أقصوصة

حتى الآلهة تخطئ

أصبحت غرفة (بولا) فارغة الآن، لقد عرف (كلوثو) أنها لن تلعب معهم مجدداً..

لقد حصل هذا مراراً مع الكثير من أصدقائه هنا، وجَّه سؤاله للممرضة: ”أي أنها هي أيضاً لن تعود أبداً؟“ وككل مرة نفس الجواب: ”لقد أصبحت ملاكاً في السماء“.

هذا الثوب الأبيض مثيرٌ للفضول، إن نظراتها المطمئنة لم تعد تخدعه بعد الآن، يعرف كلوثو جيداً أن كل الأطفال هنا سيصبحون ملائكة وأنهم سينسحبون واحداً تلو الآخر، لكنه هذه الليلة راح يفكر، متى سيأتي دوره ويرتفع ليرى بولا وعلي وسيدرا وعائشة؟

السابع من مارس 1995، مركز (إم دي أندرسون) هو أحد أشمل ثلاثة مراكز أصلية في الولايات المتحدة الأمريكية لعلاج أمراض السرطان في مدينة هيوستن، لقد قطع كلوثو مسافات كبيرة من الهند إلى أمريكا ليتعالج من الورم الذي يأكل دماغه، إنه ليس بصحة جيدة كما أن حالته تسوء.

ليلتها كان البرد شديدا، وجدران غرفته بدت ضيقة لدرجة أنها ستسحق جسده برغم اللون الأزرق الزاهي ورسومات الكرتون المفضلة لديه، وبرغم مجموعة الألعاب المكدسة في الزاوية، لقد كان الشباك منفسه الوحيد.

ركضت (ماري) إلى الشباك حيث يقف كلوثو، لقد بدا شاردا: ”ماذا تفعل؟“

– ”أنظري للشارع، المتشرد الذي رأيناه بالأمس ها هو مجدداً، أتراه يشعر بالبرد والجوع؟“

”هل تعلم.. أفضل البرد والجوع على جلسة الكيماوي غداً“.

صمتت ماري وصمت كلوثو، المتشرد في الشارع جلس على الرصيف، كل المارة تجاهلوه، كان الصغيران يتتبعان حركاته بشغف، دعسات قدميه، ثيابه الممزقة، يده الممدودة للمجهول.. المجهول؟ إنها الكلمة الأكثر دقة لوصف حال الجميع هنا.

ماري حزينة جداً، لقد تساقطت آخر خصلة من شعرها الذهبي الطويل، كان والدها دائماً يخبرها أن شعرها يذكره برمال الشاطئ، حتى هو لم يأتي لزيارتها منذ فترة.

إلتفت كلوثو لصديقته التي كانت بدورها تنظر إليه، والتقت أعينهما، ليس بوسع أحدهما أن يطمئن الآخر، ليس بوسعهما سوى الإنتظار.

كسر كلوثو حاجز الصمت بينهما وقال: ”غداً عيد ميلادي وسأكمل الثماني سنوات، ستأتين صح؟“ ثم همس بوداعة : ”أمي ستحضر البالونات الملونة، وأخبرك سراً؛ قالت لي أنها ستحضر هدية لك أنت أيضا.“

”أحقاً؟ سآتي إن سمحوا لي، أمك طيبة جداً..“

أتت الممرضة مقاطعة زحمة الأفكار التائهة بجملة قصيرة: ”ماري كنت أبحث عنك! هيا لنشرب الحليب ونأخذ الدواء قبل النوم.“

رحلت ماري لغرفتها تاركةً نظراتها الطفولية الحائرة تحوم كهالة حول أفكار كلوثو.

