابل مبلغ ضخم من المال، بينما يقول آخرون بأنها تعرضت للسرقة على أيدي لصوص وانتهى بها المطاف في السوق السوداء للبقايا والرفات المقدسة، بينما يقترح البعض الآخر أن عبدة الشيطان والنازيون الجدد هم المسؤولون على اختفائها. لكن المذنب الأكثر احتمالا هو ما لم يفكر فيه أحد: إنه الفاتيكان.

لم لا؟ فمنذ الثورة العلمية التي شهدتها أوروبا، والتي غيرت تفكير العالم من خرافي إلى مشكك بأسس علمية، تأثرت بشكل كبير مصداقية وشرعية بقايا مقدسة كانت في زمن ما تتربع على عرش أكثر الرفات والبقايا تقديساً. من البديهي أن الكنيسة في القرن العشرين بدأت تشعر بنوع من الخجل حول فكرة أن أتباعها يتقربون بحفاوة من قلفة عمرها 2000 سنة، يقال أنها من عضو يسوع الذكري لينال من ورائها بركاته.

مع ذلك، يقول الكاتب والصحفي (دايفيد فارلي) في مقال لمجلة The Slate أنه عند وصوله إلى مدينة (كالكاتا) الصغيرة في صيف 2006، بدى له أن سكانها لم يقتنعوا بفكرة أن الفاتيكان هو المسؤول عن سرقة القلفة، بل اكتشف أدلة تثبت العكس والتي سنرويها في هذا المقال.

قصة القلفة وتاريخها

حتى قبل اختفائها؛ كان لقلفة ذكر اليسوع تاريخ غريب، حيث اكتشفت في مدينة (كالكاتا) الإيطالية في سنة 1557، وبعدها بفترة وجيزة ظهرت سلسلة من ”المعجزات“، من بينها عواصف خارقة للعادة وضباب معطّر يحيط بالقرية. منحت الكنيسة لهذا الاكتشاف مباركتها، وعرضت الغفران لعشرة سنوات كاملة من الخطايا لكل من المؤمنين والأتباع الذين يأتون لزيارتها، والحصول على مباركتها.

امتدت طوابير من الحجاج من أبواب الكنيسة التي احتوت الرفات المقدسة إلى خارج بوابات حصن المدينة، وكانت الراهبات والرهبان من القرى والأديرة المجاورة يأتون في مواكب مشعلين الشموع، وسرعان ما أصبحت مدينة (كالكاتا) الصغيرة محطة يجب المرور بها عند الحج إلى الفاتيكان.

استمر الأمر على تلك الحال حتى سنة 1900، عندما وجد الفاتيكان نفسه يواجه موجة متزايدة من النقد، خاصة بعد اكتشاف ”قلفة ذكر يسوع مقدسة“ أخرى وجديدة في فرنسا، ومنه أعلن الفاتيكان أن كل من يتحدث عن قلفة مقدسة أو يكتب حولها سيواجه عقوبة العزل الكنسي.

متحف الذخائر المقدسة في الفاتيكان
متحف الذخائر المقدسة في الفاتيكان.

بعد 54 سنة من هذا التاريخ، عندما رغب أحد القساوسة في إدراج بلدة (كالكاتا) في خريطة ودليل الحج للمسيحيين، لم يقم المسؤولون في الفاتيكان برفض طلبه فقط (بعد جدال طويل)، بل رفعوا من شدة العقوبة: التي صارت الآن تطال كل شخص يتلفظ باسم ”قلفة ذكر مقدسة“ ينسبها إلى اليسوع، وهي العقوبة التي تتجلى في أقسى أنواع العزل الكنسي، وهذا على الرغم من أن نفس المسؤولين في الفاتيكان يعترفون بأن ”قلفة“ (كالكاتا) هي أكثر شرعية من بقية القلفات التي راحت تظهر هنا وهناك.

لم يكن هذا نهاية قصة القلفة المقدسة، ففي أواخر الستينيات من القرن الماضي، قرر المسؤولون في بلدة (كالكاتا) بناء بلدة جديدة، بعد تزايد قلقهم من أن تتسبب الجروف المتهاوية والهزات الأرضية المتزايدة في تدمير البلدة. اكتشف الهيبيون البلدة التي تم هجرها حديثا، والتي كانت قابعة هناك تنتظر وصول فرق الهدم الحكومية، فاستقروا فيها، ثم قاموا قانونيا بشراء المباني المهجورة فيها.

