اجتماعيات

أوهام علمانية

اوهام
صورة لـAlejandra Atarés

العلمانية من الترجمات الموفقة من الناحية اللغوية، فالجذر يعود إلى كلمة secularism الذي يعني حرفيا الدنيوية، في مقابل الدينية. والمعنى العربي مشتق من العالم أي العالم الدنيوي المادي في مقابل العالم الروحي، إلا ان الترجمة العربية تحمل تلميحا مهما للعلم والذي يعطي للمصطلح زخما معرفيا، بل وإزاحة ذكية عن المعنى الغربي.

ومن الناحية التاريخية فيعود المصطلح إلى عصر التنوير الذي لم يكن يعني سوى نقل أملاك الكنيسة إلى ملكية الدولة، ولكن المسألة ليست مجرد عملية إدارية بحتة كما توهم عبد الوهاب المسيري، بل إن عملية النقل للأملاك تحمل دلالات سياسية أعمق من ضمنها تقليص دور السلطة الدينية إلى أقصى حد ممكن.

القبيلة العلمانية

إلا أن صيغة التعريف المبسط للعلمانية وهو فصل الدين عن الدولة لا تبدو كافية على الإطلاق، وبمعنى آخر فإن العارة المبسطة لا توحي أي معنى يدل على عملية إيقاف المؤسسة الدينية عن ممارسة دور سياسي. ولذا احتجنا إلى تفكيك المعنى. فهو يتطلب ثلاثة معطيات: الدولة، والدين، وعملية الفصل، أما المركزية تعود للدولة وتحديدا الدولة الحديثة القائمة على جملة المؤسسات القانونية ذات السيادة والسلطة، وبالتالي تكون العلمانية هي صفة دولة، بمعنى أنها تتعلق بالدولة ومؤسساتها.

العلمانية

صورة لـM. F. Hussain Reproduction

وهنا تسقط الذهنية العربية في الوهم الثاني وهو تحويل العلمانية من وصف لدولة إلى وصف أفرادٍ. ومن المثير للسخرية وصف أحدهم نفسه بـ”العلماني“ وهو ما يساوق وصف نفسك بـ”الديزل“ وهي صفة سيارة طبعا. والمفارقات الأكثر عجبا أن من يطلقون على أنفسهم لقب (العلمانيين) يعتبرون أنفسهم اقلية عربية!

في سياق الأقليات الدينية والحزبية، نعم قد يصح من باب المجاز العقلي بأن العلماني المفترض من أنصار فصل الدين عن الدولة، وعليه فلا يصار إلى تحميل العلمانية معاني أيديولوجية وتحوليها إلى أخلاق وأسلوب حياة وغالبا ما يراد بها التحررية الشخصية، وهذا أمر لا علاقة له بأي من الأشكال بالعلمانية.

علمانية الدولة

كما أنه ومن ناحية أخرى العلمانية ليست صفة دولة فحسب، كما يحاول عزمي بشارة أن يوهم قارئيه، بل العلمانية صفة الدولة بـ(الـ) التعريف، والفرق شاسع بين التعريفين، فكون العلمانية صفة دولة يفسح المجال لأن تكون الدولة علمانية أو غيرها، بينما القول بأنها صفة الدولة تؤدي أنه لا يمكن للكيان السلطوي أن يكون دولة إلا بالعلمانية، ولا دولة بلا علمانية، والعكس صحيح بالضرورة. وقد يستشكل البعض فيتساءل هل دول كالسعودية وايران والكيان الصهيوني دول علمانية؟

وهنا ينبغي الانتباه أن الدول المذكورة وسواها من الدول العربية ليست سوى مشاريع دول وليست دول، وبمعنى آخر أن الحديث يدول حول الدولة الحديثة التي تحكم بواسطة المؤسسات والوزارات والبرلمان وأجهزة الأمن والشرطة والجيش.. الخ.

