اجتماعيات

مريض في غيبوبة يحمل وشماً على صدره جاء فيه: ”لا تنعشوني“، يثير معضلة أخلاقيةً بين أطباء قسم الطوارئ في المشفى

مريض في غيبوبة يحمل وشماً على صدره جاء فيه: ”لا تنعشوني“، يثير معضلة أخلاقيةً بين أطباء قسم الطوارئ في المشفى

تراجع الطاقم الطبي وتهمل قليلاً لدى وصول شخص في غيبوبة إلى غرفة الطوارئ في المستشفى بعد اكتشافهم لوشم رُسم على صدره جاء فيه: ”لا تنعشوني“ – ”Do Not Resuscitate“ بأحرف إنكليزية كبيرة مع وجود خط تحت كلمة ”لا“ للتشديد حول هذا الأمر، بالإضافة لتوقيعه الموشوم.

بتلبك وحذر، قرر الطاقم الطبي الإسعافي تجاهل العبارة الموجودة على صدر المريض، ولكن مع إعلامهم لفريق قسم الأخلاقيات الطبية في المشفى، الذي كان له رأيٌ آخر فيما يخص هذا الموضوع.

جاء في وصف الحالة التي تكلمت عنها صحيفة (نيو إنجلاند) الطبيّة New England of Medicine، أن المسعفين قد جاؤوا بهذا المريض إلى قسم الطوارئ من المشفى وهو في حالة غيبوبة مع ارتفاع نسبة الكحول في دمه.

لدى المريض أيضاً تاريخ حافل في الصراع مع مرض الانسداد الرئوي المزمن (مرض من أمراض الرئة الانسدادية)، والسكري، وعدم انتظام معدل ضربات القلب، بدأت حالته بالتدهور بعد عدة ساعات من دخوله المستشفى، وكان لا بد من القيام بتدخلات طبيّة دراماتيكية من أجل الحفاظ على حياة المريض.

وصل المريض إلى المستشفى من دون بطاقة هوية شخصية، مما جعل مهمة التعرف على هويته أمراً صعباً للغاية، بالإضافة لعدم قدرة الطاقم الطبي على التواصل مع أفراد عائلته، أو أي أحد من أقربائه لمعرفة ما إن كان الوشم يمثل رغبات المريض الحقيقية في إنهاء حياته، أم كان عبارة عن استعارة مكنية تعبر عن شيء ما وليس المقصود بها لا تنعشوني ودعوني أموت بسلام، مما دفع بهم لعدم المجازفة، واتخاذ الخيار الأكثر أماناً، وهو تجاهل ما نص عليه الوشم، وإنقاذ حياة الرجل.

كتب الطبيب ومحرر دراسة الحالة الطبية في الصحيفة: ”قررنا في البداية عدم احترام الكلام الموشوم على صدر الرجل عملاً بمبدأ عدم اتخاذ أي مسار لا رجعة منه عند مواجهة أمر غير متأكدين منه بشكل كامل“، ويضيف: ”تركنا هذا القرار في حيرة من أمرنا وسبب لنا تضارباً في ردات الفعل، وذلك بسبب جهود هذا المريض الاستثنائية التي بذلها من أجل جعل توجهاته المسبقة، ورغباته معروفة لأي شخص يحاول أن ينقذه، ولذلك كان من الضروري أن يتم التشاور مع لجنة الأخلاقيات الطبيّة في المشفى“.

قال (غريغوري هولت) المحرر الرئيسي لدراسة الحالة السابقة أن السؤال الأكبر الذي كان يدور في ذهنه هو الجانب القانوني للأمر، ما المقبول من الناحية القانونية لمثل هكذا حالة، ترك الرجل أم إسعافه؟ فيقول: ”لدى ولاية فلوريدا قوانين صارمة فيما يخص هذه الأمور، أي أمور الحياة أو الموت“.

