أقصوصة

زنزانتي الرمادية

زنزانتي الرمادية
mm
إعداد: لبنى غزال

أعيشُ في غرفةٍ لم يدخلها الضوء منذ شهور، الأيام هنا تعادلُ السنوات، الثواني هنا تمرّ كالساعات.

الأيام أبديّة وأزليّة وضبابيّة، ما الوقت؟ أنا لا أعلم فأنا لم أرَ أيّ ساعةٍ منذ أن سُجنتُ هنا، حتى لا يمكنني رؤية الشمس لتقدير الوقت، فليس في سجني هذا نافذة أو شقٌ بسيط ليدخل منه الضوء.

لماذا حُبستُ هنا في هذا العالم الرماديّ؟ أنا لم أفعل شيئاً سوى أنّي أحببتُ رجلاً تعمّد في طفولته وسمع التراتيل عوضاً عن القرآن.

كأيّ فتاة وقعتُ بحبّ أحدهم، كان وسيماً، وعطوفاً وذكياً. عشتُ معه أياماً لا يمكن أن تتكرّر ولا أعتقد أنّي سأخرجُ يوماً لأعيش ما يشابهها.

ظللتُ معه لأكثر من سنتين، نطوفُ الطرقات ونواسيَ الشاطئ في وحدته، ونلقي السلام على النجوم المنسيّة والغيوم الرماديّة، رآني الكثيرُ من أصدقائي أرقصُ فرحاً معه، أخبرتهم أنّه حبّ حياتي وأنّه من أريدُ العيش معه حتى الموت، وأخبرتهم أنّ اسمه أحمد، لا أدري لماذا أخفيتُ اسمه، أكنتُ خائفةً من نظراتهم لي بينما أنا أتجوّل مع ”كافر“؟ أم أنّي خشيتُ أن يؤذيَه أحدُهم؟

لقد أحبَّ الجميعُ معشوقي أحمد، فهو خلوقٌ وعطوف واستمرّينا لأيامٍ طويلة نختبئ تحت ظلّ عباءة اسمه المزيّف، أحمد!

حتى جاء ذاك اليوم المشؤوم، اتّصل بي أحمد وهو يقول: ”سأسافر وأريد أن نتزوّج قبل ذلك، أرجوك أخبري عائلتكِ عنّي.“

امتلأ قلبي بالهلع فأنا لن أصمد أمام تعصّب أبي الدينيّ وخمار أمّي الأسود مع دعواتها عليه وعلى النصارى بالموت الأسود الذي يشبه غطاءها. وكما توقّعت فقد رجموني بالرفض والشتائم والدعوات والتهديدات لأنفصل عنه، فانهرتُ بالبكاء والهذيان.

بعد انهياري الأوّل أمامهم، نادى عليّ والدي ليخبرني بأنه يحبّني لكنّه لن يسمح لي بالزواج من رجلٍ مسيحيّ حتى لو بدّل دينه من أجلي، ماذا أفعل الأن؟ أبي هو الرجل الذي أحببتُه طول حياتي، هو الرجل الذي رعاني وسهر على راحتي، ولكنّ معشوقي أحمد هو من أحبّه قلبي.

كيف لي أن أختار بين الرجل الذي أحبّني قبل أن أولد وبين الرجل الذي وُلدت حين أحببتُه؟

كانت تداهمُني هذه الأفكار لأيام وساعات طويلة في غرفتي المعزولة إلى أن أتّخذتُ قراري.

اتّصلتُ بأحمد بينما أصابعي ترتعش، أخبرتُه أن ينتظرني مساءَ الأربعاء، سنهربُ سويّاً! همسَ لي: ”لن يفرّقني عنكِ أيّ دين، فما الأديان إلّا أسماء.“

أنا لا أذكرُ شيئاً عن ذلك الأربعاء الذي مضى منذ سنتين أو أربع، أنا حقّاً لا أعرف كم مضى عليّ هنا، ذلك اليوم الذي قد انتظرني أحمد لأهرب معه، لكنّ زجاج آمالي تحطّم تحت مطرقة أقداري. لقد طُعن أحمد حتى الموت، أمّا أنا، فقد حاولوا قتلي؛ وعندما فشلوا رموني في زنزانتي وقالوا أنّي متّ!

أنا حقاً لا أعلم إن كنتُ ميّتة عالقة في البرزخ، كلّ أيامي أربعاء طويلة وكئيبة. ما زلتُ أرى أحمد كلّ يومٍ وأتحدّث معه لساعات، البارحة قد أهداني عقداً فضّياً يشبه كثيراً عقدي الذي فقدته ذلك الأربعاء.

رغم زياراته المتكرّرة لا يقبلُ بأن يلبثَ معي طويلاً، مازال يخاف عليّ من غضب أهلي.

مقال من إعداد

mm

لبنى غزال

مهتمة بالعلم بكل فروعه خاصةً الفلك منه، ومحبة للتاريخ والتنكولوجيا.

عدد القراءات: 336

تدقيق لغوي: عباس حاج حسن.