مدينة كالكاتا العتيقة. صورة: JuanCladeRamon/Twitter

وجد بعض هؤلاء الهيبيين البوهيميين أنفسهم مهتمين بموضوع الرفات المقدسة التي تفتخر بها البلدة، والتي لم تكن تعرض على العامة إلا في مواكب احتفالات رأس السنة (هذا على الرغم من أن الفاتيكان قام بإزالة يوم الختان المقدس من رزنامة الكنيسة).

بدأ السكان الجدد الكتابة حول الحدث الغريب والكنز الأغرب للصحف والجرائد في روما، ومنذ ذلك الحين لم تعد ”قلفة كالكاتا المقدسة“ حدثا منعزلا عن العالم الخارجي، ذلك أنها استقطبت اهتمام الكنيسة الكاثوليكية في الفاتيكان.

هل كان هذا السبب الذي جعل (داريو مانيوني)، القس المحلي، ينقل موقع القلفة الذكرية من الكنيسة إلى داخل منزله؟ من يعلم.

رفض القس (مانيوني) الحديث حول هذا الكنز المقدس، متحججا بتهديد الكنيسة سنة 1954 وتلويحها بعقوبة العزل الكنسي لكل من يأتي على ذكر الموضوع. كما لم يرغب حتى سلفه، وهو (ماريو ماستروكولا)، بالحديث حول الذخر المقدس، لكنه عندما سُئل عما إذا كان قد تفاجأ لعلمه بأنه قد سُرق، اكتفى بهز رأسه وحسب، وعندما أُلحَ عليه، قال: ”لم يكن الرفات المقدس ليسرق أو يختفي لو أنني بقيت قسا في كالكاتا“.

لمّحت كلمات (ماستروكولا) الغامضة —التي لم تقم بتجريم أي كان بطريقة مباشرة— إلى معاملات كنسية مخفية.
يقول (دايفيد فارلي) أنه في وقت لاحق وجد نفسه جالسا في قبو نبيذ على قمة تلة تفصل بين (كالكاتا) القديمة و(كالكاتا) الجديدة، وهناك أخبره (كابيلوني)، وهو مالك القبو وأحد السكان القدماء في (كالكاتا)، بعلاقته الوطيدة مع الأسقف الأسبق للبلدة (روبيرتو ماسيميلياني).

صورة: Max Rossi/Reuters

قال أنه عندما كان (ماسيميلياني) يئن في فراش الموت، أخبر (كابيلوني) بأنه برحيله تختفي القلفة المقدسة إلى الأبد. توفي الأسقف (ماسيملياني) بعد وقت وجيز في سنة 1975، وبعد ثمانية سنوات من موته اختفى الرفات المقدس. يقول (كابيلوني): ”بالنسبة لي، بدا الأمر مثل اعتراف على فراش الموت“، وتابع: ”بدا وكأنه كان في حاحة إلى البوح بالأمر لشخص ما قبل وفاته“.

هل يعقل أن يكون اللصوص المدنسون الذين تحدث عنهم القس (مانيوني) في تصريحه سنة 1983 حول اختفاء القلفة المقدسة هم في الواقع مبعوثون من الفاتيكان؟

قد تبدو فكرة حضور مبعوثين ملثمين بردائهم المميز من الفاتيكان إلى هذه البلدة النائية من أجل استرجاع القلفة المقدسة أمرا مغريًا، لكن السكان المحليين على غرار (كابيلوني) يقسمون على أن الفاتيكان تملك الآن القلفة المقدسة، ويؤمنون بأن القس (مانيوني) هو اللص بعينه.

يدعي بعض السكان المحليين بأنهم رأوه يسافر إلى روما قبل يوم من حادثة اختفاء الرفات المقدس، مما يوحي بأن الفاتيكان طلب إحضار القلفة وقام هو بالانصياع للأمر، بل ونقله إلى هناك بنفسه.

سواء كانت القلفة قد تعرضت للسرقة، أو بيعت، أو تم نقلها إلى الفاتيكان طواعية من قبل القائمين على حمايتها وحراستها، مما لا شك فيه أن ما كان يعتقد على أنه ”قلفة يسوع المقدسة“ قد ضاع إلى الأبد، حتى مع كون بعض السكان المحليين مازالوا يؤمنون ويأملون بأنها ستعود إلى بلدتهم في يوم ما.

بينما تعرضت معظم النسخ الأخرى عن ”القلفة المقدسة“ للإتلاف خلال عهد الإصلاح الكنسي الذي اتخذته الكنيسة الكاثوليكية وخلال الثورة الفرنسية، عاشت قلفة (كالكاتا) لتتجاوز تاريخ انتهاء صلاحيتها بزمن طويل، مثل ديناصور نجى من تبعات اصطدام الكويكب المشؤوم بالأرض.