أقصوصة

شاع أن كل الحدود ستختفي، لقد اجتمع العالم… أخيراً!

لقد اجتمع العالم… أخيراً!
صورة: Ralf Streithorst

كان هذا اليوم غريباً حقاً؛ حين شاع أن كل الحدود ستختفي لمدة يومٍ واحد، وعلى كلّ سكان الأرض أن يجتمعوا في بقعة واحدة داخل مبنى ضخم مخصص للقائنا.

كان اليوم مسبوقاً بإعلانات ضخمة على مدى أشهر كثيرة، اختلفت بين المناطق بطريقة العرض والترويج والاستشراف، ونالت الشاشات التلفزيونية والإذاعات المسموعة وووسائل التواصل الاجتماعي القسط الأكبر من الجدل حول موضوع ما سيحدث خلال هذا اليوم الغامض.

كانت المواصلات متاحة للجميع، بدءاً من وسائط النقل الرخيصة وصولاً إلى الدرجة الأولى في أفضل شركة طيران، حيث كان بإمكان المترفين تصفح آخر دقائق من الانترنت قبل انقطاعه وقت الاجتماع.

بدأ العدد يزداد رويداً رويداً، وصل الأمريكان والأوروبيون وسكان الخليج، وتبعهم قسم من آسيا وأفريقيا وما تبقى من القارات المأهولة، وبدأت الجموع بالدخول إلى المبنى العملاق المصمم للتجمع حيث كنت معهم أسيرا في المنتصف تقريباً.

بدا الذهول والتعجب واضحاً على الجميع، حتى تحت لطافة المتعارفين اللطفاء، وبين عجرفة من يشعرون أنّهم أعلى طبقة من غيرهم، فالاختلاف كان أكثر كمّاً من الذهول.

حتى رأينا لافتة كبيرة احتوت كافة اللغات؛ ”ما الذي يجمعكم؟“. قرأها عدد لا بأس فيه من الجموع، وفسر الجموع المقولة للذين لا يستطيعون القراءة، حتى حرصوا على أن الجميع فهم فحوى الأمر.

امتلأ المكان بالضجيج في الثواني الأولى بعد ظهور تلك الكلمات على الشاشة، ثم حلّ صمت غريب فعلاً. ربما كان الجميع مثلي، يفكرون بالإجابة التي بدت مستحيلة.

تابعنا السير وفق خطوط عشوائية، حتى أصبح المكان أشبه بممر طويل يحوي غرفاً عديدةً على جانبيه، بعناوين مختلفة ”الدين – الجنس – الجنسية – القومية – العرق – السياسة – المال – الطائفة – الإيمان – العلم – الرأي…“ والكثير الكثير من الأبواب ذات العناوين العريضة. حيث كان على كل أحد أن يدخل الغرفة التي تلائمه أكثر، والتي يستطيع خلالها أن يتقرب من الآخرين، أو يبتعد عنهم.

راودني شعور بخوف شديد، فأحسست أني عالقة تماماً بين جموع تكاد تقتل بعضها وتنهي البشرية من التاريخ، كأنما المكان ضاق بي كثيراً فخنقني. فهرعت للخارج وفتحت الباب، ثم وقفت لدقائق خارجاً حتى أتمالك نفسي. ما الذي يجمع العالم حقاً؟ كيف يمكن للجموع ذات الاختلافات التي تصل حد الموت أن تجتمع على شيء واحد؟ ما هو جوابي؟ لا أدري حقاً إلى أي غرفة أنتمي.

لا أستطيع التفكير، وقد تحتمت عليّ العودة إلى الداخل، أو لن أنتمي أبداً، وسأبقى وحيدة دون انتماء!

هرعت مجدداً، لكن نحو الداخل، وإذ صدمت أن الممر فارغ، والجميع قد دخل الغرف التي شعر بأنه ينتمي إليها! تمنيت لو أنني لم أخرج، لكنت على الأقل لحقت بعائلتي ودخلت معها. فأبواب الغرف مغلقة تماماً، ولا يمكنك أن ترى خلالها أي شيء على الإطلاق سوى العنوان العريض.

ماذا أفعل الآن؟ لا خيار سوى أن أفكر بعقلانية، وأدخل إلى الغرفة الأكثر شبهاً إلي. كنت أقطع الأبواب واحد تلو الآخر، أقف عند بعضها، أتردد عند أخرى، وأركض بعيداً حيناً. حتى بدأت أسمع صوت ضجيج خافت من الغرفة الواقعة في صدر المبنى؛ الغرفة الأخيرة. مشيت نحوها لأنني كنت بحاجة قسوى لأرى بشريا مثلي، مهما اختلف عني، فأنا وحيدة حقاً في هذه اللحظة، ولا يمكنني أن أبقى وحدي! حتى إن كانت الغرفة لا تشبهني، على الأقل سأستطيع أن أكون مع كائن بشري، وهذا على الأقل يشبهني في الوقت الحالي!

