in

دخلك بتعرف «كتيبة العاصفة»، مرتزقة (هتلر) وسلاحه الذي استغله للصعود إلى السلطة

تسمى بالألمانية Sturmabteilung أو SA اختصاراً، وتعني «كتيبة العاصفة»، إنها مجموعة من القوات الخاصة التي أُنشئت بعد سقوط الإمبراطورية الألمانية، وظلت قواتاً متفرقةً حتى قام (أدولف هتلر) بتجميعها لتخويف خصومه السياسيين.

استغل (هتلر) فترة الإحباط والبطالة التي شهدتها ألمانيا بعد الخسارة في الحرب العالمية الأولى وقام بتجميع جيش غير رسمي من الميليشيات والمحاربين القدامى، تحت مسمى «كتيبة العاصفة»، لترهيب خصومه السياسيين وحماية الحزب النازي في مراحله الأولى.

لم يكن صعود (هتلر) إلى أعلى مستويات السلطة في ألمانيا سهلاً بدون اعتماده على هذه الوحدات الخاصة، أما بعد استيلائه على البلد، لم تعد «كتيبة العاصفة» سلاحاً ذا قيمة لدى الزعيم النازي، الذي لا يرحم.

تشكيل ميليشيا «كتيبة العاصفة»

عانت ألمانيا بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى من اليأس والفقر والغضب الشعبي العارم، خاصة بعد عقد مؤتمر (فرساي) وفرض عقوبات غير منطقية على ألمانيا، كإجبارها على دفع مستحقات الحرب بأكملها، أضف إلى ذلك القيود التي فرضها الحلفاء على ألمانيا وجيشها، فكان الجيش الألماني مصدراً للفخر الوطني، أما بعد الهزيمة فرغب الحلفاء بإعاقة أي قوة ألمانية قد تهدد مصالحهم، لذا فرضوا قيوداً على تعداد الجنود الألمان بحيث لا يزيد عددهم عن 100 ألف.

حاولت الفصائل المختلفة استغلال الوضع الداخلي للبلاد، خاصة الفصيل الشيوعي المتأثر بشدة بالثورة البلشفية في روسيا، والفصيل الفاشي الذي استغل صعود (موسوليني) للسلطة في إيطاليا، وفي عهد جمهورية (فايمار) –التي تلت سقوط الامبراطورية– توترت العلاقات بين هذه الفصائل وتطورت خلافاتها إلى حوادث دموية في الشوارع.

في عام 1921، قام (أدولف هتلر) بإنشاء تنظيم رسمي لبعض الميليشيات واليمينيين المتطرفين، وحولهم إلى منظمة شبه عسكرية أُطلق عليها اسم Sturmabteilung والتي تترجم إلى «كتيبة العاصفة».

عناصر «كتيبة العاصفة» يعتقلون الشيوعيين في برلين.
عناصر «كتيبة العاصفة» يعتقلون الشيوعيين في برلين.

عُرفت هذه الفرقة شبه العسكرية فيما بعد باسم «القمصان البنية» لأن أعضاءها ارتدوا زياً بنياً مشابهاً لزي «القمصان السود» في إيطاليا الفاشية، وتكونت هذه الفرقة العسكرية أساساً من جنود قدامى ساخطين وممنوعين من الانضمام لصفوف الجيش، والذين كانوا في البداية بمثابة حراس شخصيين، أو أداة لتصفية أي معارضٍ للفكر السياسي النازي.

اضطر أعضاء «كتيبة العاصفة» إلى حلّ قواتهم مؤقتاً بعد فشل مؤامرة خططوا للاستيلاء عن طريقها على الحكومة البافارية في ألمانيا، وعُرفت هذه المؤامرة باسم ”انقلاب قاعة البيرة في ميونخ“.

قامت السلطات الألمانية بقمع القوات شبه العسكرية وزجت بـ(هتلر) في السجن في عام 1923، ومع ذلك جاء الكساد الكبير ليوفر فرصة ذهبية لـ«كتيبة العاصفة» والنازيين عموماً للاستيلاء على الحكومة.

