أقصوصة

مقاعد الصعود إلى أسفل

مقاعد الصعود إلى أسفل

هكذا عَنوَنَ عامِلُ المَحجَرِ الجامِعيّ رِسالَتَهُ إلى وَطَنِهِ الأُم والجامِعة، ثُمَ إلى المُؤسَساتِ الوَطنيةِ والشرِكاتِ الكُبرى في الخارِج العربيِّ حينَ طَلَبَت سيرَتَهُ الذاتِية شَرطَ الخِبرَةِ لِخَمسِ سَنواتٍ على الأقل.

”1“ على مَقاعِدِ الدِراسَة

”أنتَ طالب“ نعتَزُ بِك، أما خارِجها “فلا شيء” ولذا، لا شيءَ يَدعو للاعتزاز سَتغدو عالَةً أخرى ومرآةً جَديدة لِفَشَلِ نِظامِنا مُتَكامِلِ النَجاح. ارحل باكِراً، لا مَكانَ لِلضَفادِع المُحايدَة في مُستَنقَعٍ مُتناغِمٍ لِلضفادِعِ الصَفراء والخَضراء. لا ألوانَ أخرى، ولا أرضَ هُنا تَتَسِعُ لانعدام اللّون.

هكذا قالَ الوَطَن على لِسانِ الضُفدَعِ الحاكِمِ وتُجار العَقاراتِ في المُستَنقَعِ البَشريّ.

”2“ على مَقعَدِكَ في المَسرَح

وَحينَ تُسَدِدُ مِن دَمِكَ رُسومَ الساعاتِ المُعتَمدَة، نُرَحِبُ بكَ وبِما في جُعبَتِكَ المُهتَرِئةِ مِنَ الأحلام: ادفع أولاً ومن ثَمَ تَتَخَرَج، تَعمَل، تَتزَوج وتَموتُ بِكُلِ السَعادَةِ التي تَملِك.

هكذا قالَت الجامِعَة في نَدوةٍ للتَعريفِ بِالمُؤسساتِ الخاصَةِ والعامَة.

”3“ على مَقعَدِ مُقابَلةٍ للعَمَل

تَحتاجُ الخِبرَةَ لِتَحصُلَ على عَمل، وتَحتاجُ عَمَلاً لِتَحصُلَ على الخِبرةِ اللازِمَةِ لِتَعمَل، وفي الحالَتين تَموتُ انتظارا.

هكذا قالَ آدم حينَ طُلِبَ مِنه وَضعَ مُعادَلةٍ عادِلَة لِسوقِ العَمَلِ الفِلِسطينيّ.

”4“ على مَقعَدٍ في المَقهى

سَتَجلِسُ ضارِباً عَرضَ الحائِطِ حُلمَك، تُديرُ ظَهرَكَ لِفِنجانِ الشاي وَصوتُ أُم كُلثوم حينَ تُرَتِلُ: ”وعايزنا نِرجَع زَي زَمان قول للزِمان ارجع يا زَمان“. تَتَنَهَدُ احتراماً لِهُدنَةِ الجَمالِ الرَمزيِّ في صَوتِها، لِتَعودَ في لَحظَةٍ لواقِعكَ الكَئيب، وَلَو كُنتَ أكثَرَ تفاؤلاً فَقَد تعَكفَ مِثلَ “آدم” على كِتابةِ نَصٍ كَهذا.

في المَحجَر، لَن تَكونَ المُثَقَفَ غَريبَ الأطوارِ ولا الجامِعيُّ المُجتَهد أو قَويَّ البُنيَةِ المُزَيَّف، لَن تَكونَ شَخصاً عَرفتَهُ مُسبَقاً، وفي المَحجَرِ تَحتاجُ هُوِيَةً أو رَقماً آخرَ على طَريقَةِ أصحابِ البَشَرةِ السَمراء في أمريكا تَحتَ وَطأَةِ التَمييز العُنصُريّ، باختلاف طَريقةِ الشَحنِ لأنكَ سَتَشحَنُ نَفسَكَ على زورَقِ الحاجةِ مِن بَيتِكَ طَوعاً، لا على سُفن العَبيدِ القادِمَةِ من افريقيا لِخِدمةِ مَن يُصَدِّرونَ الحُريةَ للعالَمِ الجَديد.

في المَحجَر، لَن تَتَشَدَقَ بشُيوعيةِ قَلبِكَ مُجدداً، سَيَستَحيلُ جَسَدُكَ آلةً تَملَؤُها الرأسماليةُ الجَشِعة بِوَقودٍ مِنَ العُملاتِ المَعدَنِيةِ “ما يَكفيكَ لِتَملأَ رِئَتَيكَ بِالهواءِ اللازمِ لإتمامِ العَمَل” لَيسَ جَشَعاً بَل ليحافظوا عَلى المُستَوى الأمثَل لِخَطِ الإنتاج.

”لا بأسَ إن مُتَّ إنسانِياً“ ما يُهِمُ حَقاً أنّ تَظَلَ الآلَةُ فيكَ بِحاجَةٍ لِلوَقود.

