أقصوصة

قصة ”كتكوت“ تمرد.. فتساءلت الديوك لماذا لا يتزوج أمه؟

منذ نعومة مخالبه لم يعرف (بيكي) الكتكوت عن أصله وبداية حكايته إلا القليل، حيث كانت الرواية التي لقنوها إياه كمثل كتاكيت جيله هي أن كائنا عملاقا وغامضا شعر ذات ليلة أنه قد أصابه الملل الشديد من رؤية الكلاب والقطط فقط، فبحث عن شيء جديد يساعده على تضييع وقته في الإحساس بقدراته العظيمة، وكما تقول الرواية فإن ذلك الكائن قد عبث ببعض الروث الملقى خارج شرفته وأضفى عليه لمسته السحرية ليشكل أول كتكوت في التاريخ.

مرت آلاف السنين ولم يعد للكائن الغامض وجود حقيقي في حياة مملكة الكتاكيت ولكن الجميع هنا يدرك بأن خالقهم مازال موجود يراقبهم في كل مكان، ومن يدري لعل هنالك من يراقبه هو أيضا، ولأجيال بعد أجيال ظلت تلك الرواية يتم تداولها ولكن بالطبع كانت مختلفة قليلا أو كثيرا حسب البعد عن موطنها الأول، هذا الموطن الذي وجد (بيكي) نفسه فيه أحد الصغار الباحثين عن السؤال الممنوع في تلك المنطقة وهو: كيف بدأ الخفق؟

”الخفق“ في اللغة العربية قد يكون المقصود به اضطراب وتحريك الشيء مثل ”خفق البيض“، أو ”خَفَقَ النسر“ أي طار ، وفي الحالتين داعب هذا السؤال (بيكي) كثيرا، وكلما ”خفق“ قلبه خوفا من الإجابة وطرد تلك الأفكار من عقله، إلا و”خفقت“ تلك الأفكار مجددا عائدة له في انتظار أن يعطيها الاهتمام الكامل ذات يوم.

رحلة (بيكي) من الشك إلى اليقين بضرورة الشك:

تبدأ القصة الجديدة بصباح معتاد حيث يأتي مالك المنزل الذي يعيش فيه (بيكي) ليجمع البيض من أقفاص الطيور، ويذهب بكل ما جمعه إلى حيث لا يدري أحد، فجميع الكتاكيت والطيور في ذلك المنزل تعرف فقط أن ذلك الإنسان يأتي بالبيض مرة أخرى ولكن بعد تغيير صفات عدة به، فهم يجدون البيض قد تحول إلى كتلة متماسكة ولكنها طرية قليلا، وحينما تساءلوا من قبل عن كيفية حدوث ذلك لم يشأ كبارهم الخوض في تلك ”الترهات“ كما أسموها، ووضعوا تفسيرا بسيطا بأن الكائن الغامض القديم يعمل بطريقة سرية في تحويل البيض إلى شكله الجديد المتماسك ويعطيها لهذا الإنسان.

أما عن قصتهم هم فكل ما يعرفونه أن الإنسان الذي يهتم بهم طوال الوقت يجلب الكتاكيت بطريقة غامضة أيضا لتكبر ويأخذ بدلا منها الطيور السمينة، ولكنهم لم يعرفوا قط من أين يأتي بالكتاكيت ولا إلى أين يصطحب الطيور الكبيرة، هم يعرفون فقط بأنه يهتم بهم كثيرا ويقدم لهم الرعاية دون مقابل، وظل ذلك التفسير ينطلي على جميع من في المنزل إلا (بيكي) الذي لطالما ظن بأن هنالك المزيد عن تلك القصة، فهو لم يكتفِ قط برواية أسلافه التي رآها سخيفة للغاية ولكنه لم يكن يستطيع البوح بذلك، فالتفكير سوف يسوقه إلى السؤال الممنوع وهو كيف بدأ الـ…؟ ششش.

حادثة السقوط العظيم:

بيضة مكسرة بجانب بيضات أخريات مرسوم عليها تعابير وجوه

صباح آخر، وها هو إنسان المنزل يأتي وفي حوزته بضع كتاكيت جديدة ليضعها في مساحتها الخاصة وسط نظرات امتنان باقي الطيور له، وبعدما انتهى من عمله جمع بعض البيض في سلة صغيرة ووضعها على سور شرفة المنزل حيث أراد إشعال سيجارته قليلا، ولكن بشكل ما اهتزت يداه أثناء وضع السلة على السور فسقطت خمسة بيضات منه إلى الأسفل، انكسرت اثنان على الفور واستقرت واحدة في دلو مملوء بالماء داخل الشرفة، وهنالك بيضة سقطت على بقعة من زيت المحرك المسكوب في أرض الفناء، فيما تدحرجت الأخيرة نحو زاوية الشرفة دون أن تنكسر، وبينما كل ذلك يحدث ألقى صاحب المنزل سيجارته وأخذ السلة في غضب وذهب كعادته في رحلته اليومية المجهولة.

(بيكي) والـ3 بيضات:

لم يكن الكتكوت الفضولي يدري لم اعتراه الفرح كثيرا بتلك الحادثة، ولكن على ما يبدو أن تلك البيضة في زاوية الشرفة قد أثارت لديه الرغبة في التأمل، فعلى كل حال لم يتسنى له هو أو باقي الطيور والكتاكيت التعايش مع بيضة من قبل لفترة كبيرة، وفورا بدأ (بيكي) في دحرجة بيضته الجميلة إلى رقعة خاصة كثيرا ما قضى فيها الليل وحيدا بعيدا عن جلسات الطيور المزعجة.

