in

هكذا تدهورت معيشة موظفة لبنانية تزامنًا مع انهيار الليرة

صورة: Reuters

«وين كنّا ووين صرنا»، جملة لا تفارق لسان اللبنانيين هذه الأيام، فالوضع الإقتصادي السيء الذي حل على لبنان والتدهور السريع لليرة مقابل الدولار الأمريكي شكّلا صدمة على اللبنانيين عمومًا، وعلى الموظف الحكومي خصوصًا.

فبعدما كان الدولار الواحد يساوي 1515 ليرة لبنانية منذ عام 1993، أصبح اليوم يعادل 23000 ليرة، وهذا الانهيار حصل في أقل من سنتين. فماذا حل بالموظف؟ وهل استطاع التأقلم مع هذا التدهور الخطير بقيمة الأجور؟

1. الأجور قبل وبعد الأزمة الاقتصادية

يعادل الدولار حتى هذه اللحظة نحو 23 ألف ليرة لبنانية، وجاءت هذه القفزة الجديدة للدولار بعدما بدأت الليرة انهيارها منذ خريف عام 2019. صورة: REUTERS

كموظفة من الفئة الرابعة، أي الشريحة الأكبر من موظفي الإدارات العامة، وزوجة لعسكري في الجيش اللبناني، يمكنني اختصار هاتين السنتين بكلمة واحدة: ”الجحيم“.

ففي عام 2019، كان راتبي 1,900,000 ليرة، أي ما يعادل 1255 دولار أمريكي تقريباً، وراتب زوجي ما يقاربه، أصبح اليوم جمع الراتبين لا يزيد عن 160 دولار أمريكي. فكيف لهذا المبلغ الزهيد أن يعيل أسرة وأطفالها؟ علماً أن كافة موظفي الإدارات العامة والعسكريين لا يسمح لهم قانونياً بالعمل في وظائف إضافية، أي إن الموت البطيء هو المصير المحتم على الموظف في ظل تجاهل المسؤولين واستخفافهم بمصير الشعب.

2. تبدل نمط الحياة

مجموعة من الأشخاص أمام أحد الأفران خلال شهر رمضان الماضي. صورة: Aziz Taher/Reuters

سأحاول إعطاء لمحة عن نمط حياة عائلتي بين السابق والحاضر، الأمر الذي ينطبق على معظم الطبقة الوسطى في لبنان، وكيف تبدل هذا النمط ليصبح أشبه بحياة السجناء.

باعتباري أمًا لأطفال، فأنا بحاجة دائمة للراحة النفسية كي أتمكن من خلق هذه الراحة في حياة أطفالي، فينموا بشكل صحي وسليم. كنت، وما أكثر كلمة كنت… كنت قادرة على التنزه أو الخروج مع الأصحاب بين الفترة والأخرى، فأعود إلى المنزل بروح متجددة، وكان يوم الأحد هو النهار المقدس للتجمعات العائلية في المطعم أو في المتنزه.

أما اليوم، في ظل غلاء البنزين و الفواتير الخيالية في المطاعم، صارت ضغوطات الحياة كبيرة، ولسنا قادرين على تلبية أسخف طلبات الأطفال برواتبنا الهزيلة، فأصبحنا نخاف أن يطلب الولد مجرد سندويشة شورما. فأين سيذهب هذا الضغط النفسي كله؟ ألن يُصبّ على أطفالنا ويؤثر على صحتهم و صحتنا النفسية؟

3. تكلفة الذهاب إلى العمل

دراجات نارية وسيارات ينتظر أصحابها في طابور لتعبئة البنزين. بعود سبب أزمة الوقود في البلاد إلى التهريب وتأخر عمليات الاستلام. صورة: Mohamed Azakir/Reuters

كمثال آخر عن الوضع الحرج الذي يعاني منه الموظف اللبناني، سنجري بعض الحسابات البسيطة: يحتاج الموظف أو العسكري، وسطيًا، إلى نصف تنكة بنزين في اليوم كي يصل إلى مكان عمله، أي ما يقارب 37000 ليرة (إذا توفرت)، اضافة الى وجبة غداء تكلّف 35000 في الحد الأدنى، ما يعادل 72000 ليرة في اليوم الواحد.