في المَحجَر تُقاسُ الحَياة بِعَدَدِ الأمتارِ الحَجَريةِ التي تَنتَشِلُ فيها الصَخرَ مِن تَابوتِهِ الجِلديّ، لَيسَ عَدَدُ الساعاتِ أو الأيامِ مَا يُدنيكَ من الكُهولةِ بَل الإنتاج. فَعُمّال الخَلطِ مَثلاً يَحسِبونَ أعمارَهُم بِعدَدِ دِلاءِ الرَمل، الخرسانة والإسمَنت اللازِم لِخَلقِ صَخرَة، كُلُ الصُخورِ هُناكَ تَتَكسَر إلا تِلكَ التي سَتَحمِلُها عَلى صَدرِكَ أنّى ذَهَبت “صَخرَةُ الحاجَة”، الحاجَةُ لِتَكسيرِ كُلِ شَيء وتَرميم ما تَبَقى مِن إنسانِيَتِك.

كُن قادِرَاً على العَطاء إذن، حَتى إذا مَا طَفحَت على اسمرار جِلدِكَ بُقَعٌ بَيضاء مِن قَذارَةِ العَفَنِ الآدميّ. “كُن قادِراً عَلى العَطاء” شِعارٌ آخر قَد يَحمِلُهُ العامِلُ المُثَقَفُ لِيتَحايَلَ عَلى واقِعِهِ الجَديدِ كآلَةٍ خَرقاءَ فَشِلَت في لَملَمةِ ما تَبَعثَرَ مِن شَظايا الإنسانِ فيه.

في المَحجَر، وإن كُنتَ حاصِلاً على دَرَجَةِ البَكالوريوس أو شَيئاً مِن هذا القَبيل سَيَنتَهي بِكَ الأمرُ بِشَدٍ عَضلَيّ، فُقدانٌ طَفيفٌ لِحواسِكَ الخَمس، رُكبَةٌ على وَشَكِ الانهيار، ولا تَتَعجَب إن وَجَدتَ نَفسَك غَيرَ قادِرٍ على الكِتابةِ مُجدداً. تِلكَ أوتارُ أصابِعكَ وَقَد فَقَدَت لَحنَها، لا لشَيءٍ بَيدَ أنَّ سِتَةَ عَشَرَ عاماً مُتَخَفِياً وَراءَ الكُتُبِ ومَقاعدِ المَكتَبات لن تَكونَ ذَخيرَةً جَيدةً للأشغالِ الشاقَة.

”5“ مِن على مَقعِدِكَ في الطائِرة

وكَحامِلٍ لِلهُوِيةِ الخَضراء سَيُرَحِبُ القُبطانُ بِكَ سَريعاً: “لَلفِلسطينيين القادمينَ مِن بُقعَةِ الحَربِ المُبارَكة، نَرجو تَركَ الأحزِمةِ النَاسفة في الأراضي المُقَدَسةِ ديناً والمُكَدَسَةِ حَرباً، أنتُم على مَتنِ ناقِلةِ الأحلام، وسَنَقودُكُم للعالَمِ المُتَحَضرِ قَريباً ما لم تَنفَجِر الطائِرة، عَهدُ السَبعيناتِ وليلى خالد قد وَلّى”.

”6“ في مَقعَد انتظارك الطَويل في المَطار

سَتَسمَعُ مُوَظَف الاستقبال يَقول: أهلاً بِالقادِمينَ مِن الخَنادِقِ والأنفاق، بِرُوادِ الثَكَنات العَسكريةِ وأشباح الصُفوفِ الأمامِيَّةِ لِلَحُروب، نُرَحِبُ بِالناجينَ النازِحينَ مِن أرضِ المَعرَكَة، أهلاً بِكُم في ”مَزرَعَةِ الحَيوانِ الآدَميّ“ هُناكَ شاغرٌ دائماً لِأشباهِ “بوكسر” هكذا يَقولُ ”نابليون“ على لِسانِ ”جورج أورويل“، تَماماً كَما تَقولُ اللافِتَةُ في مَقَرِ الاستقبال لِمَطاراتِ الدُول العَرَبِية.

”7“ المَقعَدُ الأخير

سَيَطولُ انتظارك عَندَ زاوِيَةِ التَفتيش للتحَقُقِ مِن خُلُوِ قَلبكَ مِن أمراضِ القَنابلِ، وجَسَدك مِن مُخَلَفاتِ الحُروب. وسَتَسمعُ مَديحاً كَهذا مِن رِجالِ الأمن: ”حَسنٌ هذا جَيد، قَلبُكَ لَيسَ قُنبُلة وذلكَ نَبضٌ لا عَقارِبُ ساعةِ الانفجار.“ وما بَينَ بَين يُغالِبُكَ النُعاسُ حينَ تُفَتَشُ الحَقائِبُ مِن رَمادِ بَيتِكَ أو بَقايا الأَحِبَةِ مِمَن فَقَدتَ في الحُروبِ الطَويلةِ مَعَ الزَمن، لِتَصحو مُجَدَداً على حُلم آخرَ بِالثَورَة عِندَ عَتباتِ العالَمِ الجَديد، فَأنتَ فِلسطينيٌّ آخِرَ الأَمر!

عدد القراءات: 517