أقصوصة

مدينة الأموات

امراة فوق سطح المنزل في الليل
mm

إنها الواحدةُ صباحاً، الجميعُ نائمٌ، أضواءُ أغلبيّة بيوت جيراننا مطفأة، الطّقسُ حارُّ، وأصواتُ الزيز تملأ حديقتنا.

ها أنا واقفةٌ على حافّة سطحنا، أدّخنُ سيجارة ”سيدارز“ من النوع الرّخيص، ذات الرائحة الكريهة الثّقيلة التي لا تفارقك طوال النّهار. أنهيتها، رميتُها على الأرض قبل أن أطفئَها برجلي، واقتربتُ من حافّة السّطح، رجلٌ على الحافّة والأخرى على الأرض، وأنا أنظر إلى الأسفل وأحسبُ كم من ثانيةٍ ستستغرقني لأصل إلى الأرض بعد قفزي.

على حافة السطح

صورة: Ekaterina Antonova/VK

نظرتُ إلى سطوح جيراننا المجاورة، وبدأتُ أحصي كم من مخلوقٍ سيرمي بنفسه عن السّطح اللّيلة، تخيّلتُ مشهد انتحاري، جثّةٌ ملقاةٌ على الأرض، غارقةٌ في بركةٍ حمراء، فردةُ حذائي الأولى بعيدةٌ عنّي والأخرى إلى جانبي، دمٌّ يسيلُ من رأسي المحطّم، قميصي مرفوعٌ قليلاً من الأمام، وبنطالي ممزّقٌ من الأسفل، رائحتي تعبقُ بالدّخان والموت واليأس، ووجهي شاحبٌ…

وقعُ الارتطام سيوقظُ حتماً جيراني النّائمين، وصراخُهم عند رؤيتي سيُلملمُ المزيدَ من حولي ويجذبُ الغرباء الّذين لم تمنعهم حشريّتُهم من السّؤال عن هوّيتي، سيوقظون عائلتي لإخبارهم، وسأبقى ممدّدةً على الأرض والناسُ حولي متجمّعين يبكون ويرثون شبابيَ الضائع، ويطلبون الصبر لعائلتي.

ستأتي وسائلُ الإعلام صباحاً للتّصوير، سيقومون بالقليل من المقابلات مع جيراني ليأخذوا ما يشتهونه من معلومات خاصّة ودسمة عنّي: هل كنتُ مريضةً نفسيّة، هل كنتُ سعيدةً أو مجنونة، هل كانت عائلتي تعاملني جيّداً، هل توقّعوا هذا الشيء منّي، هل تركتُ رسالة وداع، سيبحثون في صفحتي الشخصية عن خبر، عن مبرّر يتكلّمون عنه. غير أنّ خبر موتي سيكون من العناوين السّريعة خلال النّشرة الإخبارية.

ستضجُّ وسائلُ الّتواصل الاجتماعي كالفايسبوك بصوري مع عباراتٍ ومقاطعَ مبكية عن مدى حبّهم لي، وكم سيشتاقون إليّ… منهُم سيبرّر لي وينبش صفحتي الشخصيّة ليرى بوستاً حزيناً كئيباً يبيّنُ كآبتي وميولي الانتحارية، أو يلفّقُ عمليّة اغتصابي أو فقداني لعذريّتي مع شابٍّ استغلّني، ومنُهم سيلوموني ويطلبون لي المغفرة والرّحمة من الله، علّ دعاءهم سيخفّف من وطأةِ عذابي في جهنّم، ومنهُم من سيعتبرني متمّردةً على الحياة وقساوتها ويتمنّى لو امتلك القليلَ من ”شجاعتي“ لفعلَها هو الآخر، والبعضُ سيتّهمني بالكفر والمعصية ويتمنّى خلودي في جهنّم، ويتحدّثُ عن أهميّة الصبر وكيف أنّ الحياة فانيةٌ وأنّني خسرتُ كلّ شيء…

فكّرتُ بأهلي، لم أستطع توقّع ردّة فعل أمّي، أبي وإخوتي، هل سيكرهوني؟ هل سيبرّرون لي انتحاري؟ هل سيتوقّفون عن محبّتي أو يمزّقون صوري، هل سيُكملون حياتهم، هل سيغفرون لي… لا أعلم.

أنزلتُ رجلي عن الحافّة وعدتُ إلى غرفتي، وقفتُ على حافّة السّرير ورميتُ نفسي عليه ونمت. استيقظتُ في اليوم التّالي لأذهب إلى عملي وأنا أضحك، أنظر إلى المارّة، وأنا أفكّرُ كم من شخصٍ قضى ولا يزال يقضي ليالٍ عديدة مثل ليلتي، في مدينة الأموات.

مقال من إعداد

mm

زينة البسط

مهتمة بحقوق الإنسان والحيوان قبل كل شيء، والبيئة والتوعية على الأمراض النفسية وتقبلها، شعاري هو تقبل الآخر كيف ما كان... بتلبقلنا الحياة ❤

عدد القراءات: 941

تدقيق لغوي: عباس حاج حسن.