وصلت إلى تلك الغرفة التي لم تحمل أي عنوان على الإطلاق، كيف ذلك والهدف الأساسي هو معرفة ما يجمع العالم؟ لم أكترث للأمر وفتحت الباب بسرعة كبيرة ودون تفكير، وإذ بي أرى كل بشريي العالم، مجتمعين في هذه الغرفة!

بدأت أنظر بذهول إلى الجميع؛ رأيت رجلاً أبيض ذو لحية خفيفة إلى جانب رجل أسود بدت عليه ملامح الكبر. وفي الزاوية الأخرى، كان رجلاً ملتحياً بعباءة بيضاء واقفاً إلى جانب أشهر راقصة محترفة في العالم، يتحادثان إلى جانب امرأة بخمار كامل، رأيت مصححاً جنسياً يتحدث مع امرأة مسنة محجبة عن جمال طلاء أظافرها، رأيت طفلاً صغيراً ممن ارتادوا المدرسة الفرنسية البرجوازية وآخر مشرد دون تعليم أساسي يلعبان معاً ”حجرة ورقة مقص“.

رأيت العلماء والملحدين يتباحثون بسلم مع المتدينين من أصحاب الصلبان وعلامة الجبين، رأيت المعوقين والعاجزين والعجزة والرضّع، واللاتينينين والآسيويين والعرب، والمثليين والمغايرين ومصححي الجنس، واليساريين واليمينيين والوسطيين، والمعتقلين والسجانين والجلادين؛ رأيت كل الاثنيات وكل المعتقدات وكل الأديان وكل الأعراق وكل الجنسيات وكل التوجهات الجنسية وكل الهويات الجندرية وكل الأعمار وكل الاختلافات على الإطلاق، في هذه الغرفة، مجتمعين بسلام.

ما الذي حلّ بهم؟ لماذا لا يتقاتلون؟ كيف لا يزالون على قيد الحياة دون أن يقتلوا بعضهم حتى اللحظة؟ فسألت رجلاً أشيب كان واقف بجانبي؛ ”أين أنا؟“ أجابني بهدوء: ”انظري خلفك“.

نظرت إلى الوراء، لأجد عنواناً حمل ألماً ولطفاً كبيرين بين طياته؛ ”المتضررين نفسياً“. صمتّ كثيراً وكدت أبكي، نعم، لقد كان العنوان مكتوباً من الداخل، حيث اجتمعنا جميعاً.

غريب كيف ذاب الاختلاف حين أدرك الجميع أنهم يتشاركون ضرراً نفسياً متشابهاً، وقد ظهرت شاشة صغيرة على البطاقة التي تم توزيعها قبل الدخول لكل وافد، وبدأت تبث ما كان كلّ منهم يعاني منه قبل أيام من ألم نفسي كبير فور دخولهم لتلك الغرفة، فالفقير كان يتألم من عدم حصوله على أفضل طعام لأطفاله، والغني كان يتألم من شدة الوحدة واليأس والكبرياء والاكتئاب، والمشرد كان يتألم لأن والده لم يحضر له لعبته المفضلة، وطفل المدرسة الفرنسية كان يتألم لأن والدته قد توفيت جراء مرض السرطان، واللاجئ كان يتألم لأن منزله دُمّر بالكامل مع ذكرياته، والمثلي كان يتألم لأن أهله قد تبرؤوا منه، والمغاير كان متألماً لأن حبيبته قد تركته، والمصحح جنسياً كان يتألم لأن الجميع يسخر منه، والمرأة كانت تتألم لأنها تعرضت للتحرش قبل سنوات، والرجل كان يتألم لأن والده ضربه حين بكى في صغره، والشاب كان يتألم لأنه حاول الانتحار قبل يومين، والعجوز كان يتألم لأن أولاده تركوه ورحلوا دون اتصال منذ زمن بعيد، واليساري كان يتألم لأنه فقد أخاه في المعتقل، واليميني كان يتألم لأنه إرهابي بنظر الجميع، والملحد كان يتألم لأن فكرة الخوف من ضخامة العالم والموت كانت تعتريه على الدوام، والمؤمن كان يتألم لأن البلاء فاق الصلاة.

كلّهم كانوا يتألمون، وأنا أيضاً كنت أتألم. حتى رأيت ذاك الشاب الذي أعرفه منذ مدة بعيدة، كنت لا أطيقه ولا أطيق تفكيره ولا شكله ولا طريقة كلامه، لكنّه كان يتألم أيضاً. شعرت برغبة شديدة في معانقته، كأن كل الاختلافات والمشاعر الحاقدة بيننا قد زالت تماماً حين علمنا كم نحن متشابهان في ضررنا النفسي.

فنحن وفي نهاية المطاف، كلّنا ضحايا لأشياء لم يمكن بمقدورنا السيطرة عليها. كلّنا متضررون نفسياً.

ابتسمت رغم صدمة الألم التي حزّت في نفسي، حتى سمعت صوتاً من بعيد يصيح ”لقد اجتمع العالم! أخيراً!“

عدد القراءات: 1٬184