وكما ترى أن الكيانات المذكورة أعلاه لازالت قيد الانشاء، المتأرجحة بين الملكيات العائلية والاحتلال العنصري، وبين الدولة. ومن ناحية أخرى فما تم بناؤه من مؤسسات دولة حتى في السعودية هي مؤسسات علمانية، كما أن سلوك العربية السعودية وسواها من الدول المنقوصة خارجيا وداخليا هو سلوك دولة علمانية، ومن الناحية العملية بدأت الدولة السعودية بالظهور بفضل ثورة عمال النفط وصدور أول قانون للعمل سنة 1979 وصعود فيصل للحكم، الذي وضع الخطوط الأولى للدولة، وبداية التحول من المشيخة الى الملكية من جهة وتحور الشعب من رعية إلى مواطنين تدريجا من جهة أخرى.

فيصل بن عبد العزيز آل سعود

فيصل بن عبد العزيز آل سعود

ومن اللافت أن المعارضة السعودية تحمل تهمة وحيدة ضد الحكومة السعودية وهي العلمانية، بينما يوصف أبناء الطبقة الحاكمة بالليبراليين، وطبعا التحليل ينطبق على معظم الدول العربية التي لم تكمل بناء مؤسساتها المدنية والسياسية، فالمشكلة إذن تعود إلى الفشل في بناء الدولة الوطنية، ومن أشد الكيانات العربية فشلا قد تكون لبنان، بينما شُرعِن الفشل العراقي دستوريا، بعد سحق مشروع الدولة الاسبق وإعادة البناء من جديد.

ومن تبعات هذا الوهم أن تسمع بين الفينة والأخرى المعارضات العربية القومية واليسارية تتهم الأنظمة العربية العسكرية بأنها غير علمانية، ولكم يتشابه هذا الاتهام وتهمة الإسلاميين للأنظمة بأنها كافرة لا تطبق الشريعة، إذ أن المنطلق الايديولوجي واحد، لا فرق بينهما إلا باللفظ، ناهيك عن أن الأنظمة لا توصف بالعلمانية، لان كلمة (نظام) إجرائية واستخدامية لا يقصد بها إلا التقليل من شأن السلطة الحاكمة، كما أن العلمانية ليست تعاليم ولا وصفة ولا دين إذ أنها كما تبين، بل عزل المؤسسة الدينية عن السلطة السياسية وهنا الوهم الثالث في الدين.

العلمانية الطهرانية

الفهم المجتزء للدين على أنه فكرة وتعاليم وحسب، اسقط الذهنية العربية في مشكلة أخرى، إذ أن المقصود بالدين هو السلطة الدينية بمعنى تلك المؤسسة سواء كانت كنيسة أو مجمع فقهي أزهرا كان أو حوزة علمية وديار إفتاء. وليس ما تحمله تلك المؤسسة من تعاليم وأفكار، فالقصد إذن تقليم تلك السلطة حتى أبعادها نهائيا عن مراكز صناعة القرار.

والفهم الملتوي للدين في سياق العلمانية دفع ناصر حامد أبو زيد إلى نقده الساذج لرواد الدولة الاسلامية بقولة بما ملخصه: ”ليس للدولة دين فهل رأيت دولة تصلي وتصوم؟“ وهذا النقد بالغ في السذاجة، لأن لا أحد ادعى أنه سيسوق الدولة للمسجد أو الكنيسة، بل المطلوب أن تتربع المؤسسة الدينية على سدة الحكم ومراكز اتخاذ القرار، كما يسقط النقد المنتشر في أوساط اليسار حول أن العلمانية تنزيه للدين عن السياسية، ناهيك عن التضليل الذي يكتنف هذا النقد إذ الذي يحمل معنى الطرد بصيغة مؤدبة عمليا، فإن الكلام لا يدور حول الدين، والدين ليس واحد بل مجرد مؤسسة السلطة الدينية التي طالما تحملت أوزار العمل السلطوي.

