أقصوصة

مشروبُ الطاعة

مشروبُ الطاعة

ساقتني قدماي إليه، مطعمٌ شعبيّ صغير؛ يقع بكنفِ إحدى المديريات العامة، التي ابتلاني الله واحتجت إليها. معظم زبائنه ممّن أصابهم البلاء نفسه وذابت نقودهم بين عبارات الشكر، لتزيدها حلاوة يتلذذ بها وضّاح المحيّا ويمهر توقيعه العزيز.

ينتصب المطعم فوق عتبة جرّدها وطءُ الأقدام من بعض بلاطها، كراسيه وطاولاته وأوانيه من الحديد، جدرانه خشنة تولّاها الزمن وطلاها بشحوبهِ، يعبق برائحة الشواء التي تُثقب الرأس وتُدغدغ المعدة، وربّما هذا ما ساقني إلى هنا وليست قدماي.

طلبت من الـ”جرسون“ وجبة مضاعفة من ”شرحات اللحم المشوية“ لإسكات ضجيج معدتي ومشروباً غازياً لتسهيل التهامها، دوَّن هذا في رأسه فيداه تخلوان من عِدّة الجرسون المعتادة، يلمع الذكاء في ملامحه، وبخفّةٍ يقفز من طاولة إلى أخرى، يحفظ الطلبات ويقدّمها ويحاسب أيضاً. وكان الرجاء أنّ هذه الخفّة ستشملني أنا وطلبي ولحسن الحظ حصل ما رَجوت.

فَركتُ يدي ونفضتُ عنها غبار ”الإضبارة“ بعد أن أقبل طبق الشرحات متدثراً بأرغفة الخبز، واتضح بعد تعريته من غطائه أنّ أسياخاً من الكباب هي من كانت ترقد فيه متوسدةً ببعض الخضروات المشوية، وبُغيةً في تصحيح هذا الغلط استدرتُ لأُخبر الجرسون بذلك، فسبقني بكأسٍ من اللبن أنزله شاقولياً على طاولتي. وهنا تبدّد إعجابي به وبذاكرته الصدئة التي استعان بها في التدوين. ثم وضّح لي الأمر:

”لا يوجد إلّا وجبة واحدة هي الكباب، ولا يوجد إلّا مشروب واحد وهو اللبن“!

ففهمتُ أنّ طلبي لم يدوّن لا في دفتر ولا في رأس، وهذه الثقة والشاقولية في التقديم قد أشعلتا غضبي.

”ولماذا لم تقُل هذا من قبل؟“

”كُلْ كبابك قبل أن يبرد.. وأنا بخدمتك، إن أردت شيئاً آخر.“

هممتُ بالخروج بعد ازدياد حنقي من خُبث هذا الجرسون وقلّة احترامه، فقال بعد أن بسَط يده وجعّد فاه:

”أين الحساب… أستاذي؟“

”لن أدفع ولا قرش… حبيبي.“

جاوبته بنفس التجعّد فتسللت كلمة ”لن أدفع“ دون اصطحاب ”حبيبي“ معها إلى أُذنيّ صاحب المطعم، ذي السمع الرهيف، الذي ينادوه ”المعلم“ فقادته إلينا:

”خير يا أخونا“، بدأ حديثه دون مواربة، ”لماذا لن تدفع؟“

”يا عمي جرسونك هذا يطلب منّي ثمن طعام لم آكله“، وأردفتُ بغضب وقد دفعتُ الطعام جانباً ”ولم أطلبه أساساً“.

أعاد ”المعلّم“ الطبق لمكانه وقال: ”بلى طلَبتهُ، فكلّه لحم مشوي“، ثم تابع وهو ينقر بأصابعه على الطاولة: ”ومن الآخِر.. أكلته أم لم تأكله هذا شأنك، أمّا مسألة الدفع فهي شأني“، وحوّل النقر إلى ضربة واحدة مدوية… ”وستدفع“.

”ما هذا الغش“، وأشهرتُ سبابتي في وجهه، ”محتالون!“

فلتت منّي نفسي أكثر ولم أعُد أتمالك أيّ شيء منها، وشعرت بالنصر على هؤلاء الأوغاد بعد أن عاد ”المعلم“ خائباً إلى وكره وقد تَوجَّس شراً منّي ومن سبابتي، حتى هُيّئ لي وهو مطأطئ الرأس كأنما يشهق من الندم!

تحرّك شيء ما، إحدى جدران المطعم تداعت أو إحدى دعائمه بدأت تخطو قُدماً. وبعد اتضاح الرؤية عرفت بأن سوءاً ما يوشكُ على الحدوث عندما أهلّ من البعيد جزارٌ جَسيمٌ جَهِم الوجه، كان قد تحرّك وخطا نحونا، عَقِب إيماءةً من ”المعلم“ حينما كان يشهق ندماً كما توهّمت.

