أقصوصة

النوم وسيلة الهروب من لعنة الوعي

لوحة لـPauline Zenk
لوحة لـPauline Zenk

ذبابةٌ تحوم في أفق الغرفة، صوتها المزعج غصبه على الاستيقاظ، أعاده إلى الحياة مجدداً، وهو الذي كان على الدوام يستخدم النوم وسيلةً للهروب من لعنة الوعي، من لعنة أنه مدركٌ لهذا العالم.

لربما هذه الذبابة هي التي أوحت إلى حوّاء أن تأكل من شجرة معرفة الخير والشر اللعينة، الشجرة المحرمة، التي يصل بها الإنسان إلى مرحلة الألوهية، ولربما هذه الذبابة البغيضة هي من أوحت إلى برومثيثيوس أن يُكَون البشر، ومن ثم وسوست له من جديد كي يسرق النار من الآلهه ويهبها للبشر، النار التي هي الحكمة والوعي!

لربما هذه الذبابة هي سببٌ لكل الآلام في هذا الكون.

تطلّع إلى ساعته، ولكنه لم يجدها، تذكر حينها أنه قد باعها البارحة كي يؤمّن ما يشتري به لفائف التبغ، فكر وهو ينظر إلى سقف غرفته الرطب، لا بُد أن الساعة ما تزال باكرة، فالشمس لم تغب بعد!

نهض من سريره متثاقل الخطى، متجهاً نحو الثلاجة، فشعوره بالعطش قد أضناه، شرب أكثر من حاجته وعاد مُسرعاً إلى سريره، دون أن يغسل وجهه حتى، فالفوضى التي كان عليها مطبخه تثير الاشمئزاز، استلقى على فراشه وبدأ يتحدث لوسادته، واصفاً لحظةً عاشها البارحة قائلاً: ”ذاك الخط الأفقي مازلت أذكره تماماً، لقد رأيته بعدما تطلعت صدفةً إلى السماء، لقد كان يمتد وكأنه شريط هديةٍ، كم تمنيت في لحظتها أن يلتف حول عنقي، أن يسحبني إلى فوق، ويخلصني من كل هذا القُبح، إن هذا العالم بكل بهائه، ليس جميلاً، تخيلي معي حتى قطرة الماء على أوراق اللوتس، كم تبدو جميلة، هل فكرتِ يوماً ماذا بداخلها، إنها حروبٌ وآلام بين البكتريا، هل لاحظتِ كم أن العالم قبيح بعد تفكيكه، حتى تلك المرأة الجميلة المثيرة التي نتخيلها، ماذا تحوي، إنها ليست إلا كتلةً من التفاهة والبشرية، هل لاحظتِ عمق الألم، إنه لا يكمن إلا في الأماكن العميقة، في قلبي، وقلب فان خوخ، ونيتشه.“

لم تجبه وسادته، وليست هذه عادتها، فهي لم تسكت يوماً، أما ذاك الكسول فقد غفا من جديدٍ، هارباً من كونه بشري، لساعاتٍ فقط.

عدد القراءات: 5٬373