أقصوصة

الشمس دائرية

غروب الشمس في النيل

الساعة الخامسة صباحًا. استيقظ على آذان الفجر قبل جميع الأطفال لأن مدرستي بعيدة، مدرسة جمال عبد الناصر الإبتدائية. أمي لم تستيقظ حتى الآن، ولا أظنها ستستيقظ قبل التاسعة. بعد سهرة النحيب التابعة لحفلة ضرب أبي لها. أبي هو حارس عمارة بشارع فيصل، أو كما يقال عنه البواب، نسبةً للباب. يقال عن سُكانها أنهم ”على قد حالهم“.

لا أحب أحدًا فيهم، يعاملونني باستلطاف مصطنع أقابله بضحكة بلهاء، أو صفراء كما يقولون. معظم أطفال المدرسة يشفقون عليّ بسبب ميعاد استيقاظي مع أنني أحبه، فيتعجبون من قولي هذا. فهذا هو أيضًا ميعاد استيقاظ طلاب الجامعات، وأحس بفخر وسعادة غريبة وأنا أمشي بينهم.

وهو أيضًا موعد استيقاظ الطالب الجامعي الساكن بالدور الأول، آخر السكان المحترمين. أحبه لأنه يناديني بإسمي و ليس بـ”يا حبيبي“. أسمع دائمًا صوت الموسيقى القادمة من غرفته، أحبها. ففي مرة سألته عن الموسيقى التي كان يسمعها قبل النوم قال ”دي آلة إسمها كمنجة“، قلت له أن صوتها جميل جدًا، قال أنها آلة وترية يعني ينتج صوتها عن اهتزاز بعض الخيوط، وتهتز معها القلوب.

مرة سألته لماذا لا يسمع ”شعبي“ مثل ساكن الدور الثالث، هما في مثل السن تقريبًا! قال ما معناه أن الموسيقى هي وحي، يحرك قلبك وعقلك ثم بدنك، أما ”الشعبي“ يُحرِك بدنك فقط. فسألته أليس الوحي هو ما نزل على النبي؟ قال أن الوحي ينزل على الكثير، فالكتب وحي، والموسيقى وحي.

يوم الجمعة الأخير كنت بجانبه وقت الخطبة وفي وقت الدعاء، بعد كلمات الإمام المعتادة ”أستغفر الله لي ولكم أدعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة“، وجدته لا يدعي فمازحتُه قائلًا ”شايف ربنا مش هيستجيب ولا ايه؟“ فقال ”الإمام قال إن ابن نوح اسمه مصراييم جه مصر وعلشان كدة اتسمت مصر، مع إن مصر كان اسمها من أيام القدماء كيمي والكلام ده موجود في التوراة“ قلت ”وهو اليهود عندهم كلام كدة زينا“ قال ”التوراة وحي بردو“ فقاطعني أحدهم ”شششششششش“.

وعدني يومها أن يأتيني بكتاب، من المفترض أن يعطيني الكتاب اليوم بعد قليل، سأخرج الآن ربما يخرج قبل ميعاده خصوصًا أني سمعته يتشاجر مع أبيه البارحة. عندما رأيته كان يمشي سريعًا غاضبًا، تشبه عيناه اليوم عينين أمي. سألته عن الكتاب فأعطاني بعض الصفحات المطبوعة قائلًا أنها من قاموس لكلمات اللغة العربية أسمه ”لسان العرب“ ويجب علي أن أعرف معاني الكلمات أولًا قبل أن أقرأ. ابتسمت ورحل.

لن أقرأ الكتاب في الطريق فأنا أحب أن أشاهد بريق نهر النيل من فوق ”كوبري عباس“، وأنظر للشمس. هي دائرية، وأنا أحب الدوائر. بعدما تمشيت قليلا، نظرت إلى السماء فرأيت طائرين يطيران فوق بعضهما أحدهم حالك السواد والآخر ناصع البياض. قلت لنفسي أن لولا وجودهما معًا لما لفت أحدهم انتباهي مفردًا، فوجود الشئ وضده دائمًا ما يحلي الشيء.

وأنا على الشارع أحاول أن أضع خطة العبور للناحية الثانية من الطريق وسط السيارات المتسارعة، فوجئت برجل كبير يمسك يدي وفي يده الأخرى إبنته و يقول لي ”استنى هعديك“ لم أتكلم ولكنني، فرحت. وابتسمت وأنا أنظر إلى السيارات نظرة انتصار. فانتصرت عليهم بالوصول إلى الناحية الأخرى وانتصرت على عطشي لحنان أب، حتى لو لم يدم إلا لثوانٍ. ونظرت للشمس، لأرى إبتسامة تدور في محيطها، ترقص، على نبضات قلبي.

عدد القراءات: 386