إنما الحقيقة كانت أنه لا يريد استعمال يده المعطّرة بالنقود ويلوّثها بي، واختار يد الجزار الملوثة مسبقاً بالدم والشحم والمتمرّسة في استعمال الساطور، ثم شهقتُ أنا شهقة الندم حين رأيتُ أنّ هذا الجزار ذا اليد المتمرّسة التي تحمل الساطور ذا النصل المتمرّس يتحرّكون كلّهم باتّجاهي!

ولتفادي عملية التلوّث التي ستحصل، وبرشاقة غير معهودة بي استلّيت نقودي بحركة خاطفة وهرعتُ خلف ”المعلم“، دسستها في جيبه وطبطبتُ على يديه طمعاً بغفرانه، ثم أكرمتُ الجرسون ببقشيش سخي، وعزمتُ تناول ما قرروه لي بعد ما آبَ الجزار إلى زاويته. فأفضل المعارك هي التي يمكن تفاديها وحمداً لله أني تفاديتها وتمالكتُ نفسي في الوقت المناسب.

ازداد الكباب جمالاً بعد سوء الفهم هذا، واقتنعتُ بكلامهم، كلّه لحم مشوي سيهوي إلى نفس المعدة، وكلّها مشروبات سترطّب نفس البلعوم، وكان اللبن خياراً مثالياً لبلعومي حين تذوقته، فطعمه اللذيذ وحموضته اللطيفة جعلاني أستزيد منه کأساً آخر هَدَّأ أعصابي، واسترخيتُ بعدها ونعست!

تجوّلتْ عيناي بين الزبائن ولم أرَ اختلافاً بينهم إلّا في سُمك الأضابير و رقّ الأحذية، وشردتُ في السحن الباردة التي لم تُبدِ استغراباً لِما نشب، كأنه أمر اعتياديّ وحدوثه مع الزبون الجديد ليس منه بدّ، ومن الواضح طبعاً أنّ خبرتي الشحيحة في هكذا مطاعم هي من أوقعتني في هذا المأزق، والحديد الصارخ في وضوحهِ والنظرات الحادّة التي يبديها الجميع لم تكفِني للاستدلال على ”البروتوكول“ المتّبع هنا، الذي يُلزمني إن دخلتُ هذا المكان إظهار الرضى على وجهي دائماً، وإن كنت أحمل بغضاً ما في داخلي، والقبول بما يمليه عليّ قانون ”المعلم“ حتى لو تعارض مع كل معاني الحرية المطبّقة في المطاعم الأخرى ذات العتبات الرخامية والجدران المزخرفة والتي حين تتناول طعامك فيها لن ترى جزاراً.

ينبغي عليك كزبونٍ شريفٍ أن تكتفي بالنظر إلى صحنك والتهام ما فيه دون استشاطة، وأن تُبقى كلمات الإطناب تغرد في فمك وانحناءات التبجيل على هذه المأثرة حاضرة بعد كل لقمة تبتلعها، رغم أنك دفعتَ ثمنها مسبقاً… مع بقشيش!

ومتى ما شعرتَ برفعةٍ ما وتجاوزتَ الحدود وعزفت حبالُك الصوتية خارج المقام، يتحركُ باتّجاهك المايسترو ملوحاً بساطوره. فيُصيبك بمجرّد أن يشدّ بعض عضلات وجهه ويعبس ”ارتكاس وجداني“ (كما يسمّيه علماء النفس) وخوف وخَرَع (كما نسميه نحن). وخشيةً من أن يشدّ عضلات أكثر، ويقتلعُ منك مصدر هذا النشاز، تلتصقُ بمقعدك لا تقوى على الحراك ولا تعلم أهو خدرٌ ألمّ برِدفِك أم رهبة الموقف أثقلتك. لكن الذي تعلمه جيداً هو تمنّيك أن تُلدغ بصفعةٍ على قفاك تعلّمك بأنّ ما سبق ليس إلّا لقطات من كابوسٍ مقيتٍ انسلّ إلى خيالك… وهذا ما حدث!

أحدهم قال: ”إنعره قليلاً“… فضُربت عدّة كفوف ولبطات.

أحد آخر: ”رشه بالماء“… فأُغرقت بماء وبُصاق وشتائم.