لربما قد يبدو هذا الوشم للوهلة الأولى وشماً متطرفاً، ولكن طلب عدم الإنعاش في رعاية آخر أيام الحياة هو أمر حقيقي ومقبول، ويقول ما يقارب عن 80% من مرضى الرعاية الصحية في الولايات المتحدة أنهم يرغبون في تجنب الإقامة العلاجية في المستشفى والعناية المركزة خلال المرحلة المرضية النهائية، التي غالباً ما تكون إقامة ما قبل الوفاة.

ومن الجدير بالذكر أن هناك دراسة استقصائية أُجريت عام 2014 أظهرت تفضيل الغالبية العظمى من الأطباء تخطي التدخلات العلاجية الثقيلة، ومن بين 1081 طبيباً تم استجوابهم اختار 88٪ منهم حالة ”لا تنعشوني“، أي عدم رغبتهم الخضوع لهذه التجربة المريرة، ففي أغلب الأحيان تكون التدابير المُتخذة من أجل الحفاظ على حياة المريض غازية، وباضعة، ومؤلمة ومكلفة.

تدخلات طبية

حالة ”عدم الإنعاش“ التي يشير إليها الطاقم الطبي بعبارة ”لا مدونات طبيّة“ هي طلب واضح للتخلي عن إجراء تدخلات طبية ثقيلة ومكلفة كالإنعاش الرئوي، والصدمات الكهربائية، وأنبوب التنبيب الإنعاشي، بالمختصر إن طلب عدم تلقي الإنعاش هو طلب عدم ربط الشخص بآلة لتقوم له ببعض الوظائف الحيوية.

عادة يكون ”طلب عدم الإنعاش“ عبارة عن وثائق رسمية يعطيها المريض لطبيب العائلة ولأفراد الأسرة، يمكننا القول أن الوشم هو أمر يعبر بطريقة غير تقليدية ومباشرة عن رغبات الشخص خلال حياته، وفي مراحلها النهائية، وعلى الرغم من كل هذا فقد تعرض الطاقم الطبي المشرف على هذا المريض لصعوبات وتعقيدات بسبب المعنى الذي يحمله هذا الوشم، هل يُعتبر الوشم وثيقة قانونية؟ هل حصل الرجل على هذا الوشم  وهو في حالة سكر أو تحت تأثير المخدرات ثم ندم على ذلك بعدها؟ هل حصل على هكذا وشم في وقت كان مقتنعاً فيه بهذا الأمر، ولكنه قام بتغيير رأيه بعدها؟

في الحقيقة حصلت هذه النقطة الأخيرة في حالة سابقة، حيث لم يعبر فيها وشم أحد المرضى الذي كان يتضمن نفس العبارة ”لا تنعشوني“ عن نيته الحقيقة في لحظة المرض، ذلك أنه لم يكن يعتقد بأن أي شخص قد يأخذ وشمه على محمل الجد.

حسب ما نصت عليه دراسة الحالة الأخيرة في مجلة (نيو إنجلاند) الطبية، فإن فريق العناية المركزية الطبي قد حاول بأقصى إمكانياته إبقاء المريض على قيد الحياة ريثما يتحقق فريق الأخلاقيات الطبية من هذا الأمر، حيث قاموا بإعطاء المريض المضادات الحيوية، ومقبضات الأوعية من أجل الحد من انخفاض الضغط الدموي، وإنعاش السوائل الوريدي (تعليق سيروم ملحي مغذي وهكذا أمور) وغيرها من التدابير الضرورية لإبقاء المريض على قيد الحياة.

مريض في غيبوبة يحمل وشماً على صدره جاء فيه: ”لا تنعشوني“، يثير معضلة أخلاقيةً بين أطباء قسم الطوارئ في المشفى

قال (هولت): ”نصحنا مستشارو الأخلاقيات الطبيّة بعد مراجعتهم لحالة المريض بضرورة احترام ما نص عليه الوشم المنقوش على صدره، وأفادوا بكون هذا الوشم يعبر عن رغبة أخلاقية حقيقية كانت تدور في خاطر المريض عندما حصل عليه، وإن الذي نسميه نحن كأطباء باب الحذر قد يكون عبارة عن حفاظ على أخلاقيات المهنة [بما معناه الالتزام بالقواعد والتقاليد الطبيّة]، وبأن القانون قد لا يكون مرناً كفاية لدعم واحترام الرعاية التي تركّز على مصلحة المرضى الشخصية، وتفضيلاتهم ورغباتهم الخاصة“.