اضرب هذا الرقم بـ 26 يوم دوام في الشهر، فنحصل على 1872000 ليرة، وهو ما يعادل راتب موظف، ناهيك عن إيجار البيت وتصليح السيارة وفواتير الكهرباء والهاتف، واللائحة تطول…

4. حق الطفل في التعلم

صورة: UNICEF Lebanon

سأنتقل لأتحدث عن التغيرات التي طرأت على حياة أولادي، فكانت ابنتي الكبرى تتلقى تعليمها ضمن أفضل مدرسة خاصة في المنطقة، وذات مستوى تعليمي لا بأس به مقارنة بمدارس محافظة البقاع المحرومة. أما الآن، وعلى الرغم من توفير المؤسسة العسكرية منحًا تعليمية لأولاد العسكريين، لكنها لا تتجاوز 2 مليون ليرة للولد الواحد، أي ما لا يزيد عن 30٪ من أقساط المدارس متوسطة المستوى.

فإن أردت نقل ابنتي في العام المقبل إلى المدرسة الرسمية العامة من أجل تخفيف عبء الأقساط الخيالية، فلن أتمكن في الأيام القادمة من تغطية تكلفة القرطاسية أو إيجار الحافلة أو حتى إعطاء إبنتي زوّادتها اليومية، فمنقوشة الزعتر (أضعف الإيمان) تكلّف اليوم ما يزيد عن 5000 ليرة، أي نسبة لا يستهان بها من راتب الموظف. وما بالك بحالي عندما يصبح طفلي الصغير في عمر الدراسة أيضاً خلال السنوات القادمة؟ لذا أستشعر في الأفق القريب تدهورًا تعليميًا و أميّة صارخة سيحلّان بالأجيال الصّاعدة.

5. حق الطفل بالغذاء والطبابة

باتت البرادات شبه الفارغة أبرز دلائل أزمة الجوع التي تحوم حول لبنان.

أما حالنا مع طفلنا الصغير ذي الأشهر التسع، فالوضع أسوأ بكثير، ولم يعد الحليب الذي يناسبه متوفرًا في المتاجر، وبتنا نرضى بـ ”أي شي“، واضطررت أن أطعمه الأغذية الصلبة منذ أن كان عمره 3 أشهر، وهو ما لا ينصح به الأطباء، لكن هذا الوضع المزري يجبرك على أمور لطالما اعتبرها من الخطوط الحمراء.

كنت دائماً أقول ”صحة أولادي أولاً“، لكن ما العمل في ظل هذا الظلم؟ ولا يمكنني أن أغفل في حديثي عن وضع الدواء الذي أصبحنا نجوب الشوارع ليلاً ونهاراً بحثاً عن قطرة أذن، أو حتى خافض حرارة، ولا نسمع سوى كلمة ”مقطوع“. فأين هي أبسط حقوق الإنسان والطفل؟

6. وضع الاستشفاء للموظف

مستشفى رفيق الحريري الجامعي. صورة: HASAN SHAABAN/USN

كل ما ذُكر سابقًا لا يشكّل سوى لمحة بسيطة عن معاناة الموظف اللبناني، ولم أتطرق إلى كثيرٍ من المشاكل التي يتعرض لها زملائي الذين يتبعون لاستشفاء تعاونية موظفي الدولة، فالتعرفة الطبية في التعاونية، كبدل أتعاب طبيب أو فحوصات مخبرية أو فحوصات الأسنان، تشكّل رقمًا صغيرًا جداً مقارنة بالتعرفة الحقيقية التي يدفعها المريض فعلياً.

بعد كل ما سبق، ألم يحنْ الوقت كي نكون، نحن الموظفين، شعلة الثورة الحقيقية ضد الظلم والتبعية لدول الخارج؟ وأن نكون حجر أثاث الدولة المدنية العصرية التي ترتقي بالإنسان والكفاءات، وتنبذ كل أشكال الطائفية النتنة؟

مقالات إعلانية