كتيبة العاصفة وإرنست روم

كان (إرنست روم) رئيس «كتيبة العاصفة» صديقا مقربا من (هتلر). التقطت هذه الصورة سنة 1933. 
كان (إرنست روم) رئيس «كتيبة العاصفة» صديقا مقربا من (هتلر)، التقطت هذه الصورة لهما سنة 1933.

كان أثر الكساد على ألمانيا كارثياً، خصوصاً أنها لا تزال مكبلة بمعاهدة (فرساي) المجحفة، وأصبحت بالتالي خطابات (هتلر) وأفكاره ذات صيت شعبي واسع، بالتزامن مع فقدان المواطنين الألمان لوظائفهم وكفاحهم من أجل إعالة أسرهم، ناهيك عن التعويضات الشنيعة التي على ألمانيا إيفاؤها لدول الحلفاء، ومن كان تجمع كل هذه الأسباب جعل من الانضمام لـ«كتيبة العاصفة» فرصة عمل جيدة بالنسبة للكثير من الألمان.

في عام 1931، عين (هتلر) رئيساً للقوات يدعى (إرنست روم)، وهو نازي متعصب انتسب سابقاً لصفوف الحزب منذ أيامه الأولى في عام 1919. كان (إرنست) أيضاً أحد أقرب الأصدقاء الشخصيين لـ(هتلر)، حيث يدعى البعض أنه الشخص الوحيد الذي كان الزعيم الألماني (هتلر) يناديه بصيغة المخاطب Du غير الرسمية، كما كان (روم) واحداً من الأشخاص القلائل الذين سُمح لهم بمناداة (هتلر) باسمه الأول.

بحلول عام 1933، أي بعد مرور عقد من الزمن على فشل المؤامرة الأولى للاستيلاء على الحكومة، بلغ عدد أعضاء الحزب النازي –تحت حكم (روم)– نحو مليوني رجل، أي ما يعادل عشرين مرة حجم جيش ألمانيا الرسمي والدائم، لذا بدأ الحزب النازي يثير قلق المسؤولين الكبار في البلاد.

تم تعيين (هتلر) مستشاراً لألمانيا من قبل الرئيس (فون هيندينبيرغ) في عام 1933، الذي قام بهذه الخطوة آملاً أن يقوم أعضاء كبار في الحكومة بالسيطرة على (هتلر) وجمهوره من المؤيدين، وكما اتضح لاحقاً، فقد كان الرئيس مخطئاً كثيراً.

يظهر في هذه الصورة (روم) على يسار (هتلر).
يظهر في هذه الصورة (روم) على يسار (هتلر). صورة: German Federal Archive/Wikimedia Commons

وفي هذه الأثناء، لم تكن الأمور تجري بالسرعة الكافية وفقاً لـ(روم) وميليشياته، لذا قام بالضغط على (هتلر) كي يباشر فرض سيطرته الكاملة على الحكومة.

في عيون (فون هيندينبيرغ) ومجموعة من السياسيين المحافظين، بالإضافة إلى رؤساء الجيش الألماني، فـ«كتيبة العاصفة» ليست إلا مجموعة من البلطجية والمرتزقة العنيفين، وهي تهديدٌ كبير للقانون الهش الذي بالكاد يدير الدولة.

تفاقم الوضع بحلول عام 1934، لذا قدم قادة الجيش إنذاراً نهائياً لـ(هتلر): إما أن يضع حداً لتصرفات «كتيبة العاصفة» الطائشة أو أنهم سيقومون بانقلابٍ عسكري ويطردونه من السلطة.

