اجتماعيات

ظاهرة الانتحار، لماذا قد يقدم شخص على إنهاء حياته بهذه البساطة؟

الانتحار

من أخطر المشاكل التي تعاني منها المجتمعات منذ القدم هي ظاهرة الانتحار، وقد تختلف نسبة بروزها من مجتمع لآخر وفي أزمنة مختلفة إطّراداً مع الظروف والأزمات الحاصلة. ومن المُلفت والمستهجن كيفيّة تعامل البعض في مجتمعاتنا مع الأشخاص المنتحرين وتقييمهم لهم، أو الذين يشكون من عوارض هذه الحالة المرضية. لذا كان لا بدّ من إشارة وجيزة نحو بعض الأفكار والتنبيهات حول هذا الأمر وكيفيّة التعامل معه.

غالباً ما يكون الانتحار نتيجة لأسباب كثيرة يتعرّض لها الشخص قبل شروعه في هذا الفعل، فالانتحار ليس جبناً مثل ما يتوهم البعض، كما أنه ليس مجرّد هروب. يمكن القول أنّ هذا الشخص يعاني من آلام مبرحة تضغط عليه باستمرار وتؤثّر على مزاجه ووعيه حتى ترديه فاقداً لصوابه. وهذا ما يحصل نتيجة لسيطرة هذه الحالة المرضية على الضحية ما لم تتمّ المعالجة المفترضة لها نفسياً.

لا يمكن لنا عموماً وصف الآلام التي يشعر بها الشخص قبل الانتحار بشكل دقيق، ذلك أنّنا أغلبنا، ببساطة لم نمرّ بمثل هذه الحالة فعلياّ. لا يمكن لنا أن نحكم على هؤلاء الأشخاص بالضعف أو الجبن أو كلّ تلك الصفات السلبية التي عادةً ما يتراشقها الناس جهلاً، دون شعورهم بحجم الخطورة التي يقترفونها بهذا الفعل.

من المهمّ جداً معرفتنا أنه قد تصل درجة اليأس عند الشخص المنتحر إلى الحدّ الذي يجعله ينحاز إلى الموت ومفضّلاً اختياره على أن تستمرّ كل تلك الآلام التي يشهدها ويواجهها، فلا يصحّ أن نضع اللّوم على الأشخاص المنتحرين ولا أن نتحامل عليهم، لكن اللّوم والمسؤولية الكبرى تقع على المجتمع وضحالة ثقافته في محاكمته للأمور، كجهلهم بالأمراض النفسية أو عدم تقبّلهم لها ومحاولة تفهّم الأشخاص الذين يعانون منها.

جميعنا نعلم نسبة الخوف التي نشعر بها مثلاً إذا ما وقفنا على سطحٍ شديد الارتفاع وحاولنا النظر الى الأسفل. هؤلاء المنتحرين قد يصل بهم الألم الى الحدّ الذي يجعلهم مستعدّين للموت وإنهاء حياتهم فقط للتخلّص من حدّة تلك الآلام والإرهاقات التي تسيطر عليهم.

لست هنا بداعي التشجيع على القيام بفعل الانتحار أو تبريره كحالة طبيعية وصحية، أبداً، إنّما الغاية من ذلك هي الدّعوة إلى مساعدة أولئك الأشخاص من خلال تقديم المعالجة اللّازمة لهم بدايةّ، ومن ثم محاولة نشر الوعي لدى فئات المجتمع تجاه ظاهرة الانتحار وكيفيّة التّعامل معها بشكل عام. فذلك يُعتبر جزءاً مهماً في عمليّة إخراج هؤلاء الأشخاص من الظلام الذي يعيشونه وإعطائهم الأمل من خلال اهتمامنا بهم وتفهّمنا لوضعهم، إذ يكونون في أشدّ الحاجة إلى ذلك.

لا بدّ من التعامل مع الأمراض النفسية بإزاء الأمراض الجسدية، من حيث ضرورة معالجتها. بل يمكن القول أنّ الأمراض والمشاكل النفسية تُعتبر في كثير من الأحيان أشدّ خطورة من الجسدية، كونها مشاكل خفيّة ولا يشعر بها إلّا صاحبها.

عدد القراءات: 8٬993