أقصوصة

كلما تعلمت شيئاً جديداً، نقصت معلوماتي!

جلستُ يوماً إلى النافذة المطلّة على حديقة جاري المليئة بالزهور، لا أفكر ولا أشعر، ولولا التصورات العشوائية التي كانت تتراءى لي، لظننت أني كنت في زيارة العدم، وبعد زمن – لم أعرف طويلا كان أم قصير – ظهر رجل من عمق الظلام وسلّط ضوء مصباحه إليّ دون أن ينبس ببنت شفة، ولما أدهشهُ أني لم أحرّك ساكناً، أطفئ مصباحه واقترب إلي حتى وقف أمام عيني، فرسمَ الضوءُ المنبعثُ من غرفتي على وجهه ملامح جاري العجوز.

– ”مرحباً يا جار“، قال العجوز، ”ماذا تفعلُ في هذه الساعة المتأخرة؟ لعلّك تعدُّ النجوم في السماء؟“

– ”وهل النجوم في السماء!“

لم يفهم العجوز ما قصدت، فقد رأى ـ إذْ نظر إلى الأعلى ـ بريقاً؛ كالبريق في كلِّ ليلة، فأسندَ رأسهُ إلى يده وقالَ والحيرة تعتلي ملامحَ وجهه المتجعّدة: ”ما خطبك اليوم؟ لا تبدو على ما يرام!“

”أعلم أنّكَ لن تفهمني وستحسبني مجنوناً، ولكنّي سأجيبكَ فقط لأتأمّل ملامح وجهكَ تتغيّر، وأقرأ أفكارك الخبيثة“ قلتُ ذلكَ في نفسي، ثمّ أضفتُ قولي بصوتٍ مسموعٍ هذه المرّة: ”إنّ شيئاً غريباً يحدثُ معي، كلّما تعلمت شيئاً جديداً، نَقصَتْ معلوماتي!“

لقد حدثَ كما توقّعت؛ لم يفهم العجوزُ قولي، وبينما هو يفكر متعجّباً، سمعتُ صوتاً قريباً وبعيداً في آنٍ معاً، قال: ”وأنا الحقُّ أقولُ لك، ستأتي ساعةٌ لا تملكُ فيها معلومةً واحدة!“

– ”من أنتْ! من المتحدّث؟“

– ”أنا الليل“

– ”اخرس أيّها اللعين، وهل الليلَ شيءٌ يتحدّث! إنّ الليل هو غياب النهارِ فحسب، ولكنّي أعلمُ من أنتَ يا صاحب القول، أنت صدى أفكاري ولربّما الصدى المعكوس أو أنّك ذاك الشيطانُ الخبيثُ الذي أوصلني إلى حالي، أتريدُ أنْ تدفعني للجنون؟! هه! لن تقدر، فقد كشفتك“.

ضحكَ ذلكَ الصوتُ ضحكة خبيثةً، ثم قال: ”الملاعين، الكاذبون الملاعين، قد كذبوا عليكَ أنت أيضاً! أنا الليل، لي كيانٌ قائمٌ ونور أسودٌ وصوت صامت، راقب نفسكَ، ها أنت ذا تحدثني دون أنْ تحرّك لسانك، وتسمعُ قولي بعقلك لا بأذنيك، انظر إلى جارك العجوز، هو ذا يحدّثكَ منذ مدة وأنت لا تسمعه وهو لا يسمعنا“.

راقبتُ نفسي فوجدت كلامه صحيحاً:

– ”اللعنة! لقد صدقت، الآن خسرتُ آخر معلومة، ماذا تريدُ منّي؟“

– ”أُريد أنْ أحدّثك على انفراد“.

– ”تحدث، فلا أحد غيري يسمعك“.

– ”بل إنّ جارك الشاعرُ في البيت المقابل يسمعني، وفي البيت الذي إلى جانبه رجلٌ فاقدٌ عقلهُ يسمعني هو الآخرُ كذلك“.

– ”حسناً سآتي“.