فاق عدد أفراد «كتيبة العاصفة» عدد جنود الجيش الألماني الرسمي بكثير.
فاق عدد أفراد «كتيبة العاصفة» عدد جنود الجيش الألماني الرسمي بكثير. صورة: German Federal Archive/Wikimedia Commons

ليلة السكاكين الطويلة

كان (هتلر) يعرف تمام المعرفة أنه لن يستطيع إحكام سيطرته على البلاد بدون دعم الجيش. علاوة على ذلك، أدرك أن «كتيبة العاصفة» أصبحت عديمة الجدوى، فقد كانت وظيفتها الأساسية ترهيب المعارضين، ويبدو أنها لم تفلح في هذه المهمة، كما زاد عدد الموالين لـ(هتلر) مما جعل وجودها غير ضروري، لذا قرر خيانة مؤيديه الأكثر تعصباً، محصلاً بذلك المزيد من المصالح الشخصية.

لم يكن (هتلر) الوحيد الراغب في التخلص من (روم)، بل كان هناك عددٌ من كبار النازيين المتحمسين لطرد (روم) كي يضمنوا لأنفسهم مكاناً في الحزب النازي. عمل كل من (غورينغ) و(جوبلز) و(هيس) و(هيملر) و(هايدريش) في جميع المناسبات على إقناع (هيتلر) بأن صديقه المقرب يتآمر ضده ويخونه كي يستولي على السلطة، مدعوماً بملايين الجنود الخاضعين لأوامره في «كتيبة العاصفة».

كانت وحدة العاصفة من أشد المعادين للسامية، وفي هذه الصورة يظهر أحد أفرادها وهو يمنع الناس من الدخول إلى أحد المحلات التجارية اليهودية.
كانت «كتيبة العاصفة» من أشد المعادين للسامية، وفي هذه الصورة يظهر أحد أفرادها وهو يمنع الناس من الدخول إلى أحد المحلات التجارية اليهودية. صورة: Wikimedia Commons

نتيجة لذلك، أعطى (هتلر) في الـ30 من شهر يونيو عام 1934 أوامره للجنود السياسيين في الحزب النازي المعروفين باسم قوات الأمن الخاصة أو الـSS بتنفيذ حملة تطهير ضد قوات «كتيبة العاصفة». أُطلق على تلك الليلة ”ليلة السكاكين الطويلة“، حيث تم تصفية عدد من قادة الـSA أو «كتيبة العاصفة» رمياً بالرصاص في أحد سجون (ميونخ) بعد أن ألقي القبض عليهم في أحد الفنادق البافارية لتناول مأدبة عشاء.

تم سحب هؤلاء الرجال من غرف نومهم وأسرّتهم واقتيادهم بعيداً، ثم إعدامهم بدم بارد، وأعدموا أحياناً عائلات بأكملها. كان (هتلر) يهدف إلى القضاء على أي شخص قد يشكل تهديداً لسلطته في المستقبل. أما بالنسبة لـ(روم)، فقد نُقل إلى زنزانة السجن وأعدم رمياً بالرصاص، يُقدر عدد القتلى الرسمي في تلك الليلة بـ85 شخصاً، لكن بعض الحسابات تؤكد وفاة أكثر من 400 شخص.

زادت مخاوف كبار المسؤولين في الحكومة الألمانية من «كتيبة العاصفة»، لذا أمروا هتلر بالتخلص منها على الفور.
زادت مخاوف كبار المسؤولين في الحكومة الألمانية من «كتيبة العاصفة»، لذا أمروا هتلر بالتخلص منها على الفور.

استمر أفراد «كتيبة العاصفة» بارتكاب أعمالٍ ضد اليهود، بالرغم من تقلص حجم المنظمة بعد الأحداث السابقة، فكانت هذه الوحدة مسؤولة عن تدمير عشرات المحلات التجارية المملوكة من قبل ألمان يهود، كما تم تصفية أكثر من 100 يهودي ألماني في ما يعرف باسم Kristallnacht أو ”ليلة الزجاج المكسور“.

توفي (فون هيندينبيرغ) في العام التالي لهذه الأحداث، وأصبحت سيطرة (هتلر) على ألمانيا مطلقة تماماً، واتجه العالم إلى أكثر الحروب فتكاً بالبشرية.

جاري التحميل…

0