in

رحلة تطور ”البوس“ في السينما المصرية

التقبيل في السينما المصرية قديما

حين شاهدت فيلم «زينب» لأول مرة، وهو أول فيلم طويل في تاريخ السينما المصرية سنة 1930، ووجدت نجمة العمل راقية إبراهيم توافق على تقبيل يحي شاهين لها، توقفت عند جملتها بعد ذلك: ”وماله مش حبيبي وهيبقى خطيبي“، هكذا إذن كان المنطق وقتها! ورغم إدراكي أن للسينما الأربعينية في مصر ”شطحاتها“، لكن على الأقل قدمت ما يقبله المجتمع، أن يُقّبل حبيب حبيبته دون أي اتهام أو جريمة ويحدث ذلك في ريف مصر ليس في القاهرة الملقبة بـ”أوروبا الشرق“ في هذا التوقيت.

يقول محمد الضبع في كتابه «أخرج مع فتاة تحب الكتابة»: ”لا أحد يعرف كيف تم اكتشاف أول قبلة في التاريخ لكنها حدثت في يوم من الأيام وتعددت أشكالها، فأصبحت هناك قبلات للسعادة وأخرى للشغف والشهوة، وقبلات الواجبات الاجتماعية كجزء من الترحيب الحار“، ربما هذا المقتطف يوصف بالضبط ما حدث لـ”البوس“ في السينما المصرية، وكيف انتقل من خانة الفعل العادي غير الموظف لإثارة أي شهوة، إلى أي فعل لا يأتي إلا في إطار الشهوة.

ولنعد إلى السينما، فبعد فيلم «زينب» اتخذ الفن السابع طريقه في مصر وتبلور مفهوم القُبلة، الذي بات يصلح لكل المشاعر والتوظيف السينمائي، وحتى ستيينيات القرن الماضي كانت القُبلة تعبيرًا عن الصداقة بين الرجل والمرأة، أو حتى بين امرأة وأخرى كما هو الحال في أفلام نيللي، أو وسيلة لبدايات الحب بين العاشقين وتجسد ذلك في أفلام كمال الشناوي، «بشرة خير» مثال، أو أمثلة للنهايات السعيدة كما هو الحال في معظم الأفلام الرومانسية كدلالة على انتصار الحب، مثل أفلام عبد الحليم حافظ.

هل يتعذر عليك إكمال قراءة كل المقال الآن؟ يمكنك حفظه في المفضلة والعودة إليه لاحقا..

أما التوظيف الأكثر غرابة بالنسبة لي هو استخدام القبلة كموقف كوميدي تماما كما ظهر في فيلم «لسانك حصانك»، حين قبّل السيد بدير عمر الجيزاوي وهما يرتديان الملابس الصعيدية في موقف قادر على إضحاكك بصوت عالي، وسار على هذا النهج ممثلون كثر أبرزهم عبد الغني النجدي.

 

هذا التوظيف السينمائي وتقّبل الجمهور له لم يكن إلا عنوانًا للمناخ السائد ثقافيًا واجتماعيًا، ولو وضعنا مشاهد القبلات إلى المشاهد التي ظهر فيها الممثلون يشربون الخمور بدون أي اتهامات أن هذا ”عيب وحرام“، بجانب مشاهد الرقص الذي كان جزءًا من تقاليد الأسر الأستقراطية، يمكننا أن نعرف لماذا لم تكن القبلة أي مثار للشهوة في تلك الفترة، ولماذا تقبلها الجمهور بدون أي شعور بالحرج، لأنها فعل نبيل أولًا وأخيرًا وعنوان للحب، يقول (هوجو) معبرًا عن ذلك الشعور بين المحبين: ”قُبلة.. وقيل كل شيء“.

لكن هذا المناخ الذي تقبّل فيه الجمهور أن يشاهدوا فيلمًا يناقش قضية التحول الجنسي «الآنسة حنفي» دون أي حرج سنة 1954، تغير بالكامل مع مطلع سبعينيات القرن الماضي ضمن موجة تغيير تبدل فيها كل شيء.

أول أسباب التغيير جاءت بعد نكسة يونيو 1967 وبدء انتشار الأفكار السلفية المتطرفة التي حرمّت كل شيء، وتولى أعضاؤها تحذير المواطنين من مشاهدة الأفلام التي بها رقص وخمور وملابس مكشوفة، ويكشف الناقد وحيد فريد في كتابه «تاريخ الرقابة السينمائية في مصر» كيف تولى أعضاء الجماعات الإسلامية منع الجمهور من مشاهدة فيلم «حمام الملاطيلي»، بل ويزيد أن قوانين الرقابة نفسها في عهد الرئيس الراحل أنور السادات شملت كثيرًا من القيود التي كان مسموح بها في السابق.

الإجراءات السابقة انعكست على الأفلام نفسها، فاختفت المشروبات الروحية وتم الاكتفاء بـ”البيرة“، واقتصر التقبيل على التحية بين نفس الجنس أي امرأة وامرأة، وبالطبع تقبيل في الخد لا في الفم، أو أن تكون القُبلة لإثارة غرائز الجمهور من خلال توظيفها كمقدمة لإقامة العلاقات الجنسية مثل فيلم «الجبان والحب»، الذي اكتفى بالقبلة كدليل أن هناك علاقة جنسية تمت بدون الحاجة لإعطاء إشارات أخرى.

السبب الثاني كان ما حدث في حقبة الثمانينيات من ظهور مصطلح السينما النظيفة، والمطالبة بأن لا يكون هناك أي قبلات أو مشاهد ساخنة، وزاد من ذلك ظاهرة اعتزال الممثلات على يد شيوخ أبرزهم الشعراوي، ثم تصريح الممثلات أنهن تبن عن الفن كأنه إثم واعتذرن عن مشاهد القبلات التي أدينها في الأفلام، مثل شمس البارودي التي اعتزلت الفن في 1985.

تلك التصريحات بجانب سيطرة الأفكار السلفية على المجتمع، انعكست على شاشة السينما التي خلت من أي شيء كان في الماضي، وحتى قبلات العاشقين باتت غير محببة.

أما السبب الأخير فهو ظهور جيل من الممثلين والممثلات يشترطون عدم التقبيل في أي عمل سينمائي، وآخرون صرحوا أنهم يرفضون احتراف بناتهم للتمثيل خوفًا من التقبيل مثل عادل إمام، واقتصرت البوسة على الممثلات الجريئات وغالبًا يتم توظيف تلك القبلات لإثارة الغرائز وهي الصورة السائدة حتى الآن.

ومنذ بداية الألفية الثانية ورغم التطور التكنولوجي، ظلت تلك النظرية سائدة لكنها زادت سوءًا، لأنه حتى تلك النسبة القليلة من النجوم الذين يؤدون مشاهد فيها قبلات اختفوا تماما، أو قدموا تلك المشاهد في أول أعمالهم السينمائية كجزء من ضريبة الصعود، وبمجرد الوصول لمرحلة النجومية يتبرئون من تلك الأعمال، مثل أحمد عز الذي تبرأ من فيلم «مذكرات مراهقة»، وحتى الأفلام الرومانسية لم تعد نهايتها ”قُبلة“، وقريبا ستختفي القبلات إذ أن توظيفها لإثارة الغرائز تم استبداله بتعرية جزء من الجسد كبديل، المهم أن لا تُلمس الممثلة!