in

هل يجب على الغرب أن يفرض عقوبات على السعودية بسبب قضية خاشقجي؟

السعودية

اختفى خاشقجي، وضجت الصحف الغربية بعشرات المقالات والمنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي بشكل يومي. تقرأ في منشور أن خاشقجي تم نقله إلى السعودية، ثم تقرأ في آخر أنه تم قتله، ثم تقرأ أنه خرج من القنصلية، ثم تقرأ عدة منشورات ومقالات، كل مقال يحكي قصة مختلفة عن ماذا حصل لجثته وأين هي.

وكل هذا والتحقيق لم يبدأ ولا يوجد رواية رسمية لا من الجانب السعودي ولا التركي، ضبابية تلف الموضوع والإعلام يصب الزيت على النار ويجيش الرأي العام، ومئات الآلاف من المتابعين الغربيين يتفاعلون بغضب شديد، حتى أن البعض في فرنسا مثلًا وضع لافتة على شارع ليحمل اسم شارع جمال خاشقجي. الإعلام ينقل عن مصادر تركية وعربية معظمها قطرية، لتكتشف رويترز مؤخرًا أن عشرات المصادر كانت مضللة.

لن أدخل في تفاصيل ما حصل لخاشقجي، ما يهمني هنا هو ردة الفعل الغربية، رأينا الكثير من الأصوات تتصاعد من مراكز صناعة القرار الأوروبي والأميركي تطالب بقطع العلاقات مع السعودية، بل وفرض عقوبات على المملكة. على إثر هذه الضجة والغضب المتصاعد من الغرب، اضطرت الكثير من الشركات الغربية لمقاطعة مؤتمر اقتصادي كان يجري في الرياض في تلك الفترة: «مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار» أو «دافوس الصحراء».

بعض الشركات قاطعته كليًا، والبعض الآخر من الشركات الكبيرة والمصارف أرسلت مدراء بمناصب أصغر من الرئيس أو المدير التنفيذي، وأحد أول المقاطعين كان رجل الأعمال البريطاني (ريتشارد برانسون) صاحب مجموعة Virgin التي تستثمر فيها السعودية، والتي وقعت معها مشروع خطوط (هايبرلووب) على أراضي السعودية.

هذه كانت عينة مما حصل ومن آراء اليسار الليبرالية الغربي حول ما يجب فعله إزاء قضية خاشقجي.

ما هي النتائج التي ممكن أن تحصل لو فعلًا قاطع الغرب السعودية؟

السياسة الغربية تتعامل مع العالم وكأنه لا يوجد شيء اسمه الصين وروسيا، وتريد فرض القيم الغربية الليبرالية بالقوة على الجميع وإلا سنقطع العلاقات ونفرض عقوبات.

منذ أشهر، عندما خرج وزير الخارجية الألماني يعترض على سياسات السعودية وألمانيا لها تاريخ طويل بذلك وكانت قد منعت تصدير دبابات Leopard إلى السعودية بسبب وضع حقوق الإنسان، ماذا حصل؟ أصدر محمد بن سلمان أمرًا باستبعاد الشركات الألمانية من المناقصات على المشاريع الحكومية كعقاب لألمانيا، بالنسبة للدبابات سابقًا اشترت السعودية دبابات وعربات قتالية من أميركا وكندا. الخاسر الوحيد هنا هي ألمانيا، خسرت استثمارات حقيقية بمليارات الدولارات لصالح دول أخرى، ولم تستطع تغيير وضع حقوق الإنسان في السعودية.

عندما أعلن (ريتشارد برانسون) مقاطعته للسعودية بسبب قضية خاشقجي، ألغى محمد بن سلمان مشاريع الـ(هايبرلووب) التابعة لشركة Virgin، بعدها بأيام استقال (برانسون) من منصب رئيس مشاريع ڤيرجين للـ(هايبرلووب)، لا يوجد أي سبب منطقي للاستقالة سوى أنه تم عزله بسبب سياسته غير الراشدة، التي تسببت بخسارة مشاريع وشراكات بالمليارات لصالح شركات أخرى.

(ريتشارد برانسون)
(ريتشارد برانسون) ومشروع خطوط (هايبرلووب) على أراضي السعودية.

بالنسبة للمؤتمر الذي حصل في الرياض، قرر محمد بن سلمان معاقبة الشركات التي قاطعت المؤتمر بمنعها من الاستثمار في السعودية، أما الحضور الصيني فكان لافتًا جدًا، وأمّنت الشركات الصينية والروسية مشاريع عدة في السعودية.

الخلاصة، النفوذ الصيني والروسي يتوسع على حساب الغباء الغربي المتمثل بالسياسة الرخوة وغير المستقرة المتأثرة باليسار الليبرالي. الصين اليوم مشاريعها تملىء المنطقة العربية، وتبرم مشاريع هائلة مع دول الخليج ومصر تحديدًا، و(بوتين) لا يفوت أي فرصة.. العلاقات الروسية السعودية بأفضل حال. السعودية ودول المنطقة لا يمكنها الاعتماد على الغرب كحليف أساسي بسبب السياسة الرخوة المنتهجة في الغرب.

كان وزير الخارجية السعودي الراحل سعود الفيصل يحاول إقناع إدارة (بوش) بعدم شن حرب على العراق لأنها ستأتي بنتائج كارثية، أهمها إطلاق العنان للمشروع الإيراني في المنطقة، ولكن (بوش) أتى وزرع بذرة الخراب، وأتى بعده (أوباما) وساعد إيران على حساب الخليج وإسرائيل، والآن (ترامب) هو عكس (أوباما)؛ يعاقب إيران ويدعم الخليج واسرائيل. في هذا الجو المضطرب والسياسة غير المتزنة؛ صعد نجم (بوتين) في المنطقة، والتأثير الروسي يكبر سنة بعد سنة.

في النهاية لا يمكن لإسرائيل أو تركيا أو الخليج الاعتماد بشكل كامل على أوروبا وأميركا، فاستغل (بوتين) الأمر وأبرم العديد من الاتفاقيات وحسّن العلاقات مع الجميع. السعودية تحديدًا دولة غنية جدًا، وشعبها من الشباب الطموح، وقيادتها تحمل للمستقبل مشاريع هائلة، ومع ذلك ترى الغرب يريد مقاطعتها متجاهلًا وجود روسيا والصين.

النتيجة أن الغرب سيخسر تأثيره في المنطقة تدريجيًا، ويخسر اقتصاديًا لصالح الصين، وبالنسبة لحقوق الإنسان فوضعها لن يتغير بالشكل الذي يريده الغرب، والصين وروسيا كما ذكرت لا يهتمون لحقوق الإنسان.

جاري التحميل…

0