هذه هي الطريقة الرائعة التي أيقظوني بها الجماعة هنا بعدما سهت عيناي قليلاً. ولم أعرف ما الخطيئة التي اقترفتها وأستدعَت كل هذا الضرب والبلل إلى أن بدأت حاسة السمع تعمل مجدداً وذهب صدى الكفوف منها، فخاطبني ”المعلم“ في توتّر لم يبدِه في قضيّتنا الأولى:

”منذ دخولك مطعمي وأنت تتراذل، لن آكل ولن أدفع ولن ولن. والآن تتفوه بهذه التفاهة“.

اللبن كان فعالاً أكثر مما ظننت، فبعد أن ابتدأ يومي بالمشي والركض لعدة ساعات في ردهات المديرية ثم امتلأ جوفي به وبأسياخ الكباب، كان النوم خاتمةً متوقّعة، وكانت ”الإضبارة“ خير وسادة لذلك.

”أقلتُ شيئاً خادشاً للحياء لا سمح الله؟“… سألته.

”يا ريت!“، ثم زادت تجاعيد وجهه بروزاً وتنكّس حاجباه وتابع ”بل قلتَ شيئاً خادشاً للحياة.“

بعد أن توسّعت رؤيتي لاحظتُ بأنّ المطعم خالٍ تماماً من زبائنه، والذين أمامي جماعة ”المعلم“ فقط، ولعلّ الجميع قد فرّ عندما هلوستُ، خوفاً من أن تُخدش حياتهم.

”وماذا قلت؟“، وعيناي تتأرجحان بين الوجوه الموحِشة، مظهرةً مدى ”الارتكاس الوجداني“ الذي حلَّ بي.

اقترب منّي، وشكّل بكفّيه الغليظتين ممرّاً وزفر في أذني: ”حرية“.

ثم انهار الممرّ واستقام صاحبه، وصرخ طارداً بي إلى الخارج، متوعّداً رجلي بالكسر إن دعستُ مرّة ثانية عتبة مطعمه، وحين اعتزمتُ التلفّظ والدفاع عن نفسي، بوغِتّ بيدٍ قبضت على ظهري، تناثرت لبأسها كلماتي فارتفع جسمي وسَفُل شأني!

وفي الحقيقة إنّ ما أنساني حينها ألم هذه القبضة وكل الأذى الذي لحق بي هو فرحي الكبير عندما مشيتُ على رؤوس أصابعي، كراقصي الباليه المحترفين. ولطالما تمنّيتُ فعل ذلك مثلهم لكنّي وفي كلّ مرة أراهم فيها أكتفي بحكّ كرشي متمنياً حدوث معجزة تخلّصني منه لأمتلك رشاقتهم، وها أنا ذا أفعلها وكرشي متخمٌ بالكباب. وما زاد الأمر روعة والذي كُدت أن أقهقه بسببه أنّ الجزار تعامل معي بيديه فقط!

وأكملتُ رقصي على ايقاع الشتائم والصفعات التي نال الجرسون قسماً كبيراً منها لأنّه سمح لحلمي أن ينطق هذه الكلمة كاملة، ولم يسحقها من أول حرف. ثم وصلتُ إلى الباب، وقُذف بنا بعيداً، أنا وإضبارتي وحُريّتي.

لم يمضِ الكثير من الأيام حتى ألمّت بي ظروف أعادتني لتلك المديرية. وعند خروجي مررتُ قبالة المطعم آنف الذكر، ولفت انتباهي عبارة خُطّت على واجهته الحديدية ”يُمنع شُرب اللبن منعاً باتاً“. فساقني الفضول هذه المرة لأعرف مدعاة هذا المنع، وأرخيتُ طرف رأسي للداخل فكان الجزار برُكنهِ و”المعلم“ قابعاً خلف طاولته والجرسون قد أُستُبدل بشخص آخر… غَمزتُه فخرج.

”لماذا كتبتم هذا؟“

”بصراحة، أستاذي… لقد قيل لي أنّ أحمقاً قد نام هنا بعد شربه لللبن، وحصلت مشكلة كبيرة لحماقة قد تفوه بها.“

”وماذا تقدمون إذاً مع الكباب؟“

أجاب الجرسون بعد اعتدال…

”أستاذي، لكي تبقى اليقظة متوقّدة في أذهان الزبائن؛ أصحاب الحلم الواحد، وتجنباً لظهور مثل ذلك الأحمق، ارتأى ”المعلم“ بتعديل وجبته الواحدة فمنع اللبن نهائياً واستعاض عنه بمشروب… ”الريدبول“.“

ثم اجترع من عبوة يحملها بيده جرعة عظيمة، توقّدت اليقظة على إثرها وأرخت ظلالها حول عينيه!

عدد القراءات: 2٬923

تدقيق لغوي: عباس حاج حسن.