أقصوصة

زجاجة لبن

كل مرة يرسلوني لإحضار هذه الزجاجة وكأنني أدرس في كلية العلوم بقسم الألبان لا قسم ليزر. فإذا احتاجت شقيقتي ”حنان“ إلى لبن لإرضاع صغيرها أذهب في هذا الطريق الذي لا يسير فيه أحد من بعد الغروب، ودائمًا ما يجوع سيادته عندما تصبح رؤية ثلاثة أمتار أمامي في هذا الطريق شيء مستحيل، لكني أذهب.

– ها، هل مللت من المشوار؟ أعرف أنه لا ذنب لك، لكنها ضريبة الصداقة.

أمي تقول لي إنهم يختارونني دون أخي محمد لأنني الأكبر سنًا؛ ومن غير اللائق أن أجلس في البيت بينما يذهب أخي الصغير لشراء اللبن في مثل هذا الوقت المتأخر عبر طريق شبه مقطوع. ومن كثرة ذكر أمي لهذا السبب (ولولا معرفتي أن رضاعتي كانت طبيعية) لاعتقدت أنهم كانوا يرسلوني لشراء اللبن لإرضاعي عندما كنت صغيرا. ولكن إذا كان ما تقوله أمي هو ما يجعلهم يطلبون مني الخروج، فما هو السبب الذي يجعلني أوافق؟!

– أتعلم.. لولا وجودك معي ما ذهبت أبدًا لقضاء هذا المشوار؛ فأنا استغل الفرصة حتى أخرج وأراك، وأتحدث معك بعض الوقت.

أدرك أنه يجب علي الانتظار حتى يرد، لكني لم أصاحبه إلا لأتحدث أنا فقط، وأظنه لا يغضب من ذلك؛ فبالتأكيد صاحبي يعرف حقيقة نواياي.

– هل تعلم أني كنت احتاج الخروج من البيت بشدة هذه الليلة؛ لأني سئمت المكوث بجوار هاتفي مترقب اتصال ”ريم“ بي.

ربما يكون هذا هو السبب الحقيقي لقبولي طلب أمي؛ لأنني بالفعل مللت من انتظارها، واحتاج أن أملئ صدري بنسمات الليل الباردة حتى أستطيع تحمل لهيب الانتظار فترة أطول.

سأجلس هنا قليلًا فالبيت اقترب ولا أريد أن أرهق أذني بسماع أي شيء من أحد، لا ثرثرة أمي، ولا البكاء المزعج للرضيع، ولا غناء أختي الأكثر إزعاجًا.

– بالحق يا صديقي.. ألا يحزنك أن الناس يحبونك عدة أيام فقط في الشهر كله؟!

لا أفهم سببًا لذلك رغم أنه الآن أجمل كثيرًا؛ فهو يشبه طفل مستلقي كملاك في حضن السماء، وأمامه النجوم تتلألأ وترقص مسليه له حتى ينام. ونصف الدائرة هذه ممكن أن يكون ابتسامة أو أي شيئًا أخر. فمن يريد أن يري الجمال في الأشياء سيراه، لكن هكذا تعود الناس علي أن البدر هو أجمل صور القمر.

– هيا يا صديقي نعود إلى البيت؛ حتى لا أسمع كلام لا لزوم له من الست ”حنان“.

اعتقد أن الكثيرين لا يصاحبوه فقط لأنه يسمعهم، فهذا ممكن أن يجدوه في أشياء كثيرة… عمود الكهرباء يسهر هو الأخر للصباح ويمكنه أن يستمع دون مقاطعه لمحدثه (مع أن هذا أمر مؤلم جدًا للرقبة) لكن القمر، أيضًا، دائمًا ما يرافقهم أينما ذهبوا وينتظر دون ملل حتى يعود معهم، فلا أذكر أبدًا أنني طلبت منه مصاحبتي في هذا المشوار الكريه ورفض. لكن أليس هذا شيء من الحماقة؟! فأنا مثلًا لحظات وأصل إلى بيتي وأتركه بالخارج علي غير ميعاد.

– سأدخل أنا حتى أعطي ”حنان“ زجاجة اللبن، لكني أريد أن أخبرك شيئًا… ليس ضروري أن يكون اسمها ”ريم“، ممكن أن يكون أي اسم أخر، المهم أن تتصل بي لأني لم أعد احتمل التحدث دون أن أسمع رد.

عدد القراءات: 393