كتب فريق العناية المركزة مذكرة نصت على أنهم لن يقوموا بإنعاش هذا الرجل، وفعلاً توفّي الرجل في مساء نفس اليوم الذي وصل فيه إلى المستشفى من دون أن يتم اتخاذ أي تدابير إنعاشية في حقه احتراماً لوشم ”لا تنعشوني“ الموجود على صدره.

على كل حال، وقبل أن يُتوفى الرجل، عثر قسم العمل الاجتماعي في المستشفى على وثيقة صريحة تفيد بأنه قد أوصى بأن لا يقوم أي أحد بإنعاشه في حال تعرضه لمثل هكذا موقف، وهذا الأمر كان متماشياً في الحقيقة مع الوشم، ومع الإجراء الذي قام به قسم الطوارئ في المشفى.

وكما أشار محررو التقرير الجديد إلى هذه الحالة بأنها: ”تؤدي للمزيد من الارتباك عوضاً عن الوضوح“، قائلين بأنه على الرغم من صعوبة جعل رغبة المرضى بإنهاء حياتهم معروفة لأغلب الناس: ”تقرير الحالة هذا لا يدعم ولا يعارض استخدام الوشم للتعبير عن رغبات إنهاء الحياة عندما يكون الشخص عاجزاً عن قول هذا الأمر بنفسه“.

أقر عالم أخلاقيات علم الأحياء في جامعة (تورنتو) (كيري بومان) بكون هذه الحالة تحدياً كبيراً للأخلاق الطبية والمهنية، وحتى الشخصية، حيث قال: ”لا تتجاوز التوجهات المسبقة، مهما كان نوعها، أي رغبة تم الإفصاح عنها مؤخراً، بمعنى آخر، لربما كان المريض قد غيّر رأيه وليس هناك أي وسيلة يمكننا استخدامها لمعرفة ذلك وهو على هذه الحالة، الندم على نص وشم منقوش على أجسادنا ليس أمراً نادراً للأسف، دفاع فريق العناية المركزية عن رغبة الشخص بالحياة هو أمر خاطئ“.

وفي الوقت نفسه، أبدى (بومان) تعاطفه مع رغبات المريض السابق قائلاً بأنه لربما كانت الوشوم تعبر عن رغبة حقيقية لدى المرضى الذين يحملونها، ومع ذلك وفي بعض الأحيان، يتم تجاهل هذه الرغبات بسبب القانون الطبي الذي ينص على كون عملية إنقاذ المريض هي الأولوية القصوى، يقول بومان: ”توجهاتي في حال معرفتي بأن أحد ما قد قام برسم وشم على صدره جاء فيه عبارة ”لا تنعشوني“ مع توقيع في نهاية الوشم من الأسفل مع خط تحت كلمة ”لا“ هو بالتأكيد النزول تحت رغبته، لأنه تكلّف جهداً كبيراً في التأكيد على أهمية هذه العبارة، وكونها تعبر عن نواياه الحقيقية بشكل صريح“.

تشارك البروفيسورة المساعدة في كلية (إيكان) للطب في (ماونت سيناي) في مدينة (نيويورك) الرأي مع (بومان)، وتقول بأنه حتى لو أردنا إدراج طلب عدم الإنعاش في الوثائق الطبية التي تخص الشخص، فإن هذا الأمر لن يتم بسهولة، خاصة في مثل هكذا حالات مستعجلة، وقالت: ”قد يصبح وشم موحد في إحدى الأيام طريقة سهلة يمكن من خلالها معرفة رغبات الشخص، وعلى هذا الأساس القيام بإجراءات الرعاية الصحية المناسبة“.

المصادر

عدد القراءات: 14٬142