الحيادية

والعلمانية لا تنفصل عن الفعل المشتق منها، وهو فعل العلمنة، وعملية الفصل، وبمعنى آخر فالعلمانية ليس قرار يتخذ وحسب، بل عملية دائمة، وسيرورة تبدأ من مؤسسات الدولة إلى الدستور حتى التشريعات القانونية، بل وحتى اللوائح التنفيذية، وهو المعنى الذ يركز عليه الفيلسوف العربي جورج طرابيشي بأكثر من مكان، وبهذه المنطقة نحن نتحدث عن العلمنة العميقة، التي تطال التشريعات والقوانين، والسير نحو علمنتها جملة وتفصيلا، وهي بمعنى آخر إخراج المؤسسة الدينية عن إقرار قوانين تتعلق بالفرد ذاته، وإحالة مصادر التشريع إلى الفلسفة الأخلاقية الإنسانية، وما تمخض عن الجدالات الانسانية من نتائج، وهنا تتعارض العلمانية مع الدين بعمق، ليسقط الوهم الرابع الذي يرى أن العلمانية لا تتعارض مع الدين، بل بالعكس صحيح فإن شغل العلمنة الشاغل في المجالات القانونية هي مناهضة الدين وتعاليمه التي تدخلت في أدنى تفاصيل السلوك البشري، فالدين مثلا يناهض الزواج من خارج الطائفة، والدين يفرض لباسا معينا على المرأة، بينما القانون العلماني لا يكترث بتلك التشريعات.

مآذن مساجد

وهنا لا ينبغي الخلط بين العلمانية القانونية والمساواة، إذا أن المساواة والحريات هي مصدر القانون العلماني وليست العلمانية، بمعنى أن المؤسسة القانونية التي تشرع هي علمانية تستمد مصادرها من مبادئ لادينية، نعم العلمانية لا تتعارض مع السلوك الديني الفردي، الذي يلزم به المواطن نفسه به وليس الآخرين، وليس جميعها طبعا.

فعلى فرض أن طقسا دينيا يحوي تعاطي الهيرويين أو الاتجار به، هذا تعارض مع العلمانية، كذلك خطاب الكراهية والتحريض الديني وهو من صلب نشاط المتدين اليومي، بما في ذلك الأدعية الطقسية على أبناء الديانات الأخرى بالهلاك والموت والفناء من المفترض أن يمنعها القانون العلماني.

وهنا تبدو العلمانية واضحة في حملها لمعاني أخلاقية ذكية تتجلى بقوانين الدولة، كما أنها مشحونة بالمعاني المعرفية من ناحية التعليم العلماني ومناهجه، التي تحيل أقاصيص الخلق مثلا إلى حقول الميثولوجيا وعلم الحضارات، بينما تعلم التطور في علم الاحياء، فلا معنى للحيادية المضللة فلا يوجد قصة خلق رسمية من بين قصص الشعوب، ولا معنى لترجيح قصة الخلق البابلية على الهندوسية، والعلمانية تقتضي التحيز للمعطى العلمي وحسب.

العلمانية اللفظية

قد يوصف القانون اللاديني بالمدني، بل تجاوز هذا الوصف إلى الدولة، لتوصف كذلك بالدولة المدنية، وهو الوهم الخامس، إذ أن المدنية مبدئيا صفة مجتمع وليس صفة دولة ولا مؤسسات، وصفة المدنية تتعلق بالتنظيمات المجتمعية وتكتلاتها، والتي تشكل حالة وسيطة بين المجتمع الاهلي والسلطة، أي الدولة العلمانية.

وبمعنى آخر أن مفردة الدولة المدنية أطلقها دعاة العلمنة لتضليل الرأي الشعبي عن العلمانية، بينما يلعب المجتمع المدني والأحزاب السياسية الدور الاساسي في العملية الديمقراطية، وهذه الأخيرة أيضا لا علاقة لها بالعلمانية فقد تكون الدولة علمانية ولادينية ودكتاتورية وفاشية أيضا، نعم الدولة العلمانية هي الركيزة الحاملة للعمل السياسي الدمقراطي.

فالعلمانية هي صفة الدولة المنجزة أو ما انجر منها وهي عملية مستمرة وسيرورة لا تتوقف، يقوم في جوهرها على إبعاد السلطة الدينية عن مراكز صناعة القرار والتشريع، وبالتالي فإن معاداة العلمانية من طرف الحركات الدينية ليس وهما، النماذج العلمانية في العالم خير دليل على حشر رجال الدين في دور العبادة وعدم الترخيص لهم بالتدخل في الشأن العام تحت أي ظرف. وذلك أن الدين هو مؤسسة تعود تاريخياً إلى حقبة ما قبل الدولة الوطنية.

عدد القراءات: 9٬627