ماري… صغيرةٌ لم تكمل عامها السابع، السرطان أخذ مأخذه من دماغها أيضاً، ترى كم ستعيش بعد؟

آتى وقتُ النوم، ولكن كلوثو لم يشأ الذهاب لفراشه هذه المرة، تذكر جملة والدته: ”حين تشعر بالحزن والضيق توجه إلى براهما حتى يدفئ قلبك.“

مشى بخطوات خائفة حذرة نحو التمثال المهيب على الجانب الأيسر من سريره، لقد كانت أمه أحضرته له وقالت أنه سيحميه، راوده الشك حول ما سيستطيع فعله هذا التمثال الخالي حتى من نظرة مطمئنة، لا سيما أنه توجه إليه كثيراً، لكنه أحنى جسده الموهن وسجد: ”إلهي براهما، لقد قالوا لي أنك قادرٌ على كل شيء وأنا أعلم أنني سأموت، ولست حزيناً منك لأنك لم تساعدني، ولا أريد شيئاً لنفسي، ولكن أرجوك أنقذ رفاقي هنا، إنهم طيبون! واجعل شعر ماري ينبت من جديد، رأيتها البارحة تبكي عند المرآة؛ لقد كان جميلاً.“

رفع كلوثو رأسه باستحياء ونظر لتمثال براهما والدموع تتدفق من مقلتيه، يبدو أن يسوع تخلى عن ماري، هل سيتخلى براهما عنه أيضاً؟ ترى هل يعرفون حجم آلامهم ولا يريدون المساعدة؟ تمنى كلوثو لو يستطيع محادثة الله ليخبره بكل شيء وأخفى أنه غاضبٌ منه قليلاً، ثم أودع جسده الضئيل على فراشه ونام وهو يردد ”لا أريد أن أصير ملاكاً.“

بزغ الفجر سريعاً، وفتح كلوثو عينيه قبل أن تبدأ جوقة العصافير باستعراض آياتها عند الشجرة المقابلة، لم يكن أحدٌ قد أتى بعد، ولم تكن البالونات الملونة قد زينت غرفته إلى الآن، ولا حتى كعكة عيد الميلاد ذات الثماني شمعاتٍ هذه المرة، ولكن في ذهن كلوثو تجول فكرةٌ أخرى..

رتَّب سريره كما علمته الممرضة، ونظَّم ألعابه وفتح الشباك لاستقبال الأشعة والخير والحياة، ثم تعطر وارتدى ثيابه الجديدة ووقف أمام المرآة وهو بكامل أناقته؛ دونما أظافرٌ أو شعر، دونما بهجةٌ أو نشاط.

استدار كلوثو ناحية براهما وأدنى رأسه بخشوعٍ وانكسار، ثم همس بخوف: ”سامحني.. لقد كنتُ قاسياً معك بالأمس، أعدك أنني لن أتذمر بعد الآن.“

في الغرفة المجاورة كانت ماري لاتزال تنعم بالنوم، إن أمامها نهارٌ شاق، فتح كلوثو الباب بحذر شديد، وحين تأكد أنه لا أحد هنا، قفز على سرير ماري وهو يضحك: ”استيقظي يا كسولة.“

فتحت ماري عينيها وقالت: ”كل سنة وأيامك أفضل.“

– ”جئت لشيء آخر، هيا استيقظي سندعو يسوع معاً.“

نعم.. سيدعوان يسوع معاً، سيصليان طلباً للأمل والشفاء، معاً..

ابتسمت ماري وأمسكت يده، وركعا عند الصورة العملاقة التي تتوسط الشموع عند الحائط المقابل لسريرها، وقالت: ”افعل مثلي“ وبدأت بالصلاة: ”إلهي إن قلبي مظلمٌ أنر قلبي.“

– ”أنر قلبها..“

”إلهي أنا خائفة من هذا المرض، إشفيني بسرعة.“

– ”إشفيها بسرعة..“

”واجعل أمي وأبي يعودون إلي“

– ”إجعلهم يعودون..“

”كلوثو… توقف عن تقليدي وصلي بنفسك!“

نظر كلوثو لصديقته البائسة، ماذا يقول لها؟ هو لا يؤمن بيسوع، أخبرته أمه أن براهما هو الإله الوحيد الصحيح، وأن كل من لا يؤمنون به سيحترقون في الجحيم، وأنه لا أحد يستجيب الدعاء سوى براهما، لذلك دعى لماري سراً، ولم يخبرها… ولكن، هل يذهب الأطفال إلى الجحيم؟

لطالما استيقظ ليلاً وسجد لإلهه وهو يبكي ويقول: ”اللهم سامح أصدقائي فهم لا يعلمون.“

أمسكت ماري يد كلوثو من جديد وهمست: ”أنا خائفة“، فابتسم وهو الذي لا يقل خوفه عن خوفها، ودعاها لزيارة غرفته حتى يبدأ الترتيب للاحتفال.

وفي الممر، كانت غرفة سارة مفتوحة، صديقتهم الجديدة التي يستحيل التواصل معها، فهي لا تتقن الانكليزية، ولكنها لطيفةٌ جداً.. ابتسمت لهما فابتسما.. وأكملا الطريق.

– ”إنها يهودية .. وإلهها اسمه الله!“

– ”من أين عرفت؟“

– ”ماما قالت لي..“

– ”حزينةٌ لأجلها، فليشفها الرب.“

– ”ماري.. ما رأيك أن ندعو دون أن نذكر اسم الله؟“

– ”وكيف ذلك؟“

– ”حتى تسمعنا جميع الآلهة.. وتستجب لنا!“

بدت فكرةً محببة، وافقت ماري.

وفي غرفة كلوثو، رفعا أيديهما يتوسلان، بكيا وركعا وأخذا يدعوان بصدقٍ وخشوع، ويخبران الآلهة بكل الأوجاع والمآسي، ويطلبان العفو والمغفرة، والشفاء.

”أيتها الآلهة.. لو كنت موجودةً فلا تتركينا، إننا أطفالٌ فلا تخطئي بتعذيبنا.“

قالت ماري: ”آسفة لأنني كسرت طبق الكريستال وقلت أن أختي من كسرته.“

قال كلوثو: ”آسف لأنني عذبت المعلمة في المدرسة.“

وبصوتٍ واحد: ”سامحونا.“

بدأت التحضيرات لعيد الميلاد، وصلت والدة كلوثو ومعها الهدايا والبالونات والثماني شمعات، وأتت الممرضة أيضاً لتأخذ ماري معلنةً أنها لن تحضر الحفلة معهم، كلوثو لم يكن سعيداً.. ولم يستطع أن يطفئ الشمع ويتمنى أمنيةً في حين أن ماري تتعذب، لكنه تمنى أن تكون قوية، ولا تتوجع.

أطفأ الشمع وقال في سره: ”براهما.. يسوع.. الله.. نريد أن نعيش، إشفونا من فضلكم وخففوا أوجاعنا.“

وانتهت الحفلةُ مثلما بدأت، ورحلت والدة كلوثو بعدما عانقته وأخبرته أن براهما معه: ”ولكن يا ماما لماذا والدا ماري لا يأتيان لزيارتها؟“

– ”لأنهم بعيدان.. في فرنسا.“

”لكنك تأتين!“

– ”أنا أسكن هنا يا عزيزي، وأستطيع المجيء، لكنهما يحبانها..“

”ماما، هل سيحرقها براهما؟“

ابتسمت الأم وودعته دونما جوابٌ شافي، ووعدته بزيارةٍ قريبة.

فتح كلوثو هداياه الجميلة، قطار وعجلة وبيانو وعربة بأسلاك، ولكن أكثر ما أسعده هو هديةٌ ملفوفةٌ بالغلاف الزهري، هدية ماري!

قفز من مكانه قاصداً غرفة صديقته، لا بد أن العلاج انتهى، لا بد أن ماري متعبة، ستفرحها الهدية!

ولكن حين فتح الباب ونادى باسمها لم يجبه أحد! بل كانت الغرفة فارغة، والسرير مرتب وعليه أغطية بيضاء، ليست أغطية ماري، ولا يوجد ألعاب ولا دمى، ماري التحقت بالملائكة، كلوثو عرف وحده..

لم يحزن كما ينبغي، لكنه عاد لغرفته وتناول تمثال براهما ورماه على الأرض فتحطم، ثم رمى بجسده على السرير دون أن يتمنى الشفاء، ولم يكن يمانع هذه المرة.. أن يصير ملاكاً…

حتى الآلهة تخطئ.

عدد القراءات: 1٬256