ظل (بيكي) يستمتع بوقته بالشكل المعتاد، فهو يذهب أحيانا لمسايرة نظرائه ثم يعود متسللا ليلا إلى حيث أخفى بيضته الثمينة عن أنظار باقي الطيور، وفجأة تذكر الكتكوت تلك البيضة التي سقطت في الدلو حينما حدث السقوط العظيم منذ عدة أسابيع مرت كمليارات السنوات عليه بالنسبة لحياته الهادئة، فذهب مباشرة ليلقي نظرة عليها ووجد ما أصبح أهم حدث شاهده في حياته القصيرة، فالبيضة تحولت إلى الشكل المتماسك الطري (مسلوقة)، وهو الشكل الذي لطالما انبهر هو ورفاقه من قدرة الإنسان في تحويلها إليه، وبسبب ما رآه بدأ (بيكي) يتساءل حول كيفية حدوث ذلك.. هل كانت المياة داخل الدلو هي مفتاح السحر؟ أم الشمس القريبة للغاية من سطح الشرفة مثلا؟ وبدلا من الحيرة قرر (بيكي) تفحص البيضة الأخرى التي سقطت داخل بقعة الزيت وهو يتأمل أن تكون هي الأخرى قد تغير شكلها، وهذا بالضبط ما وجده فهي قد تحولت إلى مزيج من الصفار والبياض مسطح خارج هيكلها ومتماسك كقطعة واحدة (مقلية)، وهنا وقف الكتكوت الفضولي للتأمل في كيفية حدوث كل هذا.

نظرية (بيكي):

سرعان ما توصل الكتكوت إلى علاقة الشمس بإحداث التغييرات سواء على البيضة في الدلو أو على بقعة الزيت وبداخلها البيضة المنكسرة، هو لم يكن يعلم أي تفاصيل أخرى من شأنها تكوين حقيقة كاملة، ولكنه علم فقط أن الشمس اذا سطعت بقوة على المياة ستسلق البيضة، وأن نفس الشمس لو سلطت على بقعة زيت بداخلها بيضة مكسورة ستصبح بيضة مقلية فقط بإضافة عامل الوقت الكبير إلى تلك المعادلات، ولكن في كل الأحوال لا دخل لقوى سحرية بما يحدث.

ولم يأخذ (بيكي) وقتا كبيرا قبل أن يطرح على نفسه السؤال المنتظر، وهو: ”إذا لم تكن للقوى السحرية دور في التطور الذي حدث للبيضة، فلم يؤمن جميع من في المنزل أن تلك القوى ساعدت الإنسان في جلب كتاكيت جديدة؟“، ولم يكتفِ تلك المرة بالسؤال بل تأمل مجددا في قصة البيض وحدث نفسه بأن هذا الجسم المفلطح قد يكون أيضا يمتلك رابطا قويا بالكتاكيت الجدد التي ظل صاحب المنزل يجلبها مرارا بشكل غامض، وأنه إذا صح ما يفكر به فبالتأكيد أن هذا الإنسان يخبئ القصة الحقيقية عنهم لغرض آخر، قد يكون الغرض مثلا هو منعهم من معرفة إلى أين تذهب الطيور التي يصطحبها معه عندما يرحل وما هو مصيرها؟

الكتكوت المنبوذ:

لم يكن (بيكي) يدري أن نظريته الجديدة سوف تجعل منه كتكوتا منبوذا وسط الطيور التي اعتادت على الارتياح إلى قصتها المعهودة السابقة، فهذا بالضبط ما حدث حينما حاول (بيكي) إخبار باقي رفاقه بما اكتشفه والذين بدورهم هرعوا إلى باقي الطيور ليخبروهم كيف قرر (بيكي) الحديث بالترهات التي تم تحذيرهم من استخدامها كثيرا، ومباشرة بدأت باقي الطيور في كيل الاتهامات له، فهي تجده تارة يسعى للاختلاف عنها فقط وتارة أخرى ترجع ما آل إليه أمره إلى انقسام أسري ما، أو البعد عن جلساتها والانطواء لفترات عدة.

من وجهة نظر أخرى:

والآن ماذا لو وقف (بيكي) ووقفت بجانبه باقي الطيور، ومن ثم وضعت أمامهم بيضة تليها بيضة مسلوقة وبيضة مقلية وكتكوت آخر، ألن تتوقع أن تسخر الديوك من (بيكي) مشيرة إلى البيضات بأشكالها المختلفة بطريقة فوقية مُتعالية لتخبر نفسها أن لا علاقة لها بنظرية الكتكوت المنبوذ مطلقا، فإذا كان (بيكي) يرى أن أصل الطيور جميعا يعود إلى البيضة الأولى وأن هناك رابطا بالفعل بينه وبين البيض المقلي والمسلوق، فهو مجرد متمرد أحمق، أما هم _الديوك_ فقد كُرموا من الكائن الغامض قديما وبإمكانهم الترفع عن مثل تلك الادعاءات والاستمرار في إخبار الكتاكيت الجديدة أن أصلها كان ولايزال كتكوتا أيضا، وأن (بيكي) وكل من يصدق نظريته ما هم إلا أحفاد البيض البائس الكافرين بكل قصص مملكة الطيور القديمة، وأخيرًا سيتهامسون فيما بينهم حول أن (بيكي) إذا كان لا يمانع في الاعتقاد بأن أصله قد يكون تلك البيضة ويكذب قصتهم هم، وبما أنه قرر الشك في أساطير المنزل المقدسة.. فما الذي يمنعه أن يتزوج أمه أيضا؟

عدد القراءات: 0