تركتُ جاري العجوزَ يتحدّث لوحده، وذهبت إلى ضفّة النهر؛ حيث لم يكن من أحدٍ سوى أنا والليل والقمر…

– ”ها تفضّل“، قلت لليل، ”ما من بشريٍّ يسمعكَ هنا سواي، ماذا تريد منّي؟“

– ”لستُ أنا من سيتحدّث، بل أنت“.

– ”ماذا تقصد! أنت من قلت أنّك تريد أن تحدّثني!“

– ”بل أنت ستحدّث ذواتك. انظر ظلّك على مياه النهر“.

نظرت إلى ظلّي فرأيت ذواتي سابحاتٍ في النهر، تُصافحن قطراتَ الماء الجارية قطرةً قطرة، تأمّلتهنَّ قليلاً فما لبثنَ أن اجتمعنَ قبالةَ ذاتي العادلة وأخذنَ يتجادلن:

ذاتي السعيدة: ”يا أيّها العدل، لقد اضطهدني الحزن يومَ رأيتُ طفلاً يمضغُ الهواء“.

ذاتي الحزينة: ”لا لعمري، بل السعادة اضطهدتني يوم سمعتُ بلبلاً يسكبُ ألحانه في الأثير“.

ذاتي الآملة: ”يا أيّها العدل، لقد التهمني اليأسُ لمّا جهلتُ مآلَ الحياة“.

ذاتي اليائسة: ”لا لعمري، بل الأملُ التهمني يوم عشقتُ ذات العينين البلوريتين“.

ذاتي المطمئنّة: ”يا أيّها العدل، لقد عكّر القلق صفوي، إذْ ظننتُ في الوجودِ واقعاً“.

ذاتي القلقة: ”لا لعمري، بل الاطمئنانُ فعلَ ذلك، إذْ شربتُ الخمر وغازلت القمر“.

وهكذا أدلت كلُّ ذاتٍ من ذواتي بدلوها، فقالت ذاتي العادلة: ”جميعكنّ محقّات“.

وصرخت ذاتي الظالمة: ”بل جميعكنّ مخطئات“

وهكذا تعالت أصوات ذواتي، حتّى أصابني الصداع، فصرختُ: ”أين الحقيقةُ وأين الخيال؟! أين الخيرُ وأين الشّر؟!“

فصمتن مندهشات، وقالت ذاتي الحكيمةُ: ”عن أيّ شيءٍ تتحدّث وبأي لغةٍ تقول ما تقول؟!“

لقد أغضبني قول ذاتي الحكيمة، فصرخت مخاطباً الليل:

– ”وماذا الآن أيّها الليل، أتريدني أن أصيرَ مجنوناً!“

– ”وهل تسمّي معرفة حقيقة الوجودِ وحقيقةَ الذوات جنوناً؟“

– ”هه! وماذا أعلم أنا عن الوجود، لعمري إنّي لا أعرف من الوجود سوى أنّهُ عبثيٌّ ومتناقضٌ في الصميم!“

– ”كفى الآن! كفَّ عن البحث عن حقائق مُطلقة، فلكلٍّ حقيقته، وما من حقيقةٍ مطلقةٍ سوى ما تعرفه عن الوجود، وإليك الحقيقة الأخرى عن ذاتك والوجود، وعلى هذه الحقيقةِ تبني ما شئت من حقائق/أوهام:

إنّكَ في الوجودِ، وكذلكَ الوجودُ فيك، وكما أنّ الوجود عبثيٌّ ومتناقض، كذلك ذواتك، ولولا هذا ما كنتَ ولا كان. تأمّل صنيعَ الوجود، واصنعهُ داخلك، واصنع كصنيعه خارجك.“

فقلتُ له: ”وما أدراني أنّ كلّ ما حدث ليس سوى مجرّدَ وهمْ؟! ولعلّك من نسجِ خيالي!“

فضحك الليل ضحكتهُ الخبيثة، وذهب وبزغ الفجر.

عدد القراءات: 1٬126