أقصوصة

حلم بنكهة الفراولة

الفراولة
صورة: PopArtDiva

أُحبُّ الفراولة جداً، وأكرهُ أخي.

منذُ كنَّا صغاراً، وممنوع أن تدخل الفراولة بيتنا أبداً.. أخي علاء كان يعاني حساسيةً مفرطةً تجاه مذاقها ورائحتها وحتى شكلها.

آخرُ مرةٍ تناولت فيها الفراولة بحريةٍ كانت قبل أن يبلغ علاء عامه الأول، وبعدها بتُّ آكلها خلسةً ودون أن يراني أحد، ولذلك أكرهُ أخي.

وبَّختني أمي لأنني أحضرتُ مناديلاً معطرةً برائحة الفراولة، وعاقبني أبي حين ابتعتُ لعبةً ليس بها شيءٌ سوى أنها تشبهُ الفراولة، وفي كلِّ مرةٍ لا أحصل على الآيس كريم المفضل لدي ولا على قطعة الحلوى الحمراء التي أشتهيها؛ كنتُ أشعرُ بغيظٍ كبير، علاء كان سعيداً بذلك.

وكنتُ أخفي صندوقاً سرياً تحت سريري أجمع فيه كل أسلحتي من الأشياء الحمراء الصغيرة المرقطة، ودمية ستروبري، وفستاني الذي أحضرته جدتي، ذاك الذي لا ألبسه كثيراً، وكنت أضع فيه الثمار حتى تتعفن، لأن أخي كان ينام جنبي ولم أكن أستطيعُ فتح صندوقي السري كثيراً.

في أحد الأيام اكتشفه علاء، وأمضينا الثلاث ليالٍ التي أعقبتها في المستشفى، علاء كان خبيثاً، وكان يعرفُ كيف يضايقني. أنا لا أعني شيئاً لعائلتي، من بعدها تغير كل شيء.

حفرتُ حفرةً عملاقةً في فناء بيتنا ودفنتُ فيها كل أشيائي المهمة جداً، ودفنتُ فيها آخر ذرةٍ من الحب كانت في قلبي.. ودفنتُ فيها مصطلح العائلة والأخوة، و… الفراولة! حينها بكيت، لكنني أصبحتُ أقوى.

الأطفال في مدرستي يتنمرون علي لأن رأسي كبير، وربما يشبه الفراولة، دافع عني علاء وقتها، حينها انكسرت ساقه، لم أشفق عليه. أمي وأبي فعلا…

علاء مدللٌ جداً، أنا أكثر رجولةً منه.. علاء لا يهتم لأمري لكنه يريد لفت الانظار دوماً.

علاماتي المدرسية كانت أعلى منه، ومع ذلك حصل على هديةٍ أيضاً، وجدتي كانت تعطيه عيديةً مثلي، مع أني أنا الأكبر!

لم أسمح له بالانضمام لفريقنا السري، حينها بدأ بالبكاء، وبالبكاء يحصل على كل شيء، لكنه لم ينجح هذه المرة أبداً. كنتُ سعيدة.

أصبح علاء غريباً عني، وأهلي كذلك، وأمضيتُ طفولتي لا أحبُّ سوى صديقاتي، والفراولة.

الآن قطعتُ ما يفوق العشرين عاماً وعلاقتي بأخي تحسنت عندما كبرنا، هو تزوج ونقل العذاب لعائلته الجديدة، أما أنا فصرتُ حرَّةً أخيراً، ولكنني لم أعد أشتهي الفراولة.

أنا لا أكرهُ أخي، ولم أتمنى يوماً أن يموت، وحزنتُ كثيراً عندما تركنا..

ولكن عندما رحل الجميعُ يا أمي، بقيتُ أنا وحدي عند قبره، وأخرجتُ الثمار الصغيرةَ الحمراء من جيبي، ووضعتها جنبه.. ومضيت.

لن يخبركِ هذه المرة..

عدد القراءات: 242