أقصوصة

المرأة التي ضحّت بنفسها لتنقذ القرية!

قبل الميلاد

قبل الميلاد وفي إحدى القُرى الإغريقية الصغيرة شرق اليونان حالياً، اجتمع سادة وأعيان وتُجّار القرية وقرّروا وضع قواعد لأهل البلدة، وكان من ضمنها وجوب ارتداء معطف من الصوف الأبيض.

بدأ حكيم القرية وبشكل يوميّ يحثُ الناس على ارتداء المعطف وبيّن لهم ضرورته وأنه امتثال لعادات الأجداد ومدعاة للفخر والاعتزاز.

بدأ التجار بالترويج للمعطف الذي تتمّ صناعته باستخدام صوف الماشية، حيث يمتلكون قطعانًا كثيرةً من الماعز والخِراف. بدأت القريةُ بسنّ قوانين صارمة ومعاقبة المخالفين لقانون ارتداء المعطف، فانتشر المعطف في القرية وأصبح الجميع يرتدونه. ويُذكر أنّ أحد أهالي القرية كان مُصاباً بطفحٍ جلديّ وامتنع عن ارتداء المعطف فتمّ جلده بالسوط في سوق القرية وأمام الملأ ليكون عظة وعبرة لمن يُخالف القانون.

بعد ٢٠٠ عام من تلك الأحداث، كانت قد اتّسعت القرية وازداد عدد السُكان فيها، وكان بالطبع قد مات كل من فكّر وطبّق قانون ارتداء المعطف الصوفيّ لكنّه بقي رمزاً وأيقونةً للقرية توارثتها الأجيال.

في تلك الأثناء برزت مجموعات صغيرة ممّن لم يقتنعوا بضرورة ارتداء المعطف الصوفيّ رغم محاولات أهاليهم في إرغامهم وإقناعهم بارتدائه، كان البعض يرى المعطف الصوفيّ بشعاً وغير لائق لطبيعة عمله كفلّاح، البعض الآخر لا يرى أنّ هذا المعطف مناسباً له، والعديد من الأسباب الشخصية والفكرية التي برّروا بها عدم رغبتهم في ارتداء هذا المعطف.

حين علِم التُجار بهذه السلوكيات هرعوا لحكيم القرية وأخبروه بما يفعله هؤلاء المُتمرّدون، فخرج الحكيم إلى جموع الأهالي وعن شماله تقف تلك المجموعة المُتمرّدة وهُم مُقيّدون بالأصفاد، وخطب في الناس وبيّن آثام هذه المجموعة الضالة وسرد لهم ما وقع على القرى المُجاورة من عذاب جرّاء مُخالفتهم ارتداء المعطف.

فما كان من هذا الحشد إلّا الهتاف والمطالبة بمعاقبة المخالفين، وارتفعت أصوات الجماهير بصوتٍ واحد: ”إلّا المعطف إلّا المعطف“. ارتسمت ابتسامة على وجه الحكيم وهو ينظر نحو التجار الذين بادلوه الابتسامة ذاتها من على مقاعدهم الفارهة أمام الجماهير، ثم أشار للجلّاد ببدء تنفيذ العقاب.

فجأة وبعد أن صمتت الجماهير، جاء صوت من وسط الحشود: ”توقّفوا!…“

توجهت كافّة الأنظار نحو مصدر النداء، كانت سيدةً مُسنّة ترتدي المعطف وبيدها مغزل والكثير من كُرات الصوف، اقتربت للأمام حتى بلغت المنبر الذي يقف عليه الحكيم واعتلت أولى العتبات واتّجهت نحو الجماهير وهي تقول: ”أنا أصنعُ هذه المعاطف منذ ستين عاماً وأبيعها على الناس لسدّ حاجة أُسرتي، أبتاعُ الصوف من هؤلاء التجار الذين لم يكترثوا يوماً لحاجتي وعوزي وأمثالي الكثير ممّن يعملون في هذه الحرفة، نعمل ليل نهار وهم يتنعّمون بجهدنا ولم يُقدّروا ظروفنا ولم يُساعدونا بخفض أسعار الصوف، إن كان المعطف مقدساً ومهماً لهذا الحدّ لماذا يبيعون الصوف بثمنٍ باهض؟ ولماذا لا يقدّمونه للمحتاجين كعطاء ورغبة منهم لجعل الناس يرتدونه؟“

اعتلى الضجيج بين الحشود، وواصلت السيدة حديثها: ”أنا أعلمُ مصيري، لكن هل منكم مَن تساءل لماذا يرتدي هذا المعطف؟ ومَن منّا اختاره رغبةً منه؟ ومَن المستفيد من ارتدائنا له؟ لقد صمتُ زمناً طويلاً وعملتُ في صناعة المعطف لأُطعم عيالي وليس إيماناً منّي بهذا المعطف فهو مجرّد رداء لا يغيّر من قيمة الإنسان“.

ثم أدارت وجهها نحو المُتّهمين وهي تُشير صوبهم بالمغزل وكُرات الصوف وتقول: ”هذه هي صناعة المعطف، وليست قانوناً، أرجو أن تعذروني أنّي كنتُ ممّن يصنعون قيودكم لتعيش بها، كنت أتاجر بحريتكم من أجل رغيف خبز، أمّا الآن فأرجو أن تعذروني فلم أحتمل أن أراكم تُعاقبون من أجل عيشي، والقانون الذي لا يحترم حرية الإنسان ليس قانوناً!“

قام أحد الحضور بنزع معطفه وألقى به أمام الحكيم، وتوالى من بعده الجمعُ بنزع معاطفهم ورميها على الأرض، واعتلى الهتاف مرةً أخرى من الحشود، لكن كان مختلفاً: ”لا معطف لا معطف!“

عدد القراءات: 3٬268

تدقيق لغوي